إشكاليات تسوية الأزمة السياسية فى ليبيا (5)

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

«الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبى» انتُخبت فى اقتراع عام، 20 فبراير 2014، تتألف من 60 عضواً، موزعين بالتساوى بين الأقاليم الثلاثة «برقة» فى الشرق، «طرابلس» فى الغرب، «فزان» فى الجنوب، بواقع 20 مقعداً لكل منها، تتضمن 5 مقاعد للمرأة و6 للأقليات (الأمازيغ والتبو والطوارق).. انتهت مهمتها بإقرار مشروع الدستور بأغلبية 43 صوتاً من 44 حاضرين وأحالته للبرلمان يوليو 2017. المشروع اشترط مضىّ عامين على انتهاء خدمة المرشح لرئاسة الجمهورية حال انتمائه للمؤسسات العسكرية والأمنية، وألا يحمل جنسية أخرى، هذه الشروط تستهدف إخراج «حفتر» من معادلات التنافس السياسى، لكونه أعيد للخدمة العسكرية منذ يناير 2015، ويحمل الجنسية الأمريكية. بعض أعضاء «التأسيسية» طعنوا أمام محكمة «البيضاء» لإبطال إجراءات إحالة مشروع الدستور إلى البرلمان، استناداً إلى عدم مشروعية جلسة التصويت، لعقدها يوم عطلة رسمية، لكن المحكمة رفضته. عدد من الشخصيات العامة من بنغازى تقدموا بطعون أخرى، نوفمبر 2017، لكن دائرة القضاء الإدارى بالمحكمة العليا حكمت بعدم الاختصاص، استناداً إلى أن أعضاء «التأسيسية» منتخبون مباشرة من الشعب، ما يُخرج قراراتهم عن ولاية القضاء. أعضاء «التأسيسية» عن «برقة» و«الجبل الغربى» وصفوا الحكم بأنه مسيَّس، وتمسكوا برفض المشروع، مهددين بالعصيان المدنى، و18 نائباً أعلنوا رفضهم للمشروع، وطالبوا بتشكيل لجنة خبراء لتعديل دستور 1951 باعتباره البديل الأفضل.

الأزمة السياسية تكاد تستعصى على الحل، لأنها تركيبة أزمات متنافرة صنعتها أجهزة مخابرات دولية تستهدف ألا تقوم لليبيا قائمة، وأن تظل بلداً مفتتاً، وقاعدة لتصدير الإرهاب والفوضى لدول المنطقة، وأن تصبح مأوى بديلاً لمن انقطع أملهم فى سيناء، بعد نجاحات الجيش، خاصة فى «العملية سيناء 2018». الجميع كان يعول على اتفاق الصخيرات، لكنه سقط بعد انتهاء الإطار الزمنى المحدد لسريانه فى ديسمبر 2017 دون التوصل لأى حلول، البعض راهن على حكومة «السراج» دون إدراك بأن نمط حكومة «كرزاى» لا توحد دولاً، ولا تُنهى صراعات، والبعض الآخر راهن على «حفتر» الذى نجح فى لملمة بقايا الجيش الوطنى، وحرر المنطقة الشرقية، والهلال النفطى، ومعظم الجنوب والوسط، لكن الحظر المفروض على تصدير السلاح حال دون التمدد للغرب. لم يعد فى جعبة المغامرين سوى الرهان على الانتخابات. «المشروع الانتخابى الليبى» لتعزيز قدرة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على إدارة العمليات الانتخابية هو آخر مبتكرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، فرنسا عززته بـ200 ألف يورو، هولندا تعهّدت بـ1.65 مليون دولار، دون أى تقدير لما تنطوى عليه الانتخابات فى الظروف الراهنة من محاذير ومخاطر.

الانتخابات التشريعية فى 2014 أثارت فوضى عارمة، رغم أن الجماعات المسلحة كانت أقل تنظيماً، والانقسامات السياسية كانت قابلة للتدبير، فما بال لو تم تنظيمها اليوم حيث لا توجد قوات أمن وطنية قادرة على تنظيم عمليات التصويت على امتداد البلاد. النتائج سيتقبلها الفائز، ويرفع المهزوم سلاحه اعتراضاً. مشروع الدستور يقسم ليبيا إلى أربع دوائر انتخابية «برقة، طرابلس، فزان، والليبيون بالخارج»، والدستور لا يكون نافذاً إلا بموافقة ثلثَى المقترعين بكل دائرة من الدوائر الأربع، عدم استيفاء النصاب فى دائرة واحدة يُعد رفضاً من كل الشعب، وتعاد صياغته من جديد. برقة تعتزم توفير الأغلبية الكفيلة بإسقاطه، وطرابلس قد لا يتسنى إجراء الاستفتاء فيها لاعتبارات أمنية، مما يُسقط مشروعيته. الإخوان يتواصلون مع التنظيم الدولى فى تركيا وموريتانيا لبحث ترتيبات توظيف الانتخابات للعودة للسلطة، ويتلقون دعماً من إخوان تونس، ويخططون للتلاعب فى النتائج من خلال سيطرة عناصرهم على منظومة الرقم الوطنى، والمفوضية العليا للانتخابات، سميرة الفرجانى، وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة، حذرت من بدء عمليات تزوير فى السجل المدنى.

