تواصل الاحتجاجات في جرادة المغربية

كتب: وفاء صندي

تواصل الاحتجاجات في جرادة المغربية

تواصل الاحتجاجات في جرادة المغربية

في اليوم الثالث على التوالي، بعد دفن ما بات يعرف بـ"ضحايا الفحم"، احتشد، مساء أمس الاربعاء، بمدينة جرادة (شرق المغرب)، الاف المحتجين من مختلف الفئات العمرية، بعدما فشل الامن من منعهم للوصول الى وسط المدينة.

وقد أرغمت القوات الأمنية على الانسحاب، تاركة الساحة للمحتجين الذين رفعوا شعارات عبروا فيها عن غضبهم من الأوضاع الكارثية التي تعيشها المدينة، مؤكدين استمرار احتجاجاتهم إلى غاية تحقيق مطالبهم "العادلة والمشروعة".

وردد المتظاهرون، الذين رفع كثير منهم العلم المغربي، هتافات تطالب بالتنمية الاقتصادية لمنطقتهم ومنها "الشعب يريد بديلا اقتصاديا"، مشددين على الطابع "السلمي" لتحركهم الاحتجاجي.

ودعا المحتجون ومعهم مجموعة من الإطارات السياسية والنقابية والحقوقية بجرادة إلى الانخراط بشكل واسع في اضراب عام اقليمي دعي له يوم غد الجمعة.

وفي تعليقه على الاحتجاجات، اعتبر النائب البرلماني عن جهة الشرق، خالد البوقرعي، أن "مدينة جرادة كانت تنتج الثروة في أحد الأوقات، ولم تكن هناك طبقة فقيرة في المنطقة، بل هناك عمال المناجم الذين يأخذون رواتب جيدة، الى أن تغير كل شيء".

وأكد البوقرعي، الذي حضر احتجاجات امس الاربعاء، تذمر الساكنة من واقعها الحالي، خصوصا بعد اتفاق 1998 حيث وعدت الحكومة بإيجاد بديل اقتصادي للمنطقة، بعد اغلاق المنجم، لكن تلك الوعود ذهبت سودا ولم يتحقق منها شيئا".

وجدير بالذكر ان الحكومة المغربية قامت بإغلاق منجم الفحم بجرادة أواخر التسعينيات، بعد أن قالت ان كلفته باتت مرتفعة، في الوقت الذي كان نحو 9000 يعملون في مجال التعدين الذي كان يشكل مصدر الدخل الرئيسي للسكان.

وفي تحليله للاوضاع التي تعيشها المدينة الشرقية للمغرب، اعتبر عبد العلي حامي الدين، كاتب ومحلل سياسي، أن الملامح الأولية لاحتجاجات جرادة لا تختلف كثيرا عن احتجاجات الريف وزاكورة وغيرها.

وقدم حامي الدين مجموعة من الملاحظات عنهذه الاحتجاجات اولها، انها ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية لكن بمضمون سياسي يؤطره الإحساس بالغبن الاجتماعي والشعور بظلم الدولة التي تكتفي بالتفرج على مراكز الاستغلال، وهي تنهب الثروات الباطنية وتراكم ثروات خيالية على حساب الفئات المحرومة، وفق تعبير ذات المتحدث.

ثانيا، الطابع السلمي للاحتجاجات والحرص على عدم الاحتكاك بقوى الأمن، وعدم الانجرار إلى الصدام مع القوات العمومية، حرصا على تبليغ رسائل الاحتجاج بدون تشويش.

ثالثا، رغم وجود قابلية اجتماعية للاحتجاج، بل وانطلاق بعضها بسبب غلاء فواتير الماء والكهرباء قبل الاحتجاجات الأخيرة، فإن وجود عامل مستفز (وفاة ضحايا الفحم) يكون دائما وراء انطلاق شرارة الاحتجاجات.

رابعا، رغم وجود قيادة ميدانية يتم فرزها بطريقة تلقائية من بين الشباب المتعلم الذي يتقن صياغة الشعارات وتعبئة الجمهور، فإن الحاضنة الرئيسة للاحتجاجات تتكون من أوساط شعبية متواضعة غير مؤطرة حزبيا، تنحدر في عمومها من أصول فقيرة تنتمي إلى أدنى درجات السلم الاجتماعي، وهو ما يعني أن برامج التنمية الوطنية لا تصل إلى مستحقيها من فئات اجتماعية مسحوقة.

خامسا، ضعف المؤسسات التمثيلية المنتخبة، وعدم قدرتها على استيعاب المطالب الاجتماعية ومعاناتها من ضعف الفعالية، بل ينظر إليها في الغالب كجزء من الأسباب التي تقف وراء معاناة الساكنة، خصوصا إذا كانت هذه المؤسسات تدبر من طرف أحزاب فاقدة للمصداقية، مع إمكانية تورط بعض المنتخبين الفاسدين في نهب ثروات الشعب، وفق تعبير ذات المصدر.

وخلص ذات المصدر الى أن هذه الاحتجاجات الاجتماعية ربما تبدو صغيرة وقابلة للاحتواء من طرف الدولة، محذرا من كون تراكم هذه الاحتجاجات وتزامنها سيعجل بصعود مضمون سياسي أكثر وضوحا وسيعيد طرح سؤال "الإصلاح السياسي العميق والشامل".

في سياق متصل، ربط رئيس مجلس المستشارين المغربي، حكيم بنشماس، بين اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في المغرب وبين عدم تفعيل الجهوية المتقدمة، محذرا من "التكلفة الباهظة التي سيؤديها البلد لعدم توفر القيادة الإستراتيجية القادرة على الدفع بعجلة الجهوية المتقدمة إلى الأمام".

وأكد بنشماش في مداخلته، امس الاربعاء، ضمن يوم دراسي حول عوائق تفعيل الجهوية المتقدمة، بمجلس المستشارين، "لو أن من بيدهم القرار حملوا على محمل الجد توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتوصيات الملتقى البرلماني الأول للجهات، لكنا سنسمع مضمونا مغايرا لخطاب جلالة الملك في افتتاح البرلمان، وربما لم نكن لنرى الشباب قابعين في السجون (في إشارة إلى شباب حراك الريف)، ولم نكن لنرى الاحتجاجات التي خرجت في مدينة جرادة".

يذكر أن احتجاجات مدينة جرادة المعروفة بثرواتها الباطنية، قد اندلعت الجمعة الماضية، بعد أن غمرت المياه بئرا لاستخراج الفحم الحجري، في وقت كان عاملان شقيقين "حسين" 23 سنة، و"جدوان" 30 سنة، داخل البئر ما تسبب في وفاتهما تحت الأرض، واستغرق استخراجهما 36 ساعة، رفض بعدها المحتجون السماح للسلطات بدفنهما الى ان توصلت بتسوية مع عائلاتهما سمحت بدفن الضحايا دون ان تسمح بمنع استمرار الاحتجاجات.


مواضيع متعلقة