تغيير الإدارة أم إدارة التغيير؟

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

وصلتنى رسالة فى غاية الأهمية من د. رشا ماضى، استشارى التطوير المؤسسى وتنمية الموارد البشرية بأدنبره، إنجلترا، وهو تخصص مهمل فى مصر وينظر إليه على أنه ترف، تقول د. رشا فى رسالتها: كثيرا ما نردد أن مصر دولة مؤسسات وبالفعل شكلا مصر لديها العديد من المؤسسات ولكن مضمونا ليس لدينا النظم المؤسسية التى تضمن فعالية أداء هذه المؤسسات، يرجع ذلك إلى محسوبيات التوظيف وتوريث الوظائف التى همّشت الكفاءات وصدرت للمؤسسات قيادات شكلية بلا مضمون، فاعتمدت أساليب إدارتهم على تطبيق سياسات «فرق تسد» و«ضرب الأسافين» و«سيادة الصوت العالى»، هذا إلى جانب تركز هياكل الأجور فى يد المعارف والمحاسيب التى أدت إلى توحش جماعات المصالح والتى اعتبرت الموارد المالية للمؤسسات غنائم قبلية يقتسمونها وفق الأهواء الشخصية، فترى من يتقاضى آلافاً على عمل يقوم به آخرون يتقاضون بضع مئات لا تقى من جوع ولا تعين على عيش. تدنى أداء المؤسسات له دلالات كثيرة، منها شيخوخة الإدارات التى تكبت بدورها نمو القيادات الحديثة وانفراد التسلط الإدارى بقتل المبادرات الابتكارية لحل المشكلات، فتندر المقترحات والأفكار الجديدة وتسود الحلول الوسطية على حساب القرارات الاستراتيجية اللازمة للتغيير، هذا إلى جانب تكدس الهياكل التنظيمية وإهدار الموارد البشرية والمالية وتدنى الأداء الوظيفى والخدمى وخروج الموظفين للشوارع ووسائل الإعلام للمطالبة بحلول يجب إيجادها داخل مؤسساتهم من القيادات القائمة عليها. وتتعجب عندما تعلم أن اليابان فى السبعينات عانت نفس تحديات القطاع الحكومى التى نعانيها الآن فى مصر والتى تتلخص فى التكدس الوظيفى للعمالة غير المدربة، فجوات هياكل الأجور للمستوى الواحد والمستويات المختلفة، بالإضافة إلى تردى الأداء الحكومى، ونجحت اليابان فى مواجهة هذه التحديات، ليس بتعيينات المحاسيب والتسويف، وإنما بالعلم وجذب الخبرات التى أعادت تأهيل العاملين لإعادة توزيعهم على أقسام جديدة تم إنشاؤها لتقدم خدمات جديدة تحسن من أداء القطاع العام وتزيد من موارده المالية، وتكرر هذا النموذج فى ماليزيا فى الثمانينات عندما خرجت ماليزيا من كابوس لافعالية ومركزية الأجهزة الرقابية بأن خلقت أقساماً جديدة لمكافحة الفساد الإدارى داخل كل مؤسسة، ودربت موظفيها على استخدام أدوات القياس الحديثة لقياس الموارد والأصول وتقليل الفاقد والمهدر وتفعيل قوانين عدم تضارب المصالح، واستلزم تطبيق مفهوم الشفافية فى كلا البلدين أن تنشر كلتا الحكومتين معايير لجودة خدمات المواطنين على كل موقع مؤسسى إلكترونى، وخلقت أدوات تقييم لمحاسبة الموظفين على الالتزام بها، ما استدعى خلق أقسام داخل كل مؤسسة تعمل على متابعة تطبيق معايير جودة الأداء، وبخلق أقسام جديدة وثقافة جديدة وتوفير الدورات التدريبية انخفضت معدلات البطالة لما تطلبته هذه الأقسام من تعيينات بمهارات جديدة. يكمن سر نجاح آليات التطوير وارتفاع معدلات التنمية فى اليابان وماليزيا فى التأكيد على التخصصية، فلا يعمل بمجال من لا يفهم به، سواء بالدراسة أو الخبرة، مع توافر التدريب التحويلى لكل من أراد العمل بمجال جديد. عالج كلا البلدين مشكلة المظاهرات الفئوية بمراجعة هيكل الأجور لكل مؤسسة لتقليل الفجوات بما يتناسب مع موارد المؤسسة وطبيعة الوظيفة، إلى جانب خلق سياسات مالية تخصص جزءاً من الحوافز على أساس تقييم الأداء لتحسين تحقيق الأهداف الوظيفية؛ حيث ارتبط جزء من الزيادات بالإنتاجية، ما حفز العاملين على الانضمام لمنظومة التطوير والإقبال على الدورات التدريبية، فتحسن الأداء الاقتصادى وتحسن معه المستوى المعيشى للمواطنين اليابانى والماليزى. ابتعد الخطاب الجماهيرى لكلتا الحكومتين عن العبارات البلاغية المرسلة، وإنما ارتكز على صياغة الأهداف بأسلوب علمى يحدد أهدافاً اقتصادية تنموية رقمية يمكن قياسها والإطار الزمنى لتحقيقها وكيفية تطبيقها وتقييمها. يتطلب تطبيق هذه النظم المؤسسية أن يتبنى صناع القرار فى مصر سياسات إدارة التغيير مضمونا وليس تغيير الإدارات شكلا، هذا بالإضافة إلى أن تقوم وزارة التنمية الإدارية بدور أشمل فى التطوير المؤسسى، وبالأخص فى القطاع الحكومى الذى يشغله 6 ملايين موظف فالبقاء والتقدم ليس لأقوى أو أذكى الشعوب ولكن للشعوب الأقدر على مواكبة التغيير.