بـ"نص عين".. تاريخ الدم في حياة "السندي" قائد الجناح العسكري لـ"الإخوان"

كتب: نرمين عفيفي

بـ"نص عين".. تاريخ الدم في حياة "السندي" قائد الجناح العسكري لـ"الإخوان"

بـ"نص عين".. تاريخ الدم في حياة "السندي" قائد الجناح العسكري لـ"الإخوان"

"45  دقيقة"، هي مدة الفيلم التسجيلي "السندي.. أمير الدم"؛ لخصت نحو 18 عامًا من الدماء والعنف، اكتسى خلالها تنظيم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابي بلباس التقوى على زيف، وذلك منذ إنشاءه عام 1936 وحتى 1954 وهو العام الذي شهد نهاية شخصية "السندي" الذي كانت عقديته قائمة على النسف والتفجير والقتل والتصفية.

الفيلم التسجيلي عُرض مساء أمس على شاشة قناة "dmc" وتناول مراحل إنشاء جماعة الإخوان المسلمين، وإنشاء التنظيم السري للجماعة، تدور أحداثه في الفترة ما بين نهاية الثلاثينات إلى ما بعد ثورة يوليو.

"القتل باسم الدين" مصطلح تردد عبر سنوات عدة، لكن أين يكمن المنبع؟ كان هذا التساؤل طريق المخرج والروائي شريف سعيد لخروج فيلمه التسجيلي للنور، تزامنًا مع الأحداث الأخيرة التي مرت بها مصر، كان عليه الرجوع إلى عصر "ما قبل سيد قطب" القيادي الإخواني التكفيري والتنظيم السري ومؤسسة عبدالرحمن السندي، رغم صعوبة كشف أسرار شخصية قادت تنظيمًا سريًا داخل جامعة سرية، خاصة أن ما تُوفر عن تلك الشخصية لم يكن سوى "مجرد صورة"، حسبما أوضح مخرج الفيلم في تصريحات إعلامية.

بعد البحث والقراءة وتعقب تاريخ الإخوان والرجوع للخلف بخطوات، توصل كاتب الفيلم أحمد الدريني ومخرجه شريف سعيد إلى عدة حقائق لم تُكشف من قبل، ليكشف الفيلم بشكل مبدئي عن نوايا حسن البنا -عام 1928 إبان حكم الملك فؤاد- في إنشاء جماعة الإخوان المسلمين، وهو في الثانية والعشرين من عمره، انطلاقًا من مدينة الإسماعيلية.

وفي ذلك الوقت، تحدث البعض عن حركة إسلامية تود لو تسللت لكل دول المنطقة، إحياءً لدولة "الخلافة المنهارة"، آخرون اعتبروها مناورة سياسية من رجل لا حد لطموحه في الحكم ولا نهاية لشغفه بالإمارة، فريق ثالث اعتقد أن الغرض الحقيقي أبعد وأعقد، ووسط كل هذه الآراء كبرت الجماعة وتمددت، وعندما انشغل الجميع بوفاة الملك فؤاد وتولي الملك فاروق حكم مصر، كان "البنا" انتقل لمرحلة أخرى، وعكف على إنشاء تنظيم آخر شديد السرية، داخل الجماعة السرية الأم، وكان ذلك الجهاز عبارة عن جهاز خاص، بمثابة جيش للإخوان، مهمته الرئيسية عبارة عن إطلاق الرصاص، وزرع المتفجرات، وتنفيذ الأعمال التجسسية، وتصفية الخصوم.

في البداية، اختار "البنا" أن يوكل مسؤولية الجهاز الخاص إلى محمود عبدالحليم، ولكنه اضطر لمغادرة القاهرة لظروف عمله، وبعدها اختار أحد أخلص أعضاء التنظيم السري كي يتولى رئاسة الميليشيا الناشئة، وهو عبدالرحمن السندي.

عبدالرحمن السندي، شخصية الفيلم المحورية، واختيار شخصيته ضمن مجموعة شخصيات أخرى كان يوجد رابط بينهم، جاء لمسؤوليتهم الكاملة عن تحويل الأفكار المتطرفة من مجرد نظريات ورؤى فكرية إلى طور التنفيذ والقتل الفعلي وتطبيق عمليات العدوان، خاصة أنه كان القائد الأول للجهاز المسلح الخاص للإخوان المسلمين؛ أول جماعة مارست عملًا مسلحًا في مصر تحت راية دينية، وكانت نقلة نوعية بممارسة العنف والقتل تحت مسمى ديني.

