الفول في خطر الأسعار وأشياء أخرى وراء هروب الفلاحين إلى القمح والبنجر والبرسيم

كتب: محمد سعيد الشماع

الفول في خطر الأسعار وأشياء أخرى وراء هروب الفلاحين إلى القمح والبنجر والبرسيم

الفول في خطر الأسعار وأشياء أخرى وراء هروب الفلاحين إلى القمح والبنجر والبرسيم

«مستلزمات زراعته»، «نبات الهالوك»، «تجار السوق السوداء».. عوائق مختلفة على مدار السنوات الأخيرة مر بها مزارعو الفول البلدى فى مختلف المحافظات، جعلت البعض يُقلل من زراعته للفول ويكتفى بكميات قليلة منه، وأضرّت بآخرين واضطرتهم إلى التخلى عن زراعته وتحويل وجهتهم إلى زراعة ما هو أكثر ربحاً وأقل مخاطرة، مثل البنجر والقمح والبرسيم. واستنكر الفلاحون غياب دور وزارة الزراعة تجاه ما يعانيه مزارعو الفول، ما يهدد زراعة الفول البلدى فى مصر.

«الهالوك ده وباء بينتشر فى محصول الفول، وبيقضى عليه كله، ومحدش يعرف مننا كفلاحين ده بيطلع إزاى ولا بييجى منين، ومع خسائر الفلاحين الكبيرة فى زراعته، بقى الأحسن لينا نهرب ونزرع أى محصول تانى»، بهذه الكلمات بدأ «علاء جابر»، 40 عاماً، من مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، وهى الأكبر من ضمن محافظات مصر فى زراعة الفول البلدى، حديثه عن زراعة الفول، موضحاً أن أكبر كارثة تواجه الفلاح هى «الهالوك»، وهو عبارة عن نبات يظهر فى الأراضى المزروعة بالفول، ويقوم بمنع وصول الغذاء إلى الجذور، ويبدأ فى الانتشار بين المحصول فى الأرض الزراعية وليس له علاج، وأن تكلفة زراعة الفول عالية على الفلاحين، حيث تبدأ زراعة الفول البلدى من شهر أكتوبر وحتى منتصف نوفمبر، ويتم حصاده بعد مرور 6 أشهر، وتحديداً فى شهر أبريل من كل عام. متابعاً «الفلاح بيصرف كتير على فدان الأرض عشان يزرع فول، يعنى لو طلع له مثلاً من الفدان الواحد 10 آلاف جنيه، بيكون صرف له 5 آلاف على زراعته، غير كمان إيجار الأرض».

{long_qoute_1}

ويرى «علاء» أن زراعة «البرسيم» أفضل من الفول من حيث التكلفة على الفلاح ونسبة المخاطرة، خاصة أن وقت زراعة الفول يتزامن مع البرسيم، لذلك اتجه الكثير من الفلاحين لزراعته بدلاً من الفول، مضيفاً بنبرة غاضبة: «الفلاح البسيط مش هيقدر يغامر بزراعة محصول 5 شهور كاملة ويصرف عليه مبالغ كبيرة وفى الآخر تعبه هو وعياله يروح على الفاضى، ويضيع المحصول كله فى لحظة، فى حين إن زراعة البرسيم مابيتصرفش عليها ربع اللى بيتصرف على الفول»، مشيراً إلى أن زراعة القمح تكلفتها عالية أيضاً كالفول لكن ربحها مضمون وليس بها مخاطرة: «القمح كمحصول شايل نفسه مش زى الفول».

عدم اهتمام الحكومة والوزارة بمحصول الفول وتحديد سعره هو ما يعانى منه الفلاح، حسبما أكد «علاء»، مضيفاً: «الحكومة مش بتاخد محصول الفول من الفلاحين، والفلاح مش بيلاقى قدامه غير التجار اللى بياخدوا المحصول بأسعار بتضيّع حق وتعب الفلاح»، مشيراً إلى أن الوزارة لا تقف إلى جانب الفلاح، لأن السوق السوداء تبخس حق الفلاحين.

زرع «علاء» الفول العام الماضى بكمية قليلة خوفاً على المحصول من الهلاك قبل حصاده وتحصيل ربحه، لكن هذا العام قرر عدم زراعته، قائلاً بنبرة حزينة: «أنا مازرعتش السنة دى فول، وخفت من الهالوك بصراحة، بس هناكل ونشرب منين واحنا يا دوب معيّشين نفسنا وبيتنا بالعافية». الرجل الأربعينى أب لثلاثة أبناء ما زلوا صغاراً ويحتاج إلى الكثير من المصاريف: «مهما كان أنا عايز أزرع وأبيع وآكل عشان بيتى وعيالى، وعشان كده قررت أزرع قمح السنة دى، وبدأت فعلاً فى التجهيزات للقرار ده».

