الصيادون المصريون يتحدثون لـ«الوطن» بعد عملية إنقاذ اليونانيين: أخرجنا عشرات الأفراد من عمق البحر

كتب: سمر صالح

الصيادون المصريون يتحدثون لـ«الوطن» بعد عملية إنقاذ اليونانيين: أخرجنا عشرات الأفراد من عمق البحر

الصيادون المصريون يتحدثون لـ«الوطن» بعد عملية إنقاذ اليونانيين: أخرجنا عشرات الأفراد من عمق البحر

فى غضون ساعات قليلة تحولت قرية «ماتى» اليونانية، التى تقع على بعد 29 كيلومتراً شرقى أثينا، يوم الاثنين الماضى، إلى كتلة من ألسنة اللهب المشتعلة وصل ارتفاعها عشرات الأمتار فى الجو، اكتست السماء على أثرها بسحابة من الدخان الكثيف وخلفت الكارثة مشاهد مأساوية لعائلات متفحمة، وأطفال لفظوا أنفاسهم الأخيرة فى أحضان آبائهم، وغرقى على سطح البحر بعد أن فروا إليه خوفاً من الموت حرقاً فى حرائق هى الأكبر فى تاريخ اليونان منذ أن اجتاحت حرائق مدمرة شبه جزيرة بيلوبونيز الجنوبية فى أغسطس 2007.

وسط مشاهد الموت وألسنة اللهب الممتدة إلى السماء، تجلت شجاعة عدد من الصيادين المصريين العاملين على مراكب الصيد باليونان، فى إنقاذ أهل القرية المنكوبة الفارين من النيران إلى البحر، وكانت انطلاقة الاستغاثة الأولى من فيديو بث مباشر أطلقه الصياد المصرى محمود السيد موسى، يستنجد خلاله بمراكب الصيد الموجودة بالمنطقة القريبة من القرية لمساعدته فى إنقاذ عشرات الأهالى، بعد أن تلقى صاحب المركب الذى يعمل على متنه ويملكه الصياد اليونانى «كوستاس أرفانيتى»، استغاثة من أحد اليونانيين يطلب منه مساعدته فى العثور على زوجته المفقودة فى البحر، فارتدى ملابس البحر وأحضر عوامات الإنقاذ وانطلق هو وصاحب المركب اليونانى فى طريقهما إلى القرية المنكوبة دون خوف من الموت.

{long_qoute_1}

تصادف يوم الحريق الذى اندلع نحو السادسة مساءً من الاثنين الماضى، مع ذكرى ميلاد صاحب المركب اليونانى الذى يعمل على متنه الصياد المصرى البطل محمود موسى، واتفقا على الاحتفال معاً بهذه المناسبة عقب انتهاء ساعات العمل، إلا أن الاحتفالية تحولت إلى مهمة إنسانية لإنقاذ أرواح العشرات من أهل القرية المنكوبة، ويحكى «موسى» لـ«الوطن»: «كنا هنحتفل فى بيت صاحب المركب اللى بشتغل عليها وفجأة جاتلى مكالمة تليفون منه نحو الساعة 6 وربع بالليل بيطلب منى أقابله فى المينا لإنقاذ أهل القرية المنكوبة».

كلما اقترب «موسى» وصاحب المركب تجاه القرية ارتفع الدخان الأسود حتى غطى سطح البحر بأكمله وحجب عنهما الرؤية تماماً، حتى وجد الصياد المصرى الأربعينى نفسه أمام خيار صعب، إما خوض التجربة لإنقاذ الأهالى من الغرق والموت خنقاً بدخان الحريق الذى غطى السماء وحجب الرؤية فى عرض البحر، وإما التراجع والنجاة بروحه، إلا أنه لم يفكر فى نفسه.. كان همه الأكبر إنقاذ الأهالى من الغرق، فكان أول ما فعله لحظة وصوله موقع الحدث أن أطلق بثاً مباشراً من المكان عبر صفحته على موقع «فيس بوك» يستغيث بأصحاب المراكب والصيادين فى المناطق المجاورة واعتمد فى رحلته على ضوء الكشافات فقط حتى يتمكن من رؤية الغرقى.