 {long_qoute_1}

"السندي" شخصية لا يعرفها الكثيرون، بل الأغلب لا يعرف حتى اسمه، حتى أفراد الجماعة الإرهابية أنفسهم، العديدون منهم لا يعرفه، مخرج الفيلم فسر ذلك بأن "الإخوان لديهم أزمة في شخصية السندي، لأنه في حال اعترافهم به وبوجوده، معناه الاعتراف بكل جرائمه، وفي الوقت نفسه إنكاره صعب لأنه كان من اختيار حسن البنا، ولكن منهم يلصقون كل الجرائم للسندي للاحتفاظ بنقاء شخصية حسن البنا وكأنه كان يعمل من تلقاء نفسه".

وفي وصف "السندي"، حسبما جاء بالفيلم التسجيلي: "ضئيل البنية ومريض بالقلب وشديد الصلابة والقسوة"، قال عنه أحمد الدريني كاتب الفيلم: "السندي كانت شخصية مربكة لأنها كانت أكثر من طور وأكثر من مرحلة، وبالأدلة هو من طور التنظيم ودربهم بدنيًا وعسكريًا وشخصيًا، واستعان بخبرات مخابرات بريطانيا وألمانيا، وفي فترة من الفترات كان هذا التنظيم السري الذي يقوده أقوى من الجماعة الأم".

تحدث عنه صلاح الدين حسن، الكاتب متخصص في الإسلام السياسي، بقوله: "السندي كان قوي نفسيًا، وكانت لديه قوة نفسية خارقة، وكان حاد جدًا ومرهق جدًا لكل من كان يعمل معه في التنظيم، ولكن أيضًا جميعهم أجمعوا على أنه كان طيب القلب وكان له قلب طفل، ولكن كان مولع جدًا للجماعة والنظام الخاص، وكان يرى فيه بداية الجيش الإسلامي الذي سيقيم الخلافة بعد ذلك".

"أول عمليات النظام الخاص كان عمليات ضرب أقسام البوليس في 1946، وصنعوا قنبلة تشبه المولوتوف، ولم تكن هذه القنبلة تنفجر بشظايا، ولكنها تحرق بقعة معينة في الأرض، والجهاز الخاص لم يقم بعملية واحدة ضد الإنجليز، باستثناء عملية الكريسماس وكانت عملية فاشلة.. واستهدفوا بها الجنود الإنجليز  ليلة رأس السنة، ولم يكن استهدافهم على أنهم محتلين، ولكن لسكرهم ومعاصيهم ليلة رأس السنة، ولم يصاب منهم أحد"، وفقًا للكاتب.

 {long_qoute_2}

خليفة عطوة، المتهم الثالث في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر 1954، يقول عنه: "مكنش طيب لأ.. كان أخطر إنسان موجود في الإخوان على الإطلاق.. ده المسؤول عن التسليح، إزاي يتقال عليه طيب.. الباقيين جنبه ولا حاجة.. هو كان المسؤول عن التسليح ونوع السلاح واستخدمه إزاي.. إزاي يقويك تضرب.. كان بيخليني أقطع رقبة العصفورة ويقولي الله شوف حلو إزاي شوف الدم حلو إزاي.. أرميها بقى ودوس عليها.. ومش عاوز أقول تفاصيل أكتر من كدا.. هو كان سهن كدا.. هو صامت وهادي كدة وحجمه كدة محدود.. ميبانشي عليه إنه حاجة.. على فكرة الناس الغاوية جريمة تبص تلاقيه هادي جدا وساكن جدا وكل حاجة.. مش زينا بيتكلم.. صامت وهادي في كلامه ويبص بصة نص عين كدا".

وعن طريقة عمل التنظيم السري للجماعة، يوضح "عطوة": "الأول كان في حاجة اسمها فرق الكشافة عملتها الإخوان.. وهي اللي بقت الجوالة بعد كدا.. كانوا بيعملوا معسكرات في الغيط.. 3 أو 4 عيال، واحد منهم معاه النبلة بيصطاد بيها.. بعد شوية اتطوروا بقت الطبنجة، علشان ينقوا النوابغ منهم يكملوا التدريب.. والمستوى الأعلى في التدريب كان اسمه تطعيم المعركة.. كنا بنعمل معركة فعلية بضرب النار.. ضرب نار حي فعلا.. كنا بنعيش المعركة.. وكان دايما يقولولنا الضغط في التدريب يوفر الدم في المعركة".

