السعودية وحسابات المواجهة

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

التمدد الإيرانى يعتبر من أخطر التحديات التى تواجه الأمن القومى العربى، بعد سقوط بغداد 2003 فرضت الحقائق الجيوسياسية على السعودية تصدر المواجهة، لكنها لم تتحرك إلا بعد وصول سلمان للحكم، وذلك يُحسب له، لكن هناك أخطاء عرقلت جهود المواجهة، وساعدت إيران، لذلك فالمراجعة واجبة.

النفوذ الإيرانى لم يتوسع فى العراق إلا بعد الانسحاب الأمريكى 2011، نورى المالكى رئيس الوزراء السابق زار السعودية 2006، سعياً لدعمها السياسى والاقتصادى، لكنها لم تتجاوب لأنها اعتبرته ممثلاً للشيعة الذين استأثروا بالسلطة.. نظرة طائفية تفسر صمتها عندما كانت الأقلية السنية تنفرد بالحكم، غياب المملكة فتح الباب أمام إيران للهيمنة، أضعف الأقلية السنية، قيد خياراتها السياسية، ودفع شبابها للانخراط ضمن التنظيمات الإرهابية المسلحة.. العنف الطائفى للتنظيمات السنية كان مبرراً لتشكيل ميليشيات الحشد الشعبى الشيعية، وتدخلات الحرس الثورى الإيرانى، وعودة الوجود العسكرى الأمريكى.. السعودية تنبهت وأعادت فتح سفارتها ببغداد ديسمبر 2015، بعد غياب 25 عاماً، لكن السفير «ثامر السبهان» هاجم الحشد، فاعتبرته الخارجية تدخلاً، وطلبت استبداله.. والغريب أن الرياض كافأته بتكليفه بوزارة الدولة لشئون الخليج، وأسندت له الملف اللبنانى، رغم أن إدارتها لعلاقاتها بالمنطقتين تعانى من القصور.. زيارة العبادى للرياض أكتوبر 2017، فرصة جديدة لمعالجة الأخطاء، واستعادة المملكة لنفوذها، بالمشاركة فى إعادة الإعمار، فهل ستنحاز لخيار العودة، أم ستترك الساحة خالية لإيران؟!

السعودية أغلقت سفارتها بدمشق فبراير 2012، وطردت السفير السورى، دعمت الجيش الحر وفصائله، شاركت التحالف الدولى فى قصف داعش، وكلفت بندر بن سلطان رئيس المخابرات السابق بالإشراف على دعم الفصائل المسلحة أغسطس 2013، الضغط العسكرى للتنظيمات دفع سوريا للاستعانة بحزب الله اللبنانى، وبزيادة الضغط استعانت بتشكيلات الحرس الثورى الإيرانى، معظم الدعم المادى والأسلحة التى قدمتها المملكة وقطر إما توجه إلى داعش والنصرة مباشرة، أو نجح التنظيمان فى الاستيلاء عليه.. المملكة استقبلت عناصر المعارضة السورية «المعتدلة» لتدريبها وتسليحها بإشراف أمريكى، بعد انتهاء تدريبهم وتسليحهم وقع بعضهم أسرى لداعش والنصرة أثناء دخولهم سوريا، وانضم الباقون لهما طواعية!! الجبير وزير الخارجية هدد بالتدخل البرى لإسقاط الأسد فبراير 2016، لكن أمريكا وتركيا لم تسانداه، الأولى أنهت برنامج تسليح المعارضة، وتخلت عنهم، والثانية لجأت للتنسيق مع روسيا، ما أجبر المملكة على الإقرار بضرورة بقاء الأسد والتوجه نحو روسيا فى إطار التسوية.. إدارة فاشلة لأزمة إقليمية أوقعت خسائر ضخمة بالمملكة، وتسببت فى اختلال حاد للقوى بالمنطقة، وعكست صورة بالغة السوء لفقدان الوعى بمصلحة الأمن القومى السعودى والعربى.