«اعتمادنا الوحيد فى إنقاذ الناس كان على تتبع الأصوات، كل ما نمشى شوية وسط الدخان نسمع صريخ الناس والأطفال.. إلحقونا إلحقونا».. هكذا وصف الصياد المصرى ابن عزبة البرج بمدينة دمياط المشهد فى عرض البحر، مؤكداً أنه كان يطلق عوامات مربوطة فى حبل بالمركب فى أماكن صوت الاستغاثات ويقوم بسحبها ويجد شباباً ونساء ورجالاً عالقين بها يضعهم على متن المركب حتى وصل عددهم فى أول دفعة 23 فرداً و4 كلاب، وتم توصيلهم إلى البر وعادا لينقذا المزيد من الأفراد: «كنا بنمشى ورا صوت صريخ الناس بس ومش شايفين أى حاجة»، حسب تعبيره. أصعب موقف تعرض له «موسى» هو لحظة استخراج طفل لم يتجاوز الخمس سنوات من عمره من وسط البحر وفور إنقاذه عانق الصغير الصياد البطل: «أول ما طلعته اتعلق فى رقبتى وكان بيحضنى ويبوسنى من فرحته».

لا يزال مركب الصيد الأول الذى شارك فى عملية إنقاذ أهل القرية المنكوبة يحوى آثار الفاجعة، فحسب قول «موسى»: «عندنا فى المركب بقايا هدوم بعض الأطفال اللى أنقذناهم مع أهاليهم».

{long_qoute_2}

بعد وقت قليل بدأت اللانشات البحرية التابعة للسواحل اليونانية ومراكب الصيد التى تعمل فى المنطقة المجاورة للقرية المنكوبة تتوافد إلى عرض البحر بعد أن شاهدوا فيديو الاستغاثة على «فيس بوك»، حسب قول «موسى». وعلى متن أحد مراكب الصيد، التى جاءت لتلبية الاستغاثة التى أطلقها «موسى»، حضر الصياد هانى الخميسى، ليشارك فى عمليات الإنقاذ بصحبته 7 صيادين آخرين، وفور وصولهم مكان الحادث فى نحو الثامنة مساء فوجئ الجميع بظلام تام ودخان أسود يحجب الرؤية تماماً فى عرض البحر، وكما فعل المركب الأول، تتبع الصياد «الخميسى» ومن معه أصوات نداءات الغرقى واعتمدوا على ضوء الكشافات ليتمكنوا من الرؤية، وكان أول الناجين على يد «الخميسى» فتاة فى السابعة عشرة من عمرها: «البنت كانت فى المنطقة الغريقة فى آخر البحر أول ما طلعناها قالت أنا مش مصدقة إنى لسه عايشة.. عمرى ما أنسى شكلها كانت فرحانة إزاى.. الروح حلوة»، حسب تعبيره.

تمكن «الخميسى»، الذى يعمل باليونان منذ 11 عاماً، من إنقاذ 20 فرداً من عمق البحر هو والصيادون المصاحبون له على متن المركب، وحسب وصفه لـ«الوطن»، كان من بين الأفراد جثة رجل مُسن لقى مصرعه غرقاً وظل متشبثاً بيديه فى يد ابنته وزوجته اللتين ما زالتا على قيد الحياة: «فضل ماسك فى إيد بنته حتى بعد ما طلعناه على سطح المركب وهو ميت».

لم تقتصر مهمة الصيادين المصريين على إنقاذ أهل القرية الفارين من الحريق إلى البحر فقط، بل قدموا لهم المياه وبعض الأطعمة الخفيفة، حتى تم تسليمهم إلى رجال الإسعاف اليونانيين فى إحدى الجزر المجاورة، وبعد أيام قليلة من يوم الحادث حاول بعض الناجين الوصول إلى الصيادين المصريين لشكرهم على شجاعتهم التى أنقذت حياتهم، ويقول «الخميسى»: «معظم الناجين كل يوم بيكلمونا يشكرونا على اللى عملناه معاهم.. بس ده واجب قمنا بيه تجاه ناس منكوبة».

و شارك في عمليات الإنقاذ أيضا كلا من الصياد حسن الخميسي ومحمدالزرقاوي وحسن طبنجات وحسين الشربيني وأشرف البرولسي.

 

 

 


مواضيع متعلقة