 {long_qoute_3}

استعان صناع الفيلم ببعض الشخصيات لدعم الحقائق المتناولة في الفيلم، أولهم كان مختار نوح، وهو قيادي منشق عن جماعة الإخوان، والذي يفسر رغبة حسن البنا بإنشاء التنظيم السري داخل الجماعة "إما كانت لحمايته، أو لحماية الجماعة التي يرأسها، أو لأهداف غير معروفة"، ولكنه يرجح أن "الإنشاء يرجع لأهداف غير معروفة".

وعن "السندي"، يقول "نوح": "السندي كان قلبه جامد وكان قاسي.. واتنقع في برميل سمع وطاعة بس علشان نفسه مش علشان حسن البنا.. لكي يكون السندي كان لابد أن يسمع ويطيع".

أما أحمد بان، وهو باحث في شؤون الإسلام السياسي، يشير لوجود كتاب "في التواريخ والسير" لابن الساعي، بمكتبة حسن البنا، وهو كتاب كُتب في القرن السابع الهجري، ويتحدث عن تجربة الفتوة داخل الدولة العباسية، وهي تنظيم عسكري، نشأ في هذه الفترة مستغلًا حالة الفوضى الداخلية في الدولة العباسية، ومنتظرًا الهجوم الخارجي لكي يسيطر على الدولة وقيادتها، وهو النظام الذي طبقه على النظام السري الخاص لجماعة الإخوان المسلمين.

يقول "بان" في حديثه خلال الفيلم التسجيلي، إنه عندما اختار "البنا"، "السندي" لرئاسة التنظيم السري للجماعة كان السندي يصغره بـ12 عامًا، ولم يكن اختيارًا عشوائيًا، لأنه كان شابًا لم يكمل تعليمه الجامعي ويشتهر بتقواه وحرصه على الشعائر، ومريض بالقلب، فهو بذلك نموذج مثالي لحسن البنا.

 أما ماهر فرغلي خبير الجماعات المتطرفة، يحكي أن "السندي" كان يقول لـ"البنا" دائمًا: "السندي طور النظام الخاص.. عمل قسم المتفجرات والكتائب وعمل التجنيد السري بشكل غير معهود".

أما الدكتور محمد عفيفي أستاذ تاريخ مصر الحديث في جامعة القاهرة فيحكي: "الجهاز الخاص بدأ بداية بسيطة، فرق رحلات للجماعة، تحولت لفرق جوالة، وانضمت لفرق الكشافة، ثم التنظيم الخاص وحمل السلاح والقيام بعمليات عسكرية، ولكن ظهور التنظيم الخاص ثم تطوره لتنظيم مسلح لا نستطيع فصله عن التطورات العالمية والمحلية التي كانت تحدث في ذلك الوقت".

الكاتب الصحفي محمد طعيمة يروي: "تأسيس الجهاز الخاص تزامن مع العلاقة بين الإخوان كمؤسسة سياسية والمحتل البريطاني، وأصبح هناك راتب شهري يدفع للجماعة، هذا موثق بالأدلة".

تضمن الفيلم، تسجيلًا صوتيا -يذاع لأول مرة- لأحد أخطر أعضاء الجهاز السري لجماعة الإخوان الإرهابية، وهو أحمد عادل كمال في أثناء توثيقه بصوته بعضًا من كواليس العمل للتنظيم السري: "التنظيم كان حتى عام 45 محدود، به عدد محدود، وبعد 45 وفي 46 بدأ التنظيم في التوسع، وأصبح هناك 2000 شخص في الجهاز الخاص للجماعة".

وعن إحالة مجموعة من شباب الجماعة للقضاء والحكم عليهم من قبل المستشار أحمد الخازندار رئيس محكمة جنايات الإسكندرية، وغضب المرشد حسن البنا حينها، يقول "كمال": "حضرت المحاكمة في قاعة المتفرجينـ وقولت الراجل ده لازم يتخذ معاه تصرف.. قالولي غيرك سبقك، وكان عبدالرحمن السندي هو المسؤول عن النظام الخاص وبعتله اتنين يصطادوه واستبعد ضربه في المحكمة، وقالوا يبقى ضربه عند بيته".

وصل السندي إلى عنوان مسكنه عن طريق عادل كمال؛ لأنه كان موظفًا في البنك الأهلي والتقط العنوان من حسابه بالبنك الأهلي، وبعدها قتل "الخازندار" أمام بيته، وقُبض على الجناة، وبعدها اختلف المرشد مع "السندي" علنًا بشكل غير مسبوق، حسبما يروي فريد عبدالخالق، وهو أقرب الشخصيات لحسن البنا، الذي قال إنه لم يكن راض تمامًا عن قتل "الخازندار".

