فى مئوية السادات.. فاتورة السلام: «سأزور إسرائيل.. ولتذهب الدبلوماسية إلى الجحيم»

كتب: بهاء الدين عياد

فى مئوية السادات.. فاتورة السلام: «سأزور إسرائيل.. ولتذهب الدبلوماسية إلى الجحيم»

فى مئوية السادات.. فاتورة السلام: «سأزور إسرائيل.. ولتذهب الدبلوماسية إلى الجحيم»

خسر الرئيس الراحل أنور السادات رفقاء السلاح وزملاء السجن وشركاء السلطة وأصدقاء شبابه خلال رحلة البحث عن السلام بعد نصر أكتوبر 1973، وكان من بين هؤلاء 3 تربعوا على قمة هرم الدبلوماسية المصرية وعمداء هذه المدرسة العريقة، وهم إسماعيل فهمى، وزير الخارجية الأسبق، وزميله محمود رياض، وزير الدولة للشئون الخارجية، إثر إعلان نيته زيارة القدس عام 1977، ثم استقال الوزير محمد إبراهيم كامل، خلال المفاوضات بين السادات وبيجن وكارتر عام 1979، رغم أنه ظل رفيقاً للسادات منذ تم اعتقالهما فى قضية اغتيال أمين عثمان أثناء الاحتلال البريطانى، حتى مفاوضات كامب ديفيد بولاية ميريلاند الأمريكية.

على الرغم من إسهام وزارة الخارجية الكبير فى عملية السلام من خلال كوادرها وخبرائها فى فنون التفاوض والقانون الدولى، سواء عبر مفاوضات كامب ديفيد أو معركة التحكيم حول طابا، إلا أنه خلال بداية تلك المسيرة، كثيراً ما اصطدم السادات بوزراء خارجيته وعيّن غيرهم محلهم. وعن هذه الحقبة، يقول الدبلوماسى المخضرم السفير الدكتور رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق: «إن السادات كانت له رؤية سياسية خاصة، كان ينفذها على مراحل، المرحلة الانتقالية بدأت بعد وفاة ناصر، مع وزير الخارجية مراد غالب الذى كان من المؤمنين بضرورة التعاون مع الاتحاد السوفيتى الذى يقوم بتسليحنا وغيره، وكان سفيرنا فى موسكو فى مرحلة عبدالناصر، وقام بتوقيع اتفاقية تعاون مشترك مع الاتحاد السوفيتى، ولكن بعد تمكن السادات فى السلطة، استعان بالدكتور محمد حسن الزيات خلال فترة ما قبل الحرب، وهو رجل أديب وخبير فى الشئون العربية والدولية وعمل مندوباً فى الأمم المتحدة، واستمر فى منصبه وزيراً للخارجية حتى انطلاق الحرب خلال وجوده فى نيويورك لحضور اجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وحدثت مشادة بينه وبين هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى، وأرسل الزيات برقية بالمشادة ولم تعجب السادات، الذى كان يرى أن الحرب هى مرحلة انتقالية، أى تنقله لمرحلة تعاون مع الولايات المتحدة، وكان فى ذهنه أفكار معينة، واختلف مع الزيات، وكان إسماعيل فهمى وزيراً للسياحة، فكلفه بوزارة الخارجية حتى يعود الزيات، الذى عاد عن طريق ليبيا حيث كانت مطارات مصر مغلقة وقتها».

{long_qoute_1}

وتابع «حسن» لـ«الوطن»: «عندما جاء فهمى برؤيته حول السلام التى قدمها للسادات فى مذكرة، حدث خلاف بين السادات والأسد حول المفاوضات، وبدأت سوريا تقول نحن لسنا فى صلب الموضوع، وفشل مؤتمر جنيف للسلام، وبدأ السادات فى التفكير بطريقة أخرى، ويختلف مع وزير خارجيته الذى يطرح الحل من خلال التفاوض الجماعى والمجتمع الدولى والأمم المتحدة، حيث كان للسادات رؤية أخرى للتحرك بمبادرة مباشرة، وأيضاً كان مستشاره للأمن القومى يقوم بالتواصل مع الأمريكان، وتبلورت الفكرة فى رأس السادات، وفوجئ فهمى الذى كان يجلس بجواره الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات أثناء طرح السادات فى خطابه بالبرلمان لفكرة استعداده للذهاب إلى إسرائيل، وترتب على ذلك التوجه استقالة «فهمى»، وأصبح وزير الدولة للشئون الخارجية الدكتور بطرس غالى ومصطفى خليل رئيساً للوزراء ووزير الخارجية، خلال زيارة السادات لإسرائيل».

