ثورة «السيسى» الحقيقية!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

أراد الرئيس السيسى خيراً بجزء غال وعزيز من شعب مصر هم سكان العشوائيات، رأى ورأينا أنهم ظلموا كثيراً وهم فى ذاتهم صورة من صور الظلم الاجتماعى، بعد أن ذهبت حقوقهم ومخصصاتهم فى السكن والعلاج والتعليم والتوعية كمواطنين إلى جيوب لصوص كبيرة، نبذل كل محاولات استرداد حق الشعب منهم حتى اليوم.. إلا أن نية الرئيس الصادقة المخلصة واجهتها يد العبث التى طالت سكنها الجديد و«عفشها» الحديث، فراحت تخرب بيديها عطاء الوطن لها.. فكان ما كان ونقرأ ونسمع عنه فى بعض هذه الأماكن.. ويبقى السؤال: هل هؤلاء ضد أنفسهم؟ هل يكرهون الخير؟ هل لا يعرفون مصلحتهم؟ هل نزعات الشر غالبة عليهم تتحكم فيهم وتوجههم؟ أم هم أصلاً كما قلنا مجنى عليهم، وهذا نتاج ما تحصلوا عليه من علم قليل ووعى لا يذكر وتوعية لا تناسب ما يجرى فى بلادنا اليوم؟! هى الأخيرة بلا جدال!

وأراد الرئيس السيسى قطعاً خيراً بشعب مصر وبدين الله العزيز الحكيم، عندما دعا إلى تجديد الخطاب الدينى وفتح باب الاجتهاد لإنقاذ سمعة دين سماوى عظيم يصفونه فى قارات العالم الآن بأنه دين الإرهاب ومنصة العنف فى العالم، وأن أتباعه يقتلون ويذبحون ويفجرون ويخطفون بتعاليمه الموجودة فى كتابه وسنة رسوله (عليه الصلاة والسلام)، ورغم أن دعوة التجديد قديمة جديدة طالب بها الكثيرون، حتى ممن يرتبطون بشكل أو بآخر بقوى التطرف، حيث تجدها فى كتابات القرضاوى وأحمد كمال أبوالمجد وسليم العوا.. وتجدها فى كتابات من اتهموا فى نياتهم وتم تشويههم بالكلية مثل جمال البنا وخليل عبدالكريم وفرج فودة.. لكنها دعوة التجديد وإعمال العقل العمود الأساسى فى فكر كل أنصار مدرسة العقل فى فهم الإسلام المقابلة لمدرسة النقل التى تنقل النصوص والفتاوى والأحكام دون أى تفكر، فتجد فى رموزها أسماء عظيمة خلدها التاريخ وخلدت نفسها بتراثها الذى تركته، ومنهم الإمام الأعظم وهكذا لقبوه أبوحنيفة النعمان والأستاذ الإمام، وهكذا لقبوه محمد عبده والإمام المجدد، وهكذا لقبوه محمود شلتوت الإمام الأكبر وأول من حمل اللقب من بين شيوخ الأزهر بعد قانون تطويره عام 1961، ومن المعاصرين تجد الشيخ أحمد الكبيسى من العراق (ويعيش فى الإمارات) ومحمد شحرور (ويعيش فى الإمارات وهو صاحب مشروع كامل من عدة موسوعات وإصدارات لتجديد الفكر الإسلامى كله أهمها الكتاب والقرآن ونحو فقه إسلامى جديد والإسلام والإيمان)، ومن قبله محمد سعيد رمضان البوطى فى سوريا وقاسم أحمد فى ماليزيا، صاحب كتاب التقدم إلى الإسلام.

وقدم كثيرون غيرهم فى كل مكان اجتهادات مهمة، لهم أجران فى الإصابة وأجر فى الخطأ، لكنهم فى كل الأحوال أدركوا كينونتهم كبشر استخلفهم الله على الأرض واتبعوا أمره سبحانه بالتفكر والتأمل والتعقل والنظر، وفهموا أنهم من «أولى الألباب» الذين مدحهم رب العزة فى كتابه الحكيم!

