خدمة العملاء.. الوهم والسراب

فى الوقت الذى تسعى فيه كبرى الشركات لتجاوز رضا العملاء إلى إسعادهم، وفى الحقبة التنموية العصرية التى يتنافس فيها مقدمو الخدمات لتحقيق أعلى مستويات التميز للحفاظ على العملاء الحاليين وكسب عملاء محتملين، لتحصل الشركات على أكبر حصة سوقية وتحقق الاستدامة المالية، وفى ظل ما يقدمه العالم كل يوم من ابتكارات تصب فى خدمة العملاء؛ يحدث فى مصر المحروسة أن يطرح المطورون والعقاريون مشاريعهم السكنية والتجارية ويبذلون جهوداً تسويقية وبتكلفة إعلانية تصل إلى ملايين الجنيهات لاستقطاب أكبر عدد من العملاء الجدد، حتى يصدمك واقع جهنمى لا يُحتَمل.

ما إن توقع عقد شراء الوحدة المخطط تسلمها فى المدى القصير، حتى يتحول إلى مدى طويل مجهول وغير معلوم، لتكتشف أنك وقعت «ضحية» رحلة طويلة من الخداع العقارى، وعند متابعة رسائلك وطلباتك لأيام عبر كل قنوات التواصل مع مقام «إدارة خدمة العملاء»، يأتيك الرد بتجهّم وبرود، وقد تبدّلت شعاراتهم من «رضاكُم هدفنا» إلى «سخطكم غايتنا»، ومن «شركاء الثقة» و«البيت بيتك» إلى «شركاء الوهم» و«البيت بيتنا والأرض أرضنا ومالك أصبح مالنا»!

واقعنا العقارى المصرى يندى له الجبين، تحاول جاهداً التواصل مع المسئول الأول والثانى والمائة لدى بعض الشركات العقارية التى وقعت فريسة لها دون ردّ يُذكر، لتكون كمن انقطعت به السبل فى منتصف سفره، وتبقى مُعلّقاً فى وهم (خدمة ما بعد البيع)، والمطورون والعقاريون حاضرون حتى توقيع العقد ومستعدون للقدوم إلى منزلك أينما كنت لتسلم المقدم والدفعات بوجه باسم وعروض وتسهيلات وإغراءات وتواصل فعال يفوق توقعاتك؛ لكنهم غائبون تمام الغياب بخدماتهم ما بعد البيع؛ فلا احترام لعقود، ولا اعتبار لعهود، ولا سقف «لإبداعات» خدمة العملاء فى الإحباط وتجاهل الرسائل أو الرد المتأخر بعد تكرار تواصلك لتكون أمام عدل بطىء يستوى مع الظلم.

وما يزيدك إحباطاً واستغراباً هو أنك بين ليلة وضحاها أصبحت عميلاً من الماضى لا قيمة لك وغير مرغوب فيك، بينما تكون قد أرسلت طلباً إلى المقام السامى لإدارة خدمة العملاء بالشركة ومنذ أكثر من أسبوع طالباً منهم التكرم بالسماح بدخول مندوبك لمعاينة وحدتك السكنية، فلا يُسمح له بالدخول إلا بقرار من صاحب الأمر المصون بالشركة والموجود خارج مصر للمشاركة فى معرض لجذب المزيد من «الضحايا»، وبالتالى عليك الانتظار، وإن لم يعجبك الأمر فأمامك الجدار!! لتكتشف أنك مجرد مالك هزيل أوقعك حظك العاثر فى أصحاب الغرور العقارى الزائل، ضاربين بعرض الحائط أبسط قواعد خدمة العملاء، لتعلم بعين اليقين لماذا يتجه المستثمرون إلى أى مكان فى العالم إلا المحروسة، ولماذا انخفض الإقبال على الاستثمار فى المشاريع العقارية المصرية.

إلى تلك الفئة من العقاريين.. «فى أى مستوى تُصَنفون خدماتكم وفقاً لنظام النجوم العالمى لتصنيف الخدمات فى المؤسسات، الذى يختصر الإجراءات فى دقائق ويتم إنجاز الطلبات بدقة البنوك ورحابة الفنادق وسرعة شركات الطيران؟».

يقينى أنكم لم تضيفوا إلى منظومتكم المؤسسية إلا البراعة فى إيقاع المزيد من العملاء فى شباك الوهم والسراب.

إن تلك النظرة القصيرة لتحقيق مكاسب سريعة دون حمايتها واستدامتها هى الفيروس الذى أدى إلى انهيار دول ومجتمعات، فما بالكم بشركات تنسى أن السمعة المؤسسية أضحت من أهم الأصول، ويُخصص لها الملايين من ميزانية الشركات المتميزة، وقلب تلك السمعة النابض هو «العميل» الذى يستشعر عدم الرضا ويتشاركه مع كل منبر إعلامى ومع شركاء الحياة حتى تصبح سمعة الشركة خارج بورصة الوجود.