أما «محمد عبدالستار»، 46 عاماً، من قرية «كفور نجم» بمركز الإبراهيمية محافظة «الشرقية»، فظل يزرع الفول لمدة 20 عاماً، حتى توقف عن زراعته هذا العام بعد تفاقم الأزمات، موضحاً أنه فى الماضى كان يربح من وراء زراعته، وكان ربحه يغطى مصاريفه، لكنه يواجه 3 عوائق أمام زراعته للفول، دفعته إلى ذلك الوضع، أولها -حسبما أوضح- هى «الهالوك»، قائلاً: «لو غبت عن الأرض كام يوم أرجع ألاقيها ظهرت تانى، والهالوك ده لو طال المحصول بيقضى عليه كله».

الأمر الآخر الذى يُقلق «الرجل الأربعينى» هو نوعية البذور التى من المفترض أنها كل 5 أو 6 سنوات يدخل منها أصناف جديدة تتماشى مع الظروف المعاصرة وتقاوم الأمراض والآفات، وهو ما أوضحه «عبدالستار»، متابعاً: «ده دور مركز الأبحاث اللى موجود داخل وزارة الزراعة، ودى شغلته أساساً». وأشار إلى أن الأزمة الأخيرة هى أن المبلغ الذى يحصل عليه من بيع المحصول لا يُغطى تكاليف مستلزمات زراعته، وأن الفدان الواحد يتكلف نحو 12 ألف جنيه تتضمن مستلزمات الزراعة وتأجير الأرض، قائلاً: «بقعد 120 يوم فى الأرض لحد وقت الحصاد، والمفروض بعد كل ده الصح إن المحصول بتاع الفدان الواحد يتباع بـ25 ألف جنيه، لكن لو حسبتها ممكن يطلع لى 4 آلاف جنيه مكسب، يعنى ألف فى الشهر، ده لو جه كمان».

{long_qoute_2}

بدأ «ابن الشرقية» التأثر بالأزمة منذ نحو 7 سنوات، وظل صامداً أمامها، حتى أُجبر على التوقف عن زراعة الفول، حسبما أكد، مضيفاً بنبرة غاضبة: «كنت بزرع كل سنة 20 فدان فول، لكن مش هزرع فول السنة دى لأنى متأكد إنى هخسر فيه خسارة كبيرة ومؤكدة، وهزرع بداله قمح لأن إنتاجه ومكسبه مضمون، أو بنجر لأن ربحه عالى، ما انا مش هفضل أزرع فول لحد ما أموت».

شيكارة تقاوى الفول وصلت إلى 600 جنيه من خلال وزارة الزراعة، حسبما أوضح «عبدالستار»، مشيراً إلى أن الوزارة رفعت يديها عن الفول: «مالوش سعر ثابت على عكس محاصيل تانية لها أسعار استرشادية محدش يقدر ينزل عنها، لكن تجار السوق السوداء يحصلون على كيلو الفول بـ7 جنيهات فى حين أن سعره عالمياً 16 جنيه، والباقى مكسب لهم»، وطالب الوزارة بفتح باب التسويق أمام محاصيل الفول.

وفى محافظة الدقهلية، قرية «طنيخ»، التابعة لمركز نبروه، يزرع «عبداللطيف محمد»، 70 عاماً، الفول البلدى منذ أكثر من 20 عاماً، حيث كان يزرع فى الماضى كميات كبيرة تتعدى الـ10 أفدنة، ثم تقلصت الرقعة الزراعية المخصصة لزراعة الفول لديه حتى وصلت إلى فدانين فقط هذا العام: «كان المحصول حلو ومُربح، وكان الفدان بيطلع 15 أردب، لكن بسبب الهالوك اللى بيقضى على المحصول بقى الفدان بيجيب 6 أو 7 أردب بالعافية»، مشيراً إلى أن فدان الفول الواحد يتكلف ما بين 3 و4 آلاف جنيه من تقاوى ومبيدات وكيماويات وغيرها.

1300 جنيه متوسط سعر أردب الفول الذى يحصل عليه تاجر الجملة من الفلاح منذ آخر حصاد لمحصول الفول فى أبريل الماضى، حسبما أوضح «عبداللطيف»، مضيفاً: «الفول اللى موجود دلوقتى ده التجار خدته بالسعر ده، وبيتخزن فى الثلاجات عندهم عشان يكسبوا فيه أكتر». يصمت «عبداللطيف»، ثم يستكمل حديثه عن الفلاح والتاجر قائلاً: «عقبال ما الفلاح يوصل لمرحلة الحصاد بيبقى عليه التزامات ومصاريف كتيرة، وما بيصدق الفلاح يبيع المحصول للتاجر لأنه بيبقى فى أشد الحاجة إلى فلوس فى الفترة دى، ده غير إنه ماعندوش ثلاجات يحفظه فيها».

وعن غياب دور وزارة الزراعة تجاه مزارعى الفول، أوضح «الرجل السبعينى» أنه كان يحصل من قبل على التقاوى من خلال جمعية المحاصيل الزراعية وجمعية الخضر التابعتين للوزارة، وكانت تقاوى معقمة وجودتها عالية، مضيفاً: «دلوقتى مفيش، الجمعيات فيها ناس شغالة لكن مفيهاش تقاوى، وبقينا بنجيب التقاوى من شركات خاصة معروفة، ومن الآخر كده محدش بيسأل ولا بيهتم بالفلاح»، مؤكداً أنهم كمزارعين للفول تحدثوا كثيراً مع الوزارة ووسائل الإعلام دون جدوى أو اهتمام من جانب الوزارة المسئولة.

