حزب الله.. معضلة الأمس واليوم والغد

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

منذ نشأة حزب الله اللبنانى نهاية الثمانينات من القرن الماضى وهو يمثل إشكالية سياسية كبرى للبنان ومحيطه العربى والإقليمى. الحزب نشأ كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان واستطاع أن يقهر الإسرائيليين ويدفعهم دفعاً إلى الهروب بصورة أحادية مايو 2000. وطوال فترة المقاومة نال الحزب تأييداً شعبياً جارفاً، سواء فى لبنان أو فى بلدان عربية مختلفة. وفى الفترة نفسها تطور أداء الحزب ليصبح حركة اجتماعية متعددة الأبعاد تستند إلى معتقدات دينية وسياسية وفكرية تمزج بين مبادئ المذهب الشيعى الإثنى عشرى ومرجعية قم وعلاقة خاصة مع جمهورية إيران الإسلامية، وأولوية تحرير فلسطين وعدم الاعتراف بدولة إسرائيل باعتبارها كياناً صهيونياً محتلاً لأرض إسلامية لا يجوز التنازل عنها شرعاً، والتعايش مع التعددية المذهبية والطائفية ومؤسسات الدولة فى لبنان التى تقر هذا التعدد وتعمل على أساسه، وبناء مؤسسات اجتماعية وتربوية لتنشئة أعضاء الحزب وتوفير الخدمات الضرورية لهم، وعناية أسر أعضاء الحزب حين قيامهم بمهام عسكرية أو استشهادهم فى هذه العمليات، وأخرى إعلامية لشرح والدفاع عن تصرفات الحزب وشرح أبعادها للبنانيين كافة وعدم ترك الساحة للأفكار والتقييمات المناهضة للحزب، وبناء مؤسسات اقتصادية تؤمن جزءاً من تمويلات الحزب بجانب التمويل الخاص المقبل من إيران، وتطوير البنية العسكرية للحزب من حيث التدريب والتسليح والتخطيط الاستراتيجى والأداء العملياتى.

وبذلك ترسخ دور الحزب بأبعاده السياسية والعسكرية والإعلامية والتربوية بين الشيعة اللبنانيين، وأصبح مع مرور الزمن حركة اجتماعية ذات ظهير شعبى وليس مجرد تنظيم قاصر على أعضائه، أو مجرد ميليشيا عسكرية. وأصبح أيضاً رقماً صعباً فى التوازن السياسى اللبنانى، ورقماً صعباً آخر فى التوازنات الإقليمية بحكم علاقاته الوثيقة مع طهران إلى الحد الذى يعتبر فيه الحزب امتداداً للنفوذ الإيرانى المباشر.

ومع مشاركة الحزب فى الانتخابات البرلمانية اللبنانية وحصوله على عدد من الأصوات ودخوله فى تحالفات انتخابية ثم برلمانية ثم حكومية، نال الحزب خبرة جديدة ومهمة فى تسيير شئون الدولة، وبما شكل حالة فريدة، فالحزب يتمتع باستقلالية فى حركته العسكرية وله علاقات عابرة للحدود ولديه تمويل معلن وآخر غير معلن، وفى الآن ذاته فهو عنصر فاعل فى مؤسسات الدولة اللبنانية من خلال عضويته فى كل من البرلمان والحكومة، ومن ثم فقد جمع الحزب بين أمرين متناقضين فى ذاتهما، أولهما أنه حر الحركة سياسياً وعسكرياً داخل وخارج لبنان، وثانيهما أنه جزء من مؤسسات الدولة اللبنانية، وبما يعكس حالة فريدة جداً للحزب وللدولة اللبنانية معاً.

التعامل مع الحركات الاجتماعية يصبح أمراً شائكاً إذا نظر إليها من منظور جزئى أو هامشى، ويزداد الأمر تعقيداً مع التحولات الكبرى التى شهدتها المنطقة العربية طوال العقدين الماضيين، والتى سمحت بأن يصبح الحزب جزءاً أصيلاً من الاستراتيجية الإيرانية تجاه المشرق العربى، وكان طبيعياً أن يتحول إلى لاعب إقليمى يشارك فى الحرب السورية مناصراً لنظام الرئيس الأسد فى مواجهة التنظيمات المسلحة، سواء وصفت بالمعارضة السورية أو انتمت إلى تنظيمات الإرهاب والعنف، وهو تصرف لا ينال إجماعاً لبنانياً كما كان الحال حين نشأ الحزب كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى.

