مشهد الانتخابات الرئاسية «1»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

الآن، أستطيع أن أقول بثقة إن الشعب المصرى لم يعد يتعامل مع «الانتخابات» بلامبالاة أو استهتار، مثلما كان يفعل فى عهد «مبارك»، أدرك الشعب أن صوته يصنع الفرق، وأن اختياره يرسم خريطة الوطن ويحدد ملامح مستقبل المواطن.

ذاق الإنسان المصرى مرارة اختيار «عاصرى الليمون» الذين أعطوا أصواتهم للإرهابى المعزول «محمد مرسى» نكاية فى الفريق «أحمد شفيق»، وخاض تجربة «التغيير» الذى تم بدماء المصريين ممن اغتالتهم ميليشيات الإخوان، وعانى المصرى الآثار المدمرة لثورتين على الاقتصاد والذى نعانى من انهياره.. حتى إن بدأ يتعافى تدريجياً.

عرف الشعب معنى أن تسقط الدول المحيطة به، ويتشرد شعبها طالباً اللجوء لأى دولة تمنحه الأمان قبل «لقمة العيش»، وأدرك الشعب قيمة قواته المسلحة التى حمته من هذا المصير المرعب، وقيمة مؤسسات الدولة على تنوعها، ورغم السلبيات الموجودة ببعضها والاختراق الإخوانى للبعض الآخر.. لقد سدد الشعب المصرى فاتورة باهظة ليعرف معنى كلمة «الاختيار». والآن نحن على مشارف اختيار جديد، ليس استفتاءً على شعبية الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، ولا رهاناً على «رئيس الضرورة»، ولا اختيار «المضطر» لانعدام البدائل رغم صحة هذه المقولة.. إنه اختيار الصوت الواعى بإنجازات الرئيس وإخفاقات الدولة أو تقصيرها أحياناً! الحقيقة أنه لا تجوز المقارنة بين الرئيس «السيسى» وبعض الأسماء التى ترشحت، فى مواجهته من قبل، فلم تحصد إلا أصوات أهلها وجيرانها فى أفضل الأحوال.. إنها مقارنة ظالمة لأن قامة الرئيس أعلى بكثير، وقيمته أغلى أيضاً، أما إنجازاته فربما لم يأتِ وقتها.

الآن أود أن أتحدث فقط عن «مشهد الانتخابات الرئاسية»، كنت أتمنى أن أجد خصماً قوياً يعلن عن خوضه للانتخابات فى مواجهة الرئيس الحالى، حتى لا يتحول الأمر إلى «مسرحية هزلية»، تهدر آليات الديمقراطية وقيمة «صندوق الانتخابات».. لكن للأسف حتى الآن ورغم الحملة الشرسة التى يتزعمها «عصام حجى»، المستشار السابق للرئيس المؤقت «عدلى منصور»، والموجود بالولايات المتحدة الأمريكية، للترشح بفريق رئاسى فى انتخابات الرئاسة عام 2018، لم تفلح حملته فى طرح اسم يليق بحكم مصر!

كنت أتمنى أن يتقدم حزب «الوفد»، وهو أعرق حزب ليبرالى، بمرشح للرئاسة، لكن الدكتور «سيد البدوى»، رئيس الحزب، أعلن دعمه لترشح الرئيس «السيسى».

دعونا نعترف بأن «النخبة السياسية» فى مصر تم تجريفها لأكثر من ثلاثين عاماً، وأن خصوم «السيسى» يشنون حملات تشويه للرئيس وحكومته بدلاً من طرح رؤى وأفكار تفيد البلاد.. وأن «حمدين صباحى» و«خالد على» أصبحا من الوجوه المحروقة من كثرة فشلهما فى انتخابات الرئاسة، وانعدام شعبية كليهما هذا بخلاف سطحية رؤيتهما للحكم وبرامجهما الهزيلة التى تدغدغ مشاعر الفقراء لا أكثر!

وربما كان المأزق الرئيسى للقوى السياسية الموجودة على الساحة أنها منقسمة على نفسها، لن تتفق على مرشح واحد وتلتف حوله وتدعمه.. وسوف تكتفى بالندب ولطم الخدود والطعن فى العملية الانتخابية برمتها!

حين سئُل الرئيس «السيسى» فى مؤتمر الشباب، الذى عقد مؤخرا بالإسكندرية، حول إمكانية ترشحه لفترة ولاية ