استفتاء كردستان وتقسيم العراق

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

يُمثل استفتاء أكراد العراق على الاستقلال عن بغداد، والمقرر له 25 الحالى، الخطوة الأولى فى الانتقال بمخطط تقسيم البلاد من مستوى التحليل السياسى إلى الواقع الميدانى، وذلك على الرغم من إعلان المجتمع الدولى -عدا إسرائيل- عدم اعترافه بنتائج الاستفتاء.

المجتمع الدولى الذى يطلب تأجيل الاستفتاء يؤيد إقامة الدولة الكردية، وهو فقط يطلب تأجيل إعلانها لبعض الوقت، وستتأسس على أنقاض شمال وشرق العراق وجزء كبير من تركيا ومساحة من شمال سوريا إلى جانب أراضٍ من إيران لتقوم دولة ستضيف نزاعاً مدمراً جديداً للمنطقة.

خطورة الاستفتاء غير المُلزم نتائجه للعالم وسيقتصر على العراق فقط حالياً، أنه سيمنح حكومة كردستان تفويضاً شعبياً للضغط على الحكومة المركزية فى بغداد من نحو 20% من سكان العراق، كما سيخلق قوة ضغط شعبى موحدة أمام الرأى العام العالمى وقدرة للتفاوض حول الأراضى المتنازع عليها مع الحكومة المركزية وخصوصاً فى كركوك والموصل حيث البترول، وسيشعل جذوة الروح العرقية لدى أكراد الدول المجاورة التى تتحفظ بعض أحزابها على الاستفتاء الآن ويؤيده البعض الآخر. وإذا كان التأجيل الذى يطالب به المجتمع الدولى يسعى إلى تجنب أى نزاعات تعرقل المعركة مع داعش وتصيبها بثغرات تؤثر على نتائجها كما يعلنون، ويجنبهم فى الوقت الحالى نزاعات إقليمية ستنشأ جراء هذه الخطوة، لكن هذه الأسباب لم تمنع دولاً أوروبية عديدة من إتاحة أراضيها للأقليات الكردية لتنظيم مؤتمرات لدعم الاستفتاء، بعضها شهد رفع علم إسرائيل كما حدث فى مهرجان عُقد مؤخراً بألمانيا.

دخول إسرائيل فى المشهد يرتبط بحلم الوطن الأكبر، وهو ما دفع تل أبيب لتنفيذ عمليات إعادة توطين ليهود العراق فى مدينة الموصل ومحافظة نينوى شمال العراق، إضافة إلى إقبال اليهود الأكراد على شراء أراضٍ فى المنطقة التى يعتبرونها ملكية يهودية تاريخية والاهتمام الخاص بأضرحة الأنبياء «ناحوم ويونس ودانيال وحزقيل وعيزرا»، حيث ينظرون لتلك المنطقة كجزء من إسرائيل الكبرى وهو ما يفسر المشاركة الفعالة لليهود فى مناطق مختلفة من العالم لدعم الاستفتاء.

البادى أن الموصل وكركوك ستكونان إشارة تفجير الصراع الداخلى، فبعد أن نجح البشمركة فى السيطرة على أراضٍ واسعة فى المدينة الثانية بعد طرد داعش منها تمكنت الحكومة الكردية من الحصول على قرار من مجلس كركوك بالمشاركة فى الاستفتاء، وجاء القرار بعد انسحاب نصف الأعضاء وهم من العرب والتركمان، وذلك فى مشهد يعكس طبيعة الصراع وحدته.

والحاصل تصعيد فى حرب التصريحات من مسعود بارزانى رئيس كردستان العراق بأنه سيستخدم القوة لمنع أى محاولة لتغيير الواقع فى كركوك بالقوة، ويقابلها إعلان جماعات شيعية أنها لن تسمح بأن تكون كركوك جزءاً من الدولة الكردية إلى جانب إعلان البرلمان العراقى رفض الاستفتاء وانسحاب النواب الأكراد من البرلمان، لكن رغم ذلك تظل احتمالات الانفجار متراجعة حالياً لأن الدولة الجديدة المنتظرة لا تستطيع الحياة دون المساعدات الغربية التى ربما تتأثر إذا ما أقدم الأكراد الآن على الاستقلال الفعلى.

سواء تحقق أو تأجل الأمر فإن وحدة العراق فى خطر وقد أصبحنا أمام تنفيذ فعلى لوعد بلفور جديد وهو يتم فى سياق رؤى إعادة رسم المنطقة عبّر عنها مدير المخابرات الفرنسية ونظيره الأمريكى قرب نهاية العام قبل الماضى بأن دولاً مثل العراق وسوريا لن تستعيد حدودها السابقة، وأن الدمار فى سوريا وليبيا والعراق واليمن، يؤكد صعوبة وجود حكومة مركزية لحماية الحدود التى رسمت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.

هل سنشهد عمليات التنفيذ الميدانى لتقسيم العراق وبدء تفتيت المشرق العربى؟