والدعوة إلى التجديد ثانياً دعوة حق يراد بها حق، تريد أن يتكلم المسلمون لغة يحترمها العالم، فضلاً عن إجابتها عن أسئلة العصر بعد مستجدات هائلة، كما أن الدعوة ثالثاً لا تستهدف عقلاً ثوابت الدين، لأنها تريد تجديده لا تغييره ونفض الغبار من عليه وليس حجبه وإظهار روحه السمحة وليس كما هو ظاهر منه الآن، كما أن دعوة التجديد رابعاً ليست ضد التراث كتراث إنما تحترم أصحابه وتعتبرهم قدموا للبشرية خلاصة جهدهم فى زمانهم، لا يعيبهم ما توصلوا إليه وما أفتوا به، لأنه ابن زمانهم، إنما العيب من التسليم به فى زمان آخر وظروف أخرى، والقبول به رغم تجاوز الزمن له، فلأنه تراث يكون بشرياً خالصاً، والبشرى يؤخذ منه ويرد، بل يجوز رده كله إن تجاوز كله الزمان والمكان والظروف والأحوال!

وكثيرون لا يدركون حجم تأثير الخطاب الدينى المتأخر على حياتنا ومستقبلنا.. وحاضرنا كله.. فالإرهاب الذى نواجهه نتاج أفكار منحرفة ندفع ثمنها غالياً، والعنف الطائفى إفراز لأفكار خاطئة لكنها تهدد وحدة الأمة، والفساد نتيجة لفتاوى غير صحيحة قالت للناس إن لكم فى المال العام حقاً وإن «سرقته لا حد فيها لوجود شبهة»! والانفجار السكانى نتاج لها أيضاً، ويكفى القول إن علماء الدين فيهم من ترك أصل الموضوع ويجادل منذ عشرات السنين عن الفرق بين «التحديد والتنظيم»!! كما أن الزواج المبكر والصراع المفتعل بين الشرع والقانون سبب مباشر له أفكار خاطئة، وكذلك نجد الطلاق بقانون الخلع المشكوك فى صحته كله لأسباب دينية وله وحده تناول مستقل!

وهكذا يتبلور مفهوم الثورة المقصودة.. ثقافية شاملة تستهدف العقل المصرى ذاته، الذى تحول إلى متلقٍ جاهز للتعبئة بل والتغليف أيضاً، ومن أدلته تعاطف الناس مع الإخوان قبل ثورة يونيو اعتقاداً فى صحة أكاذيبهم وافتراءاتهم مما أظهرهم بمظهر المظلوم المفترى عليه، كما سمح للأفكار المتطرفة بل والمتخلفة أن تنتعش فى كل مكان، من علاج ببول البعير لمؤاخذة إلى الجدال فى نقل الأعضاء ومشروعية تهنئة الجار غير المسلم!! نحتاج إلى ثورة ثقافية معرفية تعيد للمصرى عقله النقدى التحليلى، الذى يجعله يفكر فى أى شىء وكل شىء، ويعيد انتماءه لبلده بإدراكه أن كل جميل فيه ملكه وكل قبيح فيه عليه مسئولية تغييره.. ثورة ثقافية تكشف لوحدها نشطاء التمويل والأفاكين والمنافقين وتجار الوطنية تماماً كما كشفت تجار الدين.. ثورة ثقافية معرفية تعيد للدين شبابه وللفتوى معقوليتها وللأحكام عصريتها وللمفردات فى الخطاب الدينى جمالها وللعبارات بريقها وللألفاظ وقارها وللعالم مكانته وللعلم قدسيته.. إلا أن كل ذلك كما رأينا وسنرى قد يضع البلاد والعباد فى موضع مختلف.. متقدم ومعاصر.. لذلك لن تتفرج قوى الشر وتتركنا نفعل ذلك.. بل ستقاوم إلى آخر حدود المقاومة.. مستخدمة كل أسلحتها من الاتهامات الباطلة إلى التلفيق والتشهير بل والتكفير إن أمكن بتهم الطعن فى الدين.. وبسبب هذه المقاومة يبدو ما نريده ونصفه بأنه «ثورة حقيقية» وإلا لكان عملاً عادياً لا بطولة فيه ولا مكان ينتظر صاحبه فى التاريخ!