بالفيديو| «الوطن» ترصد شهادات أسر الشهداء من أمام مستشفى الشرطة بالعجوزة

بالفيديو| «الوطن» ترصد شهادات أسر الشهداء من أمام مستشفى الشرطة بالعجوزة
«ليست مذبحة فحسب.. ولا مجزرة أو حتى محرقة.. بل أكثر بشاعة من مدلول تلك الكلمات جميعها، وأبعد مدى من كل كلمات التطرف والعنف المعجونة بالدم والسلخ والذبح والحرق.. مذبحة قسم شرطة كرداسة، التى راح ضحيتها 11 شهيداً من ضباط وأفراد الشرطة.. هى تلك القصة التى تلخص بالدماء والدموع مبادئ تلك الجماعة التى لا يروى عطشها نهر من الدماء، ولا ترضيها تلال من الأشلاء الآدمية.. لذلك لم يكتف المتهمون باستهداف القسم، بل اقتحموه ومزقوا أوصال جثث الشهداء إرباً إرباً، وكأنهم يقدمون دماءهم ولحمهم قرباناً للشيطان.[FirstQuote]
أمام مدخل أحد مبانى مستشفى الشرطة بالعجوزة، وقف أفراد وأقارب أسر شهداء الشرطة الذين لقوا مصرعهم فى أحداث الهجوم على مركز شرطة كرداسة، فى أعقاب تنفيذ الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية خطة فض اعتصام عناصر تنظيم الإخوان بميدانى رابعة العدوية ونهضة مصر، يبكون ذويهم الذين رفضوا أن يبرحوا أماكنهم رغم محاصرتهم من قبل الإخوان وإطلاق النار عليهم بكثافة.
هذه أم تبكى نجلها الشهيد، الذى وعدها بأن يصطحبها إلى رحلة عمرة فى القريب العاجل، وزوجة دخلت فى نوبة بكاء هيستيرى، وأخ يجهل سبب صنيع الإخوان فى شقيقه، فضلاً عن أخريات اتشحن بالسواد مكتفين بالأنين حزناً على فراق ذويهن، وجوههن شاحبة ونظراتهن حائرة.[SecondImage]
الأسر التى علمت بنبأ استشهاد ذويهم من وسائل الإعلام، توجهت جميعها إلى مشرحة المستشفى التى لم تكفِ لكل العدد، ما حدا ببعضهم إلى اعتبار أن الإعلام أخطأ وأن شهيدهم مصاب أو فى حالة حرجة فحسب، قبل أن يتلقوا نصائح من بعض العاملين بالتوجه إلى إحدى غرف العناية المركزة شديدة البرودة، التى أُودعت بها باقى الجثث، ليجدوهم قد فارقوا الحياة، وملامحهم اختفت إلا قليلاً، معبرة عن غضبها مما أصابها من غدر، طالبة الثأر والقصاص.
«إن شاء الله هاترقى الحركة الجاية وهابقى مأمور وأسافر معاكى نعمل عمرة».. كلمات من الشهيد العميد عامر عبدالمقصود، 50 سنة، نائب مأمور مركز شرطة كرداسة، لوالدته قبل يوم واحد من استشهاده، حسبما يقول شقيقه العميد «أكرم» الذى وقف مكتوف الأيدى تفيض عيناه بالدمع، ويضيف: «سمعت أن هناك هجوماً على المركز فى كرداسة، وكنت على اتصال مستمر مع الشهيد عامر حتى الساعة 1 ظهراً، وكانت آخر مكالمة بيننا، وقال لى: أنا مصاب وخلّى ماما تدعيلى، وأنا مش هغادر مكانى هنا، إحنا رجالة يا أكرم. وبعدها بحوالى نص ساعة اتصلت بيه تانى، سمعت دوشة كبيرة بعد ما فتح الخط، وبقيت أقول ألو ومحدش رد عليا.. وعرفت إن أخويا استشهد.. ونزلنا كرداسة ندور عليه، وفوجئنا بجثته فى آخر منطقة ناهيا، ملقاة على جانب الطريق وفيها إصابات كتيرة وبالغة.. هما ليه عملوا فيه كده؟ دا كان إنسان محترم والبسمة مش بتفارقه مع أى حد، كان نجم فريق الترسانة وأخلاقه أخلاق فارس، ومعاه ولدين أحمد فى تانية جامعة، وعلاءالدين فى المرحلة الإعدادية، وأنا عايز أوجه رسالة إلى الفريق السيسى وباقول: أنا عايز حق اخويا، ولو ماجاش أنا هاخده بإيدى، وأى ملتح أنا مش هحترمه تانى، كلهم خداع وزيف».
ويكمل سمير سعد مصطفى، زوج شقيقة الشهيد عامر الحديث بقوله: «كنا بنكلمه فى التليفون، وأخبرنا إنه فيه هجوم على المركز وإنه مش هيمشى، والساعة 2 الضهر قال إنه مصاب بشظية تحت عينه، بعد كده عرفنا من التليفزيون إنه استشهد، وحاولنا ندخل المدينة بس ماعرفناش لأنها تحولت لثكنة عسكرية من فتوات الإخوان، وفيه ناس شفتهم مرميين قدام المركز وبيمثلوا بجثثهم، لحد ما قدرنا نوصل لمكانه فى ناهيا. والله العظيم كل جيرانه فى الدقى بيحبوه ويحترموه، بس للأسف راح غدر، وأنا نزلت مظاهرات تفويض الفريق السيسى لمواجهة الإرهاب أنا وأسرتى، وباطالبه بتحقيق التفويض والعمل بيه للقصاص من القتلة».
