«منصةُ هداية».. إضاءةٌ فى دار الإفتاء (3)

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

«منصة هداية» منصة إلكترونية علمية تعليمية تسهم فى تجديدِ الخطابِ الدينى وتنوعه، وتقديم دعم علمى يتفق مع التطور التكنولوجى، وقد خرجت من رحم المؤتمر العالمى للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء فى العالم فى مؤتمره الأخير بالقاهرة فى الفترة من 26- 28 أكتوبر 2018.

وقد حالف التوفيقَ القائمون عليها حين اختاروا لها اسم (هداية)، ففيه رسالة إلى أن المقصد ليس التكفير ولا التمكين ولا الحكم، بل الهداية والإبلاغ، وانظر إلى الإخوان حين استخدموا شعار (وأعدوا)، وهذا يشعرك بالصدام والمواجهة والعنف (منهم لا من أصل الكلمة القرآنية)، مع أن حروف كلمة (وأعدوا) إذا قدمتها تعطيك كلمة (ادعوا)، التى تشعرك بالأمان والتقارب.

ويرجع الفضل فى تفجير فكرة (منصة هداية) إلى المستشار الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء، ثم وجد فى الأستاذ الشيخ محمود أبوالعزايم، وفريق التعليم عن بُعد بالدار، وجد فيهم توهجاً وتوقداً فحملوا مشعل منصة هداية وأخرجوها للنور فى جهد يستحق التقدير، وكل ذلك برعاية من فضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور شوقى علام.

وميزة المنصة أنها غير تقليدية إذ تمضى -من خلال موقعها الإلكترونى- فى اتجاهين:

الأول: مواجهة التيارات المتطرفة وتحويل الردود المنهجية عليها إلى صور وبرامج وفيديوهات تتناسب مع العصر، فضلاً عن نشر الكتب والوثائق.

الاتجاه الثانى: أنها لا تترك المتلقى فى فراغ، بل تُقدم له مجموعة من البرامج التعليمية والثقافية والسلوكية، والدورات التدريبية، مثل: دورة بناء منهجية الفتوى، ومكونات العقل المسلم، وخريطة العلوم الإسلامية.. إلخ، وهذه الدورات بعضها يناسب من يريد التعلم، وبعضها يناسب من يريد الاطلاع والثقافة فقط، وتقدم المنصة لطلبة العلم شروحاً منهجية للكتب العلمية المختارة بعناية، بشروح كبار علماء الأزهر، وبعدة لغات، وهذه الشروح منها الخاص بمستوى المبتدئين، ومنها الخاص بالمتوسطين، ومنها الخاص بالمنتهين.

ثم من وراء هذين الاتجاهين تظهر ميزة مهمة خاصة بالموقف من التراث فى اختيار الكتب العلمية وطريقة العلماء أصحاب شروحها، فالمنصة قدمت الشروح لعلماء راسخين فى العلم، مشتغلين بالتأصيل قبل التنظير، بعد أن عانت أمتنا من سيطرة طحالب الفكر والنكرات من أصحاب الأفكار النشاز، والرؤى العليلة، التى لم تعتصم بعلم ولم تأوِ إلى ركن وثيق، فالمتابع يرى موقف «منصة هداية» من التراث واضحاً جلياً، إذ نظروا إلى التراث على أنه ميراث علمى لأمة ذى عراقة وأصول، ومع ذلك لا يُؤخذ كله ولا يُترك كله، فلم يُصابوا بداء الغلو فى تمجيد التراث، والجمود على القديم، والنظر إلى التراث على أنه جثث محنطة لا تتبدل ولا تتغير، كما أنهم لم ينبذوا التراث بدعوى التجديد والتحديث واللحاق بركب العولمة، وهذا المنهج المنضبط يؤكد أننا أمام عمل جديد ومتميز وأننا انتقلنا من مؤتمر دور وهيئات الإفتاء إلى التفعيل والتنفيذ.

ومع أن هذا العمل أسهم فى تنفيذه عدد من العلماء والتربويين والخبراء ومن الهيئات الإفتائية فى مصر والخارج، إلا أن الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء قدم دعوة للمختصين بالمشاركة الفعالة، أو تنتقد العمل وتصوبه، وتلك نبالة منه، ألا يضيق هو والقائمون على الدار والتعليم عن بُعد من النقد، طالما جاء بصورة التبنى لا التجنى، لأننا ما زلنا لم نصل بعدُ للدرجة المرجوة، صحيح أن دار الإفتاء قفزت قفزة كبيرة على عدة مستويات، ووضعت اسمها فى المحافل الدولية عملياً وإعلامياً، وأسهم أمناء دار الفتوى فى نشر الفقه المنضبط من خلال الدار وقناة الناس ووسائل الإعلام المختلفة، لكن هناك خطوات لم تقم بها الدار بعد.