هل ندم حسن البنا على أفكاره؟! (1-5)

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

هل يصدق الإخوان أن الفكرة التى يعيشون لها ويتصادمون من أجلها مع الوطن والمجتمع ويجاهدون فى سبيلها ويدفعون من أجلها الغالى والرخيص قد تراجع عنها مؤسس الجماعة «حسن البنا» وندم أن قد خاض فيها؟ هل يعلمون أن البنا تمنى لو أن الزمن رجع به إلى الوراء لما أقحم الجماعة فى السياسة والأحزاب والانتخابات والتيارات والمنافسات الحزبية؟ ولو عاد به الزمن لاكتفى بالدعوة والتربية والتزكية وبناء النفوس؟ هل يصدق الإخوان هذا؟ إنهم يعيشون لقضية ندم عليها مؤسسها فى آخر حياته؟ وهذا ما نثبته مدعماً بالمصادر والشهادات فى سلسلة من المقالات.

نبدأ بشهادة الشيخ محمد الغزالى -وهو من هو مكانة ومنزلة عند الإخوان- إذ يقول: «التقيتُ بالأستاذ البنا قبل يوم من استشهاده وعانقته، وأفزعنى أن عانقتُ عظاماً معلَّقة عليها ملابس! كانت الهموم قد اخترمت جسدَ الرجل، فلم تُبقِ منه إلا شَبَحاً يحمل وجهه المغضَّن (أى المكدود) العريض، وشرع يحدثنى فقال: «ليس لنا فى السياسة حظ، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى أيام المأثورات»، ومعنى أيام المأثورات يعنى أيام الذكر وتربية النفس (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وقد أكد الأستاذ «كمال الهلباوى»، المعروف بحبه لحسن البنا حتى بعد اختلافه مع الجماعة صحة نسبة هذه العبارة إلى البنا فى مقال بعنوان: البنا بين الآمال والآلام، نشره بجريدة الشروق، يوم 19سبتمبر 2011م، وأما عبارة الشيخ محمد الغزالى فوردت فى حواره مع عدد من رموز الإسلاميين كمحمد عمارة وفهمى هويدى وجمال عطية، وجمعت هذه الحوارات فى كتاب بعنوان: (حوارات الشيخ الغزالى.. السيرة والمسيرة) تقديم د. طه جابر العلوانى، وإصدار المعهد العالمى للفكر الإسلامى، ودار السلام، كما ذكر الغزالى هذه العبارة فى مقاله: (مراجعة لا رجوع)، المنشور فى مجلة «الأمة» القطرية، العدد27، السنة الثالثة، يناير 1983م، ص5، والمقال موجود أيضاً فى كتاب: (من مقالات الشيخ محمد الغزالى)، جمع: عبدالحميد حسانين، الجزء الثالث، دار نهضة مصر، سنة 2003، ص 45.

وفى هذا المقال يقول الغزالى: «والمهم عندما نتيه عن الحق ألا يطول شرودنا عنه، وأن نعرف بدقة ما الخطأ الذى ارتكبناه؟ وما الصواب الذى نتشبث به؟ إن علاج أمة ظلت قرابة ألف عام رفيعة القدر لا يمكن أن يتم بكلمات مرتجلة وأحكام نزقة..!! ويحزننى أن أقول: إن جيشاً من الدهماء يملأ آفاق العمل الدينى، لا يحسن درس القضايا، ولا إصدار الأحكام»، وبعد أن نقل الغزالى عبارة ندم البنا علق عليها فى نفس المقال بقوله: «لقد واجهت قلة من المؤمنين طوفاناً من المتاعب والمآسى نما مع الليالى السود! أين الناس؟ أين المسلمون؟.. إنهم كثيرون لكن لا وعى ولا حراك!! إن القصور الفقهى والأدبى حولهم إلى غثاء لا خير فيه، إن السواد الأعظم يحتاج إلى إحياء تربوى طويل، والمعركة قبل ذلك قليلة الغثاء!»، هذا ولم يكن رجوع البنا وندمه كلمة عابرة منه، أو فكرة طارئة قالها ساعة غضب، بل كانت فكرة محورية لديه، تأكدت ورسخت وتعمقت فى ذهنه وفكره، واعتبر تبليغها أمانة فى عنق من سمعها، بل زاد على ذلك أن اعتبر أن ما قام به من آلاف المؤتمرات والندوات والمعسكرات والرحلات والمحاضرات، وجمعه للكثيرين من الأتباع عبارة شغل «دكاكينى»، أى متفرق لا قيمة له.. وتلك عبارة نوثقها فى المقال المقبل -إن شاء الله- لتعرف أن الندم والتراجع هو النتيجة الطبيعية لفكر حماسى مندفع ومضطرب.