ظل محمود جبر، الشقيق الأصغر للشهيد اللواء محمد جبر، مأمور مركز شرطة كرداسة، مبتهجاً لا تكاد البسمة تبرح شفتيه، وترتسم على وجهه علامات الفخر، وبسؤاله عن سر ابتسامته يقول: «الفراق صعب طبعاً لأنه كان بمثابة الأب والأخ، لكن أنا فخور بمحمد لأنه بطل وراجل، هو وزمايله شهداء حق، ومنزلته كبيرة عند ربنا سبحانه وتعالى، محمد مارضيش يمشى من المركز رغم التهديدات اللى كانت بتحاصرهم والأسلحة الثقيلة اللى كان بيستخدمها المهاجمين، هو معاه ولدين وبنت كلهم فى مرحلة التعليم الجامعى، ربنا يصبرنا على رحيله وكل ما نطلبه هو القصاص العادل والسريع من المتسبب فى الحادث».
علت وجوه جيران وأقارب وأصدقاء الشهيد النقيب هشام شتا، 24 سنة، معاون مباحث مركز شرطة كرداسة، علامات الحيرة، بعد أن اكتشفوا عدم وجود جثته فى مشرحة مستشفى الشرطة، واتهم أحدهم وسائل الإعلام بالتهويل ونشر أخبار كاذبة عن استشهاده، إلى أن توصلوا إلى الخبر اليقين وطالعوا جثمانه فى إحدى غرف العناية المركزة التى تم الاستعانة بها لامتلاء المشرحة بالجثث، حيث أكدوا أنه يرتدى جلباباً ومصاب إصابة شديدة بالرأس، والده يروح ويجىء بالقرب من مرقده وقد امتلأ قميصه بدم نجله الشهيد، يقول أحد أصدقائه: «هشام مواليد فبراير 89، محبوب من جيرانه بالهرم، متواضع وخدوم، لسه راجع من العمرة ماكملش شهر ونص، مش متجوز ولا حتى خاطب، بدون مبالغة كل المنطقة حزينة عليه، عشان كلهم فرحوا لما هو دخل كلية الشرطة، بس فرحتنا بيه ماكملتش، وكانت فرحته بنفسه كبيرة يوم دخوله الكلية، وأكبر لما تخرج منها، كان بيلعب كورة فى يوم راحته مع الناس فى المنطقة هنا، وكان بيشارك فى كل مناسبة.. الله يرحمه».
جلس «يوسف» خال الشهيد النقيب محمد فاروق، معاون مباحث مركز شرطة كرداسة، أحد ضحايا هجوم الإخوان على المركز بالأسلحة الثقيلة، ينعى نجل شقيقته بدموع منهمرة لا تتوقف، ويقول: «أنا سمعت من التليفزيون إن محمد استشهد، خليت أحمد أخوه الصغير راح كرداسة وكلمنى فى التليفون، بيقولى أنا مش لاقى محمد يا خالو بس باينه خلاص مات، أنا بقيت أجرى على المستشفيات وأدور عليه فى كل مكان، لغاية ما تقابلت مع أهله هنا، ودخلت المشرحة تحت وشفته، لقيته غرقان فى دمه وهدومه مش باينة من كتر الدم، غربلوه الكفرة ولاد الكلب، رصاصة واحدة كانت كفاية يا يهود، أمه طلبت منه ماينزلش الشغل إمبارح، قال لها لا ماينفعش، إزاى ما انزلش شغلى؟ وسمعنا بالخبر. أنا عايز أعرف هو عمل إيه عشان يحصله كده؟ ولّا ذنبه إن أهله فرحوا بيه ودخلوه شرطة وفى الآخر يموت بالشكل دا على يد الإخوان اليهود. محمد الله يرحمه كان مكافح، دا حتى واحد من صحابه قال لى إنه جايب موبايل حديث بيدفع أقساطه كل شهر، مارضيش يتجوز ولا يخطب قبل اخواته «رشا» اللى اتجوزت و«أحمد» اللى خطب لما خلص جامعة، كانت حجته إنه مش عايز يرتبط بحد عشان يتفرغ ويركز فى شغله، كأنه حاسس إنه مش هيلحق يتجوز، بس أنا متأكد إنه إنسان خيّر، عشان فى الدنيا كان سند لينا وفى الآخرة إن شاء الله هيشفع لـ70 من أهله».
حضر عدد كبير من أسرة الشهيد الرقيب رضا عبدالوهاب محمد، من قرية كفر الريجلات ببنها، وأحد ضحايا هجوم الإخوان على مركز شرطة كرداسة، وقال رامى عزالدين، شقيق زوجة الشهيد: «إحنا عرفنا خبر استشهاده من التليفزيون، أثناء متابعتنا لعملية فض الاعتصامات، واتصدمنا، آخر مرة كان معايا تالت يوم العيد، وهو معاه بنت وولد (إسراء) فى أولى ابتدائى و(إسلام) فى الحضانة، الله يرحمه كان خدوم وماشفناش منه حاجة وحشة».