مجرد لعبة

ندى إيهاب

ندى إيهاب

كاتب صحفي

صلاح البطل الذى أسعد الملايين بتحقيق النصر على الخصم العنيد بعد سنوات طويلة من العناء والحرمان من المشاركة، لم يكل أو يمل من محاولات الهجوم حتى تحقق الحلم الذى تعاقب على انتظاره الأجيال، الحلم باسترداد القدس!

كى لا يختلط الأمر أتحدث هنا عن القائد صلاح الدين الأيوبى، فما بين الليلة والبارحة، وبين "محمد صلاح" و"صلاح الدين الأيوبي" تغير مفهوم البطولة ومفهوم القدوة مما يستحق نظرة تحليلية -ليس للتفلسف وإفساد البهجة أو حتى إقحام السياسة-، فمن منا لم يشعر بالحماسة طوال مباراة مصر والكونغو الأخيرة، كل الأعين مترقبة فى خوف، منتظرة الفوز، وكل الأفواه تشجع وتدعى بالنصر والتأهل لكأس العالم.

90 دقيقة وحدت مشاعر المصريين وأيقظت فيهم روح الوطنية التى باتت فى سبات عميق بفعل التشتت بين التوجهات السياسية المختلفة، والانغماس فى مشكلات الحياة اليومية.

مباراة نجح خلالها محمد صلاح فى بث البهجة داخل قلوب المصريين حتى تحول لأيقونة للسعادة والبطولة، لكن بعد انتهاء الأجواء الاحتفالية الحماسية وعودة الأدرينالين لمستواه الطبيعى فى الجسد يبدأ العقل فى استعادة نشاطه التحليلى ورصد الواقع لتفسير ما وراءه من معانى.

أصبح الفوز بمباريات كرة القدم هو المفهوم الحقيقى للانتصار وتحقيق المجد لدى الشعوب العربية، انتصارات وهمية تشغلهم عن تحقيق انتصارات حقيقية تتعطش لها الدول العربية، وبالتالى تحول رموز كرة القدم إلى أبطال حقيقية فى أعين الجماهير.

كرة القدم على وجه التحديد وغيرها من الألعاب الرياضية وأشكال الترفيه ليست فى حد ذاتها أشياء سلبية على الإطلاق بل هى احتياج أساسى، ولكن تكمن المشكلة فى إعطائها أكبر من حجمها الطبيعى، الأمر لم يعد مجرد بطولة رياضية بل مجد قومى.

عوامل كثيرة تشابكت لتؤثر فى تشكيل إدراك الجماهير لمفهوم ومعنى البطل والقدوة، لعل غياب البطولات الحقيقية الملموسة نتيجة لما تعانيه الأمة العربية من فقر سياسى واقتصادى وراء ذلك، وهو ما يستغله البعض فى تأجيج الفتن والخلافات، ولعل خير مثال على ذلك مباراة مصر والجزائر عام 2009، والتى تحولت إلى أزمة سياسية بين شعبى البلدين، أزمة لا يزال لها آثار حتى الآن.

ولا يمكننا أن نغفل دور وسائل الإعلام فى هذا التضخيم من خلال تخصيص أغلب الساحات الإعلامية للحديث عن المباراة قبل أن تبدأ بأيام وتستمر التغطية لأيام أخرى بعد انتهاء المباراة، كثافة التغطية تشعر المشاهد بطريقة غير مباشرة بأهمية الحدث، كما أن معظم القائمين على الإعلام الكروى من لاعبى كرة القدم وليسوا من دارسى الإعلام، فبالتالى قد لا يتسموا بالمهنية المطلوبة خصوصا فى وقت الأزمات، مما يساهم فى تأجيج المشاعر السلبية والفتن.

هذا بالإضافة إلى الحملات الإعلانية المكثفة التى تستغل حب الشعوب العربية للكرة وتعطشهم للشعور بلذة الانتصار وتحقيق المجد، فما بين "يا نتأهل يا متلحقوناش" ومبروك الذى أصيب بالشلل بسبب صدمة عدم تأهل المنتخب المصرى لكأس العالم فى الأعوام السابقة، الكثير من المعانى والدلالات التى يتم بثها للمشاهد عبر الأغانى والعبارات الإعلانية الجذابة، فيتم تشكيل المفاهيم لدى المشاهد حول أهمية كرة القدم.

تجتمع كل هذه العوامل لتساهم بشكل تدريجى فى ترسيخ صورة ذهنية لدى المشاهد بالأهمية القصوى لكرة القدم وحتمية الاستماتة فى تشجيع فريقك سواء على المستوى المحلى أو الدولى، ثم نعود لنتسائل لماذا يتسم بعض الجماهير بكل هذا القدر من التعصب الكروي؟! بل وندشن الحملات الإعلامية التى تدعو لعدم التعصب الكروى و الاستمتاع بها لأنها مجرد لعبة!

وبالتالى فكرة القدم لا تتحمل اللوم وحدها فى تغيير مفهوم البطل داخل عقول المشاهدين، وتخدير الشعوب العربية عن السعى فى تحقيق بطولات حقيقية، فكرة القدم تتواجد ضمن أبعاد اجتماعية وسياسية تضفى عليها صبغتها وتحملها الكثير من المعانى والدلالات.