المملكة تعهدت بتمويل صفقة أسلحة فرنسية للجيش اللبنانى بـ3 مليارات دولار نهاية 2013 لتحقيق التوازن بين قوة جيش الدولة اللبنانية، والتفوق العسكرى لميليشيات حزب الله الموالية لإيران، اتفقت على إتمام الصفقة على مدى 5 سنوات، ثم زادتها إلى سبع!! لبنان تسلم أول دفعة أبريل 2015، لكن المملكة جمدتها «فبراير 2016»، وأوقفت ما تبقى من مساعدتها المقدرة بمليار دولار المخصصة لقوى الأمن الداخلى، احتجاجاً على امتناع لبنان عن التصويت على قرار وزراء الخارجية العرب يإدانة حزب الله بالتورط فى الأنشطة الإرهابية، قرار المملكة مثّل إضافة لحزب الله وللنفوذ الإيرانى، لأنه جاء خصماً من قوة التأثير السعودى، وحفاظاً على تفوق قدراته العسكرية على الجيش الوطنى، إيران ردت بعرض تسليح الجيش اللبنانى، لا حرصاً على الدولة اللبنانية، بل نكاية فى المملكة.. الأزمة السياسية المتعلقة باختيار رئيس الجمهورية اللبنانية تجاوزها سعد الحريرى رئيس فريق 14 آذار الذى تدعمه المملكة أكتوبر 2016، بموافقته على انتخاب العماد ميشيل عون رئيس تكتل التغيير والإصلاح، رغم تزعمه لفريق 8 آذار، الذى يضم حزب الله والقوى الداعمة له، ما يعنى أن المملكة لم تفاجأ باكتساب الحزب للمشروعية، ومشاركته فى الحكومة.. إعلان استقالة الحريرى من الرياض سيناريو مشين، أحرج رئيس الوزراء اللبنانى فى مواجهة خصومه، وعبأ الرأى العام اللبنانى ضد المملكة، وربما ينعكس سلبياً على مستقبله السياسى.

السعودية خاضت حرباً ضد الميليشيات الحوثية فى اليمن 2009، ثم غيرت موقفها وقامت بدعمهم فى مواجهة حزب الإصلاح الإسلامى المقرب من الإخوان، وأخيراً عادت لمحاربتهم من جديد، حالة من غياب الرؤية وانعدام القدرة على تحديد الأخطر والأحق بالمواجهة، الحوثيون أم الإخوان؟! دخول السعودية الحرب ضد الحوثيين مارس 2015، بعد سيطرتهم على صنعاء وميناء عدن ومضيق باب المندب، كان إجراء حتمياً، حتى لا تستيقظ لتجد الخنجر الإيرانى مغروساً فى خاصرتها الجنوبية، وصواريخها أغلقت باب المندب، لكن الإدارة والأداء لم يرتقيا لمستوى قرار الحرب، تشكيل تحالفات عربية وإسلامية فتح المجال للمزايدات، وانعدام الجدية، من دول تبحث عن المقابل، كما أوجد تعاطفاً غير مستحق مع الحوثيين، خاصة بعد الخسائر الفادحة التى وقعت فى صفوف المدنيين، نتيجة لأخطاء القصف، أو بسبب المجاعة، وانتشار الكوليرا.. إبعاد القوات القطرية لتواطئها جاء متأخراً، انسحاب المغرب من التحالف نكسة سياسية، وتلويح السودان بالانسحاب عملية ابتزاز، مرور أكثر من عامين دون أى بادرة لتحقيق النصر مدعاة للمراجعة، خاصة أن مفاوضات السلام متوقفة بعد فشل الجولات الثلاث فى جنيف وبال والكويت، والنزيف لا ينقطع.

مجلس التعاون الخليجى مهدد بالتفكك؛ قطر خرجت عن الإجماع واستقوت بإيران وتركيا فى مواجهة المجلس، الكويت وسلطنة عمان تتباعدان بذريعة الحياد، والإمارات تؤكد ذاتها وتعمل لحسابها كقوة إقليمية، كل ذلك يؤخذ على السعودية بحكم دورها القيادى.. لا موضع للتعلل بأن التحديات التى تواجهها المنطقة ترجع لوجود اختلاف بين توجهات أوباما التى دفعته للتوصل لاتفاق شامل مع إيران للسيطرة على اندفاعها النووى مقابل إطلاق يدها بدول المنطقة، وتوجهات ترامب التى تستفزه لإلغاء الاتفاق وتحجيم التوسع الإيرانى، سياسات الدول الكبرى لا تدار بمثل هذه الرؤية السطحية، كل ما فى الأمر أن أوباما أطلق يد إيران لمواجهة تمدد داعش، واستنزاف الطرفين، أما بعد انحسار التنظيم، فإن ترامب يسعى لإعادة إيران إلى حدودها، وتوريطها فى صراعات تبقى على النزيف، اختيار المملكة أمر طبيعى بحكم عدائهما الطائفى، ولتبرير المزيد من الصفقات العسكرية التى تدعم مبيعات الأسلحة الأمريكية، فضلاً عن دفعها للتنسيق السياسى والعسكرى مع إسرائيل استناداً لأن مخاوفهما مشتركة من القنبلة الإيرانية، والإرهاب الجهادى، والفراغ المترتب على انسحاب أمريكا من المنطقة.. المملكة مستهدفة، لكن المعالجة الخارجية لسياساتها تحتاج لمراجعة شاملة، فكيف تنشغل القيادة السعودية بخلافات الداخل، وصراعات السلطة؟!