بعد خروج «فهمى» من العمل السياسى، انشغل بالكتابة حول صنع السلام فى الشرق الأوسط، وكان أشهر كتبه «التفاوض من أجل السلام فى الشرق الأوسط: رؤية عربية»، حتى توفى فى عام 1997، وكان وزير الخارجية الأسبق محمد إبراهيم كامل من الشخصيات الرئيسية التى شاركت فى مفاوضات اتفاقية كامب ديفيد للسلام، ولكنه استقال خلال المفاوضات وعاد من كامب ديفيد للقاهرة مستقيلاً، وبعد يوم واحد من استقالته وقع الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن اتفاقية كامب ديفيد، فى البيت الأبيض، بحضور الرئيس الأمريكى جيمى كارتر، والتى نتج عنها الوصول إلى أول اتفاق سلام بين دولة عربية وإسرائيل فى مارس 1979.

وفى مذكراته بعنوان «السلام الضائع»، روى «كامل»، قصة الأشهر العشرة التى قضاها وزيراً للخارجية مع السادات، وضمت نفس المذكرات أيضاً قصصاً شيقة حول عمله مع السادات فى اغتيال المتعاونين مع الاحتلال الانجليزى من خلال نشاط جمعية سرية أسست لهذا الغرض، وروى أن صديقه وزميله فى السجن، كان كتوماً، فرغم الصلة الوثيقة التى ربطت بينه وبين السادات فى السجن، لم يصرح له بشىء عن «الجماعة» التى ينتمى إليها، فى إشارة لتنظيم الضباط الأحرار.

وروى «كامل» استقالة سلفه إسماعيل فهمى يوم السبت 19 نوفمبر عام 1977، بعد 10 أيام من خطاب السادات أمام مجلس الشعب فى 9 نوفمبر، موضحاً أن استقالة فهمى كانت إجابة عن أسئلة دارت فى ذهنه منذ خطاب السادات فى مجلس الشعب، فقد ظلت تدور فى رأسه أسئلة تسببت فى حيرة كبيرة، حول هل زيارته للقدس هى فكرة عارضة طرحها السادات فى خطابه، فتلقفها بيجن ووجه إليه الدعوة لزيارة إسرائيل، فشعر السادات بالحرج من رفضها والظهور بمظهر المتراجع عما أعلنه؟ أم هناك تفاهم مسبق بين السادات والدول العربية أو بعضها على الأقل قبل الإقدام على هذه القفزة الجذرية؟ وهل سبقها تفاهم سرى بين مصر وإسرائيل؟ وهل تمت بتدبير من الولايات المتحدة، وهل هناك ضمانات لتحقيق المطالب العربية فى حدها الأدنى؟ وكانت الإجابة هى استقالة «فهمى» احتجاجاً على الزيارة التاريخية للسادات لمدينة القدس المحتلة فيما عرف بمبادرة السلام، حيث استنتج «كامل» على الفور أن مبادرة السادات لم يسبقها الإعداد الكافى، على الأقل فى نظر فهمى، وهو دبلوماسى محنك، ولم تمض ساعات حتى استقال وزير الدولة للشئون الخارجية محمود رياض. وقال الوزير الراحل فى مذكراته بعنوان «السلام الضائع فى كامب ديفيد»، إن استقالة وزيرى الخارجية كانت مؤشراً نحو انقسام خطير فى الرأى العام المصرى بشأن زيارة السادات للقدس.


مواضيع متعلقة