شادية.. الصوت والصمت والصدى

من منا لم تلمع فى خلده وترية ساطعة كالشمس (قولوا لعين الشمس ما تحماشى)، من منا لم تلهمه كلمات مدح الحبيب فى الليلة المحمدية (خد بإيدى).. كم مصرياً وعربياً لم تحفزه وتحفر الكلمات ذاكرته بالأيقونة الوطنية للمبدع بليغ حمدى وكلمات محمد حمزة (يا حبيبتى يا مصر يا مصر)، ليتذكر ذلك الصوت العذب الذى أطلقها للوجود عام 1970، من منا لم يترنّم طرباً لما كتبت أنامل الشاعر الغنائى العبقرى عبدالرحيم منصور (يا أم الصابرين) عام 1973، و(مصر اليوم فى عيد) لعبدالوهاب محمد، لتشدو شادية جداريات غنائية استثنائية عبر تاريخ ممتد رسمته شادية النغم والقيم، وشادية العطاء والوطنية، وشادية صوت مصر الأصيل وعنوان الزمن الجميل، سفيرة فوق العادة وروح خطت خطوة الوداع الحقيقية فى عام 1986، ورحلت بعد أن أتمت أيضاً 86 عاماً، وكأن ملامح الرحلة رسمتها فى نوتة موسيقية من كلمات وحروف هى لحن الخلود؟

حين نقف مع شادية الحضور والأداء والإبداع والإبهار، يطول المقام أمام علامات وتاريخ وتراث فنى حافل بأكثر من 100 فيلم و500 أغنية و10 مسلسلات ومسرحية واحدة. ومن يذهب فى زيارة تأملية إلى ذاكرته السمعية من زمن الإذاعة والأثير، سيجد قمة الواقعية الإبداعية فى مسلسلات إذاعية من بطولتها، هى أقرب إلى لوحات لن تتكرر مثل مسلسل (صابرين) عام 1972، (الشك يا حبيبى) عام 1976، وتحفة يوسف السباعى (نحن لا نزرع الشوك). وفى مخزون الذاكرة البصرية للأفلام، تمتد الأعمال الفنية المتميزة، فمن منا لم يشاهد رائعة ثروت أباظة (شىء من الخوف)، وغيرها من أعمال ستبقى فى حنايا الذاكرة مصحوبة بعشب الاشتياق لأصحاب الفن والقيم والأصالة والنبالة.

حين نقف مع شادية الصمت، يتعجب المرء من تلك الاستباقية للفارسة فاطمة أحمد كمال (شادية) التى ترجلت وأبدعت بتخطيط مُحكم للاعتزال فى عام 1986 بعد مشهد لا يُنسى بفستان ناصع البياض عنواناً لوداع مهيب، وهى تصدح بقافية الوداع بكلمات سطرتها أنامل الشاعرة (علية الجعار) فى إضاءات الليلة المحمدية، لتختم شادية رحلتها برائعتها (خد بإيدى)، وتردد النداء وهى فى حضرة الخمسين من عمرها آنذاك، وتغادر فى التوقيت نفسه تقريباً بعد نحو ثلاثة عقود، وكأنها تقول للجميع: «ها قد اعتزلت الأضواء قبل أن تعتزلنى، ها قد تنزّهت عن المجد وأنا أتربع على قمّته، ها أنا أزهد فى الشهرة وهى ملك يمينى، أيها المحبون تذكرونى بما كنت، وأعدكم بأن أكون أفضل مما كنت»، تماماً كما فعل (عطيل) فى ختام رائعة مسرحية شكسبير: «اذكرونى بطلاً وفارساً وقائداً». قليلون هم من يرسمون ملامح النقطة الفاصلة فى حياتهم، ونادرون هم من يلتزمون بتلك النقطة الفاصلة مهما كانت الإغراءات بالعودة؛ والأكثر استثناءً هم من يصنعون بأيديهم لا بأيدى غيرهم ما بعد النقطة الفاصلة على ضفة العمر الأخرى سِفراً مستداماً من الخير والبر والإحسان كما فعلت شادية بجدارة الاستغناء وقوة الاكتفاء وصمت العطاء، ولهذا كان حضورها الآسر أقوى من غيابها الدائم.

الآن ندرك سر كلماتها حول سبب اعتزالها عام 1986، حين أفصحت: (أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لى عندهم، ولهذا فلن أنتظر حتى تعتزلنى الأضواء). فلسفة حياتية وحكمة إنسانية بليغة وعميقة لا يدركها كثيرون فى السباق المحموم والمأزوم نحو النجومية الأبدية الوهمية حتى تهجرهم الشهرة وهم متشبثون بالحبال الواهنة، لأن حين تطول قائمة الطموحات، يصبح العمر أقصر مما يكون.

رحم الله شادية فقد شَدَت لنا أجمل أنشودة إنسانية فى خماسية «الصوت والصمت والصدى والصمود والأثر».