قام «عبداللطيف» بزراعة الفول هذا العام فى أرض جديدة لم يُزرع بها فول منذ أكثر من 10 سنوات، مثلما أكد، متابعاً: «الأرض اللى بيظهر فيها الهالوك ماينفعش أزرع فيها فول تانى لمدة 5 سنين، والسنة دى أنا رشيت مبيدات علشان أحمى المحصول، بس خايف وقلقان جداً بصراحة، لدرجة إنى بقيت بمر على المحصول كل يومين عشان أطمّن عليه وعلى مجهودى والفلوس اللى دفعتها فيه»، موضحاً أن الكثير من الفلاحين هربوا من زراعة الفول، واتجهوا فى الدقهلية إلى زراعة القمح والبصل والبطاطس والبسلة، وأنه مع غياب تطبيق الدورة الزراعية أصبح كل فلاح يزرع ما يريد.

وفى «كفر سعد»، بمحافظة دمياط، ظل «جمال دياب»، 55 عاماً، يزرع محصول الفول منذ ثمانينات القرن الماضى، حتى توقف عن زراعته منذ أكثر من عامين، وكان السبب انتشار الهالوك فى محصوله والقضاء عليه أكثر من مرة، قائلاً: «كنت بزرع 12 فدان فول كل سنة، وعشان هى زرعة مش بتجيب همها بسبب الهالوك خدت القرار وأجّرتها وأهو أرتاح من حيرة زراعتها ومصاريفها الكبيرة، وباخد إيرادها وأصرفه على البيت»، مشيراً إلى أن تكاليف مستلزمات زراعة الفول الكبيرة، من أيد عاملة وسولار مع التقاوى والمبيدات، وفى نفس الوقت قلة الإنتاج، هو ما شجعه على ترك زراعته: «غصب عنى، ما انا مش هيبقى اسمى مزارع ومفيش إنتاج». وأكد أن محافظة «دمياط» كانت من المحافظات المشهورة فى زراعة الفول.

حاول «جمال» كثيراً مواصلة زراعة الفول والتفكير فى حلول خارج الصندوق لمحاربة الهالوك، قائلاً: «الهالوك بيقوم على ريحة زهرة الفول، وعشان نتغلب على كده قررنا نزرع حلبة وسط الفول فى الأرض، عشان لما تخضر تغطى على ريحة الفول، لكن الفكرة فشلت بسبب إن الفول محصول شتوى ومعتمد فى نضجه على الأمطار، لكن الحلبة تحتاج إلى مياه كثيرة».

وبالانتقال إلى صعيد مصر، وتحديداً فى مركز دشنا بمحافظة قنا، «أبو المعارف محمود»، 58 عاماً، يزرع محصول الفول على مدار سنوات طويلة، حيث كان يزرع فى الماضى 15 فداناً، تقلص عدد فدادين الفول حتى وصلت إلى أقل من 3 فدادين، قائلاً: «أكبر مشكلة بتواجهنى فى زراعة الفول هى الهالوك، وللأسف ده مالوش علاج خالص، وأنا مستعد أدفع فى المبيد أو العلاج بتاعه أى تمن، بس أحافظ على المحصول بتاعى من الهلاك»، موضحاًَ أنه يقضى على كل ما يقابله من جذور للفول، وأن الأمر خارج عن إرادته وتحكمه، متابعاً بنبرة حزينة: «لما بيوصل للأرض ويقضى على المحصول بقول لنفسى: ده قدر ربنا ولازم يمشى، وبختار أرض تانية خالص أزرع فيها، ما انا أكيد مش هزرع فى نفس الأرض اللى قضى عليها الهالوك».

«دلوقتى اللى بيزرع فول بيبقى بكميات قليلة، 5 أو 6 قراريط، على قد أكله هو وعياله بس، لأنهم مزارعين غلابة مش هيقدروا يغامروا بالأرض اللى حيلتهم، وغالباً البديل بيكون القمح»، قالها «أبوالمعارف» واصفاً وضع من يعرفهم من مزارعين للفول داخل محافظة قنا، مشيراً إلى أن أحد أصحاب محلات المبيدات اقترح عليه أحد المبيدات التى تمنع الهالوك من القضاء على المحصول: «جبته ورشيته فعلاً وماعملش أى حاجة، والهالوك وصل برضو للمحصول وخلّص عليه».

ويرى «أبوالمعارف» أنه من المفترض أن يكون هناك تواصل دائم بين الفلاحين ووزارة الزراعة، وأن تعمل الوزارة على تلبية احتياجات الفلاحين، وتشجعهم على زراعة الفول، مضيفاً: «وزارة الزراعة مش موفرة لا مبيدات ولا تقاوى تقاوم الهالوك، ده غير إن الإمكانيات فى الصعيد ضعيفة خالص ومحدش مهتم بينا».


مواضيع متعلقة