الحرانية.. مركز إبداع السجاد اليدوى

كتب: مروى ياسين

الحرانية.. مركز إبداع السجاد اليدوى

الحرانية.. مركز إبداع السجاد اليدوى

لست بحاجة للبحث عن لافتة للتعرف على القرية وسط القرى المجاورة لها، يكفى أن ترمق عينيك على مرمى البصر سجادا يدويا وكليما وضعته سيدة تجاوزت الأربعين من عمرها بخمس سنوات فوق «حبل غسيل»، هى وسيلة عرضها الوحيدة لمنتجها الذى تعلمت صنعه منذ نعومة أظافرها، يعلن سجاد أم محمد عن قرية «الحرانية» إحدى قرى الجيزة، لتجد بعد خطوات من مكانها لافتة صغيرة تحمل اسم البلدة. «أم محمد» تعلمت مهنتها منذ نعومة أظافرها، ورثتها أبا عن جد وتعلمت أصول المهنة من تلك المدرسة التى يقتحم سورها مدخل القرية ليعلن عن صرح كبير ترك بصمته فى كل منزل، فأصبح كل بيت فى «الحرانية» به فنان صغير تعلم داخل مدرسة «ويصا واصف» للفنون، كانت المدرسة هى البداية لكنها لم تكن النهاية فى طريق «أم محمد» الذى بدأته، فكان حظها فى زوج تعلم نفس المهنة وظلا الاثنان معا يعملان أعمالا فردية بحثا عن باب جديد للرزق. لكل مغامرة طعم مختلف، تخرج أم محمد من المدرسة ولديها قاموس كبير من فنون الصنعة تعلمته تارة بالتوجيه وتارة بالفطرة، تبدأ وزوجها المهنة بحرفية متوسطة كبرت مع الأيام وزاد إتقانهما للمهنة، صارا يمتلكان أنوالا من الخشب داخل غرفة خاصة بمنزلهما الصغير، لا يمر يوم دون الدخول إلى تلك الغرفة وحفر ما لديهما من موهبة على خيوط طولية وأخرى عرضية تنسج فى النهاية لوحة فنية تلفت الأنظار. أم محمد أم لأربعة أبناء تشربوا المهنة عن ظهر قلب فصار كل منهم يتعلم جنبا إلى جنب دراسته أصول الفن ولعبته على أحبال السجاد وخيوطه، الأسرة بأكملها تعمل بتلك الصناعة اليدوية التى لا يعرف كثير من المستهلكين قيمتها، فتجلس أم محمد على نول أفقى ساعات طويلة يومية وتتجاوز الأيام وتزيد عن الثلاثة أشهر أو الأربعة لتكتمل لوحة فنية رسمتها من وحى ذاكرتها، بخيوط من الصوف، فتجد الجمال تمشى جنبا إلى جنب فلاحين بالقرية المصرية لتكتمل صورة كبيرة من مقومات الحياة البدائية التى تزين مكان العرض، بالإضافة إلى مناظر طبيعية وخضرة لا تغيب عن تلك اللوحات مهما كانت. روح الفن التى طغت على كل ركن من أركان القرية والموهبة التى نمت فى نفوس الصغار والكبار تعودان إلى الفنان رمسيس ويصا واصف الذى نقل إلى القرية فنه وغرس بداخلهم الطموح لتنمية الموهبة وتطويرها، فمنح الصغار أنوالا صغيرة وعددا قليلا من الخيوط، وبمرور الوقت تنمو الحاسة الإبداعية ويكبر معها مقياس العمل ليصل الصغير بخبرته إلى الأنوال الكبيرة ليشارك فى عمل أكبر ولوحة أكبر قد تستغرق من عمره عاما كاملا من الجهد والعناء، لكنه الصبر الذى يرى حلاوته بمجرد أن يعقد آخر خيط فى اللوحة الفنية أو السجادة كما يسمونها. الفن الذى غرسه ويصا فى «الحرانية» لم ينته بموته فى 1974 فأسرته أكملت حلمه فى مركز الفنون الذى يحمل اسمه حاليا، لتصبح مدرسته من أقدم المدارس لتعليم صناعة السجاد فى المنطقة. أم محمد واحدة من بين نساء القرية اللاتى تعلمن المهنة عن ظهر قلب، فيهن من حفرتها فى ذاكرتها وبعضهن التقطن أسرارها من فنانين كبار فضلوا أن ينقلوا خبراتهم إلى «قرية الفن»، فتلك أم رمضان سيدة تجاوزت الأربعين بثلاثة أعوام، تعمل فى أحد المصانع الصغيرة للسجاد اليدوى بالقرية، تلك مهنتها منذ أن فتحت أعينها للحياة، تعلم الكثير والكثير عنها، بحرفية عالية ترسم القرية المصرية القديمة لا تخلو لوحاتها من «قلة» و«زير» وعلامات أخرى للقرية القديمة التى تحبها أم رمضان فتقول: «القرية زمان أحلى.. فيها خير وخضرة وهواء، دلوقتى كلها عمارات ومبانى عالية»، أم رمضان التى تعلمت المهنة على يد فنان تشكيلى جاء للقرية منذ سنوات ماضية تفضل الرسم بالخيوط لتنسج منه سجادا جماليا يزين الحوائط ويضفى جماله على الأرضيات، تجلس أم رمضان وسط ثلاثة من زملائها فى المهنة داخل مصنع صغير تختلط أنفاسه برائحة الخيوط التى تخرج من سجاد تراكم فى مدخل المكان وفى جوانبه، تمسك فى يدها مشطا حديديا هو أداة مهنتها الرئيسية، فبه تكبس الخيوط فوق بعضها البعض لترسم لوحتها بفن وعبقرية تعلمتها على مدى السنين والأيام، قد تخطئ يداها فيما تريد رسمه إذا ما شرد ذهنها للحظات، فتعيد مرة أخرى فك الخيوط بعد أن كبستها لتعيد رسمها من جديد. أم رمضان أم لأربعة أبناء أكبرهم يعمل فى صيانة الهواتف وأصغرهم لم يكمل تعليمه ويساعد الكبير فى مهنته، وحدها من تعلمت المهنة وتشربتها منذ صغرها وسط أفراد أسرتها الصغيرة، لكن عائلتها الأكبر كانت تعمل بالمهنة وأورثتها للأبناء والبنات فى القرية أصحاب الموهبة وأصحاب القدرة على التنفيذ، فيها كل ألوان الفن من حرفية ودقة وجودة، ليصبح السجاد لوحات فنية تزين جدران كل بيت فى القرية، أم رمضان لا تعرف مهنة أخرى غيرها ولا تريد أن تتعلم شيئا آخر، ورغم أنها لم تتعلم القراءة والكتابة أبدا فإنها تتقن الكتابة بالخيوط شريطة أن تجدها على ورقة كبيرة أمامها، كلما أنهت سجادة بدأت فى أخرى تحمل من الأفكار ما استنبطته من وحى الطبيعة فطغت الحيوانات والقطط والزهور على منتجاتها، وصارت صاحبة بصمة فى ذلك. يبقى سر الصنعة متوقفا على فن وموهبة صانعيه، لكن لكل سجادة وضع مختلف فى الصنع فالأنوال أنواع منها ما هو أفقى ومنها ما هو معروف بـ«الدف» وذلك له استخدام خاص لإنتاج ما يعرف بـ«الكليم»، أم رمضان وغيرها من أهالى القرية يمتلكون القدرة الفائقة فى صناعة السجاد اليدوى بأنواعه لتبقى «الحرانية» قرية الفن والفنانين.