وعن كشف التنظيم السري للبوليس، قال أحمد عادل كمال: "في حاجات الواحد بيبقى مش عاوز يتكلم فيها.. سقوط السيارة الجيب في إيد البوليس كانت غلطة من أغلاط  السيد فايز الله يرحمه.. كانت حمولة كبيرة.. كانت في أوضة واحد من إخوانا طالب في الطب كان مقرر أن ينتقل للإسكندرية.. ويوم 15 نوفمبر 1948، جالي جواب بنقل الحاجات لبيت إبراهيم محمود.. بالصدفة لقيت واحد من إخوانا ماشي في الشارع.. راكب العربية الجيب كان شاريها من الجيش الإنجليزي حديثًا ودون نمر".

السيارة احتوت على أسلحة وذخائر وملفات للتنظيم السري بها أسماء أعضائه، وتقارير مفصلة عن مخططات الجهاز المستقبلية، وهذه الضربة عرفها الرأي العام باسم قضية العربية الجيب، وعلى إثرها تم القبض على كل من ورد اسمه بالأوراق وعلى رأسهم عبدالرحمن السندي.

وحسبما ورد في الفيلم، ارتبك "البنا"، بعد انكشاف أمر فصيله المسلح، وفي الوقت الذي كانت الأجواء العامة مستنفرة ضد الإخوان، و"السندي" ورفاقه بالسجن قرر رئيس وزراء مصر ووزير داخليتها بحل جماعة الإخوان، واحتقنت صفوف الجماعة، وقرروا اغتيال رئيس وزراء مصر، ووضع الرجل الثاني بعد "السندي"، وهو سيد فايز، خطة مجنونة لاغتيال محمود فهمي النقراشي وزير الداخلية داخل ديوان وزارة الداخلية، استعان بها بالضابط الإخواني أحمد فؤاد عبدالوهاب، واُغتيل في صباح الـ28 من ديسمبر عام 1948، وأُلقي القبض على القاتل، ويوجد اعتراف بخط يد أحمد عادل كمال عضو التنظيم الخاص للجماعة بقتل النقراشي، ولكن دون إذن "البنا" أو معرفته بسبب حصاره من القبل الدولة، وبعدها أصدر "البنا" بيانه الشهير "ليسوا إخوانا.. وليسوا مسلمين"، وبعدها أطلق على حسن البنا الرصاص وقُتل، وخلفه حسن الهضيبي مرشدًا عامًا للجماعة، واصطدم "الهضيبي" بـ"السندي" لمنهجه في التهدئة بعد الأحداث الأخيرة.

وبعد إعلان الجمهورية والإطاحة بالملك، وكثرة الصدامات بين "السندي" و"الهضيبي"، أصدر الأخير قرارًا بفصل "السندي" ورفقته من الجماعة، ولكن "السندي" لم يصمت على ذلك، فقرر برجاله المدربين احتلال مكتب الإرشاد واقتحام منزل "الهضيبي"، ولكن بتدخل ودي من عبدالناصر مع "السندي" هدأ الوضع مؤقتًا، وظل "السندي" في الجماعة إلى أن ظهرت محاولات "الهضيبي" لتفكيك النظام الخاص، وتشكيله بالتنظيم السري الجديد، وعين سيد فايز مسؤولًا للجهاز الخاص، خلفًا لـ"السندي"، وكشف "فايز" لـ"الهضيبي" أسرار التنظيم.

رد "السندي" على ذلك بطريقته الخاصة، وفي 19 نوفمبر 1954 ومع ذكرى المولد النبوي الشريف ابتكر علبة حلوى مفخخة وأرسلها لبيت سيد فايز، وبمجرد أن فتحها انفجرت به وتبدد جسده، وكانت أول عملية اغتيال داخلية بالتنظيم، ولكثرة الصراعات بين "الهضيبي" و"السندي" تدخل "عبدالناصر"، واستطاع احتوائه وتحييده عن الجماعة، وانضمامه لمشروع الثورة، ودخل التنظيم في فوضى بعد ذلك، وتوفي "السندي" فوق سريره عام 1962 عن عمر 44 عامًا بعد انطوائه على نفسه خلال سنواته الأخيرة.

 


مواضيع متعلقة