حديث الحرب فى بحر الصين الجنوبى

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

يتسم الخطاب السياسى الصينى بالحذر وعدم المبالغة، وينحو دائماً إلى المناورة واحتواء التهديدات والتعقيدات إلى حد كبير دون الظهور بموقف المناوئ الشرس، مع ترك الباب مفتوحاً لخضوع الآخرين إلى الموقف الصينى تجاه قضية ما، مع توظيف المنح والاستثمارات الصينية لإقناع الأطراف الأخرى بالموقف الصينى وقبوله دون عناد، ولذا حين يأخذ الرئيس الصينى موقفاً صريحاً يدعو فيه قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية للاستعداد لمخاطر غير متوقعة، وأن تضع فى الاعتبار خطط طوارئ وتركيز الاستعداد لخوض الحرب، ويطالب تلك القيادة بمزيد من التمارين الاستعدادية القتالية وتعزيز قدرات الجنود والتحضير لمواجهة طوارئ غير متوقعة، يصبح الأمر بمثابة جرس إنذار ليس للولايات المتحدة وحلفائها المحيطين بالصين، بل للعالم بأسره.

التحذيرات بالاستعداد للحرب موجهة بالأساس للولايات المتحدة، التى تطرح وجهة نظر محددة مناقضة لموقف الصين بشأن بحر الصين الجنوبى ومجموعة سلاسل الجزر الواقعة فيه، وأهمها مجموعة جزر بارسيل ومجموعة جزر سبراتلى، التى تتنازع حولها الصين مع ست دول مطلة على ذلك البحر، وهى تايوان وفيتنام والفلبين وبروناى وماليزيا وإندونسيا، وبينما تدعى الصين سيادتها على كامل البحر، أصدرت الأمم المتحدة خريطة توضح حقوق تلك الدول فى مساحات مائية كمناطق اقتصادية لتلك الدول، وفقاً للقانون الدولى للبحار، وهو ما لا تعترف به الصين وترفضه تماماً،

والناظر إلى مواقع الجزر المتنازع عليها يكتشف مثلاً أن مجموعة جزر سبراتلى تقع بالقرب من أراضى الفلبين وبروناى بمسافة تتراوح بين 150 كم إلى 200 كم، بينما تقع على بعد 800 كم من جزيرة هاينان الصينية، ومن ثم فادعاءات السيادة الصينية هنا تبدو مناقضة للحقائق الجغرافية والقانونية الدولية، والمؤكد أن تلك الادعاءات الصينية ذات الطابع التاريخى ليست هى المحرك الأكبر لما تقوم به من تغيير معالم سلاسل الجزر وإنشاء جزر اصطناعية جديدة تقيم عليها منشآت عسكرية متطورة من حيث الإمكانات والمعدات، بما فى ذلك مطارات ومدرجات لطائرات تستطيع حمل قنابل نووية، وإنما هناك أيضاً اعتبارات مصالح تجارية كبرى، ففى ذلك البحر تمر ثلث الشحنات التجارية للعالم بأسره، وتستفيد الصين منها بنحو عدة تريليونات من الدولارات، وهو رقم كبير لا يمكن لبكين أن تتخلى عنه تحت أى سبب كان، حسب تصريحات مسئولين صينيين. فضلاً عن التقديرات الخاصة بوجود موارد طبيعية هائلة فى البحر الجنوبى، لا سيما النفط والغاز، فى المقابل هناك ادعاءات مناظرة خاصة من تايوان على أجزاء من البحر وليس كامله، والأمر ذاته بالنسبة لفيتنام والفلبين وبروناى، غير أن فارق القدرات والقوة الاقتصادية الهائلة التى تتمتع بها الصين يجعل الأمر شبه محسوم لبكين، وبالرغم من محاولات عديدة تمت فى السنوات العشر الماضية من أجل تسوية الأمر من خلال التفاوض، فلم يتطور الموقف نحو التهدئة، وهنا يلاحظ دعوة الصين لتلك الدول بأن تتفق أولاً على مدونة سلوك يتم على أساسها التفاوض، لكنها فى الآن نفسه تقول إن هذه المدونة ليست ملزمة قانونياً، فيما يعنى أن التفاوض سواء الثنائى أو الجماعى مع مجموعة دول الأسيان التى تضم الدول المشاطئة للبحر الجنوبى هنا ليس سوى وسيلة لاستهلاك الوقت، بينما يجرى على قدم وساق بناء المنشآت العسكرية الصينية فى عدد من الجزر الطبيعية أو الصناعية، كما تُسّير الدوريات البحرية والجوية لفرض السيادة، وتمنع السفن العسكرية الصينية أية دولة من التنقيب عن الموارد الطبيعية فى نطاق المنطقة الاقتصادية الخاصة بها حسب خريطة الأمم المتحدة.