لجنة التوعية والتثقيف بـ«الدستورية» طالبت البرلمان بإصدار قانون الاستفتاء وفق الإعلان الدستورى وتعديلاته، بعد إدراكها لعدم تحمسه، المجلس الأعلى للدولة برئاسة «السويحلى» بادر بإقرار مقترح لقانون الاستفتاء على مشروع الدستور بأغلبية 52 عضواً من بين 74 حضروا الجلسة، وذلك فى خطوة تصعيدية أثارت غضب أعضاء البرلمان، وكشفت محاولات التعجيل بالاستفتاء كجزء من خطة الإخوان لتوظيف الانتخابات فى العودة للسلطة.. البرلمان أحال مشروع قانون الاستفتاء إلى اللجنة القانونية لدراسته وإبداء الرأى قبل طرحه للتصويت، لكن استقالة بعض أعضاء اللجنة والغياب المتكرر للآخر أفقداها النصاب، فلم تطرحه للمناقشة. البرلمان يعتزم تشكيل لجنة خاصة لمناقشته وإعادة صياغته، ولكنها تميل فى الحقيقة إلى عرقلته والذهاب للانتخابات بموجب الإعلان الدستورى، لذلك اعتمد «الصيغة التوافقية» التى قدمها غسان سلامة، المبعوث الدولى، بشأن تعديل الإعلان، والتى رفضها مجلس الدولة، وتمسك بإتمام التعديل من خلال لجنة مشتركة من البرلمان والمجلس. المبعوث الدولى قدم خريطة طريق «سبتمبر 2017» تبدأ بتعديل اتفاق الصخيرات، وتنتهى بالاستفتاء على الدستور، والانتخابات الرئاسية والتشريعية، لكن تنفيذها يواجه طريقاً مغلقاً، البرلمان لديه تحفظات موضوعية وسياسية على مشروع الدستور، وبعض النواب يميلون إلى حل «التأسيسية» وتعيين لجنة خبراء فى القانون الدستورى توكل إليها مهمة إعداد مشروع جديد خلال 60 يوماً.. رفضُ إقليم برقة والجبل الغربى لمشروع الدستور يتحول إلى حركة شعبية بانطلاق حملات تفويض «حفتر» لتولى الرئاسة، والتى شارك فيها قرابة مليون وثلاثمائة ألف، من خلال نماذج الاستبيان، ومواقع التواصل، قادة الحملات يعتزمون إرسال كشوف التفويض إلى الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبى والأفريقى وجامعة الدول العربية.. القبائل الليبية الموالية للنظام السابق، وأنصار القذافى بالخارج، أطلقوا حملات لدعم سيف الإسلام القذافى، نجل معمر القذافى، ونظموا اجتماعات مكثفة لمناقشة الأسماء المرشحة للانتخابات التشريعية المقبلة.. الاستعداد على أشده، فى منافسة لا تسمح الظروف الراهنة سوى بتحولها إلى مواجهات دامية.

الأزمة الليبية دخلت عامها الثامن، والمشهد ما زال معقداً، لأن كل القوى تعبث، وكل عابث لا يبتغى سوى مصالحه.. لا يمكن نجاح الانتخابات دون حملة إعلامية تسمح للمواطن بإدراك خطورة الإخوان، وارتباطاتهم الدولية، وعلاقتهم بمخططات تفتيت الدولة، وبالتالى القدرة على التمييز بين المرشح الإخوانى وغيره.. لا يمكن إجراء الانتخابات دون توحيد الجيش وقوى الأمن الداخلى لتأمين كافة اللجان فى أرجاء الدولة.. لا يمكن تنظيم الانتخابات قبل توحيد بنك ليبيا المركزى، ومؤسسة النفط، ووضع منظومة الرقم الوطنى تحت إشراف الأجهزة الأمنية، منعاً لتوظيف مؤسسات الدولة وعوائدها لصالح البعض.. عندما يرى الجميع مصر وقد فرّغت بعض كبار مسئوليها للجنة مهمتها توحيد الجيش الليبى، وتحقيق المصالحة، سيدركون أنها الطرف الوحيد الذى يدرك أبعاد الأزمة، ويعرف مفاتيحها، ويبدأ بالقواعد والأسس.

بهذا أكون قد أنهيت ملف ليبيا ذا الفصول الخمسة، ليكون بين أيدى كل من يعنيه أمر الباحة الغربية لأمننا القومى، لكننى لم أنتهِ بعدُ من المتابعة والتناول، كلما فرضت المصلحة الوطنية ذلك.