ورغم الغضب والرفض الذى يبديه الكثير من رموز السياسة اللبنانية لتصرفات الحزب المناهضة للكثير من مبادئ تحييد لبنان التى ينظر إليها كأساس لحماية الدولة من التورط فى أزمات عربية وإقليمية شائكة وذات تداعيات خطيرة، إلا أن هناك اقتناعاً خفياً بأن قدرات الحزب العسكرية لا سيما سلاحه الذى لا يُعرف تحديداً أين يوجد وكيف يُنقل بين المواقع المختلفة فى لبنان أو من خارجه، بأنه عنصر ردع للنوايا العدوانية الإسرائيلية ضد لبنان لا سيما فى ضوء محدودية قدرات الجيش اللبنانى مقارنة بالقدرات الإسرائيلية.

إذا وضعنا كل العناصر السابقة أمام أعيننا ثم نقرأ البند السابع من قرار مجلس وزراء الخارجية العرب الصادر يوم الأحد الماضى، سوف نصطدم بعقبة كبرى تتعلق بالفهم العربى الرسمى لطبيعة حزب الله اللبنانى وما يرتبط به بكيفية احتواء المخاطر المترتبة على بعض سلوكياته عربياً وإقليمياً. يقول البند التاسع «تحميل حزب الله اللبنانى الإرهابى -الشريك فى الحكومة اللبنانية- مسئولية دعم الإرهاب والجماعات الإرهابية فى الدول العربية بالأسلحة المتطورة والصواريخ الباليستية، والتأكيد على ضرورة توقفه عن نشر التطرف والطائفية والتدخل فى الشئون الداخلية للدول وعدم تقديم أى دعم للإرهاب والإرهابيين فى محيطه الإقليمى»، وفى هذا التوصيف دمغ مباشر للحزب بالإرهاب، مع اعتراف بأمر واقع بأنه شريك فى الحكومة اللبنانية، التى هى الآن محل استقالة لرئيسها سعد الحريرى لم تُحسم بعد، مع تحميله مسئولية دعم الإرهاب والجماعات الإرهابية فى عدة دول عربية، ثم مطالبته بالكف عن نشر التطرف والتدخل فى الشئون الداخلية لدول أخرى.

ثمة عناصر متناقضة لا يخطئها أى إدراك، فمجرد وصف الحزب بالإرهاب وأنه شريك فى الحكومة، فهذا معناه وصف الحكومة اللبنانية مباشرة بأنها حكومة إرهاب بما فى ذلك كل القوى السياسية المُمثلة فيها، التى تتباعد مواقفها عن مواقف حزب الله جذرياً. ثانياً هناك مناشدة غريبة ولا معنى لها، إذ كيف يمكن لطرف أن يطالب طرفاً إرهابياً بالتوقف عن دعم الإرهاب؟ ونأتى إلى الأهم، حيث يرى محللون أن قرار الجامعة العربية يمهد البيئة العربية والإقليمية لمواجهة عسكرية ضد الحزب فى لبنان ربما تقوم بها إسرائيل وتدعمها أطراف متضررة من الحزب، وهو استنتاج يمكن قبوله ظاهرياً، ومع ذلك تظل المشكلة الأكبر فى أن أى عمل عسكرى مهما كانت قسوته وشدته لا يمكنه أن يحقق انتصاراً ساحقاً كما يتوهم البعض ضد حركة اجتماعية ذات قدرات عسكرية وبيئة شعبية حاضنة ومؤمنة بدور الحزب وبقائه وله نصير إقليمى مهم، ومعروف أن الحروب غير المتماثلة بين جيش نظامى وقوة غير نظامية ليست مأمونة العواقب، وفى تصورى أن الجامعة العربية إذا أرادت أن تُحاصر الحزب كانت لجأت إلى أسلوب آخر يؤدى إلى تدعيم القوى والتيارات السياسية المناهضة لحزب الله مع توفير أكبر أساليب المساندة لمؤسسات الدولة اللبنانية بما فيها الجيش وقوى الأمن، أما العبارات الخشنة وتناقض الإدراك فى بيان أو قرار مع نزع كل المساندة عن باقى مكونات المجتمع اللبنانى، فهو محدود الفائدة ومُربك للجميع.