الأمر على هذا النحو يبدو وكأنه خلاف قانونى بين الصين وعدد من الدول المجاورة، لكنه من المنظور الأمريكى والغربى لا سيما أستراليا واليابان هو نوع من صراع القوة يتضمن ثلاثة أبعاد؛ الأول حرية الملاحة الدولية فى عموم بحر الصين الجنوبى وعلاقة ذلك بأمن الممرات البحرية التجارية، وثانياً تنفيذ قواعد القانون الدولى لا سيما المعاهدة الدولية للبحار، وثالثاً دعم حلفاء الولايات المتحدة الذين يبدون منفردين لا حول لهم ولا قوة فى مواجهة الصين، وكثيراً ما سعت الولايات المتحدة إلى تسيير بعض سفنها الحربية فى بحر الصين الجنوبى للتدليل على رفضها مساعى بكين للهيمنة على كامل البحر، وهو ما كانت ترد عليه بكين باحتجاجات عنيفة على هذه التصرفات العسكرية الأمريكية، رغم أنها تدخل فى باب الرمزيات، وفى إحدى المرات اعترضت سفينة عسكرية صينية أخرى أمريكية من مسافة 15 متراً فقط.

هذه الخلافات الأمريكية الصينية بشأن الوضع القانونى لبحر الصين الجنوبى، هى جزء من سلة اختلافات حول قضايا أخرى مهمة، أبرزها تايوان وشبه جزيرة كوريا واليابان والفضاء الإلكترونى والهند، هذا غير الحرب التجارية بين البلدين التى أطلقها الرئيس ترامب قبل أقل من عام، وفى أحد التقديرات الاستراتيجية لمركز راند للأبحاث، وثيق الصلة بالجيش الأمريكى، صدر قبل عقد كامل حول احتمالات مواجهة حربية بين الصين والولايات المتحدة، كان احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين بشأن الوضع فى بحر الصين الجنوبى يأتى فى المرتبة الرابعة، ثم أعيد النظر فى هذا التقدير الاستراتيجى نهاية العام 2017، ليجعل احتمال نشوب الحرب بشأن بحر الصين الجنوبى فى المرتبة الثانية بعد تايوان، وتم تبرير هذا الترجيح بناء على التطور فى البنية العسكرية الصينية بوجه عام، وما تقوم به من تمركز عسكرى ذى شأن فى بحر الصين الجنوبى. غير أن التقدير الجديد ألمح إلى أن احتمال الحرب، الذى قد يحدث فى خلال خمسة عشر عاماً، يمكن احتواؤه من خلال قيام الولايات المتحدة بعدة خطوات استباقية، مثل تعزيز قدراتها العسكرية المتطورة فى الدول الحليفة المشاطئة للبحر الجنوبى، ودفع الصين إلى التفاوض.

إذاً حديث الحرب لم يعد مجرد احتمال، فهناك خطوات عملية تأخذها الأطراف ذات الصلة، لعل أبرزها توجيهات الرئيس الصينى للمنطقة العسكرية الجنوبية، وما تقوم به الصين بالفعل فى عموم البحر الجنوبى، لكن يظل السؤال، إذا كان الحرص على حرية التجارة التى تزود الصين بمليارات الدولارات سنوياً هو أحد دوافع بكين لمزيد من السيطرة على عموم البحر، فكيف يمكن أن تجنى تلك المليارات إذا اشتعل الموقف عسكرياً، خاصة أن الدول المشاطئة للبحر لديها مسارات بحرية بديلة فى اتجاه المحيط، غير متوافرة بالنسبة للصين؟ بمعنى آخر أن الحرب فى هذه الحالة ستكون وبالاً على الصين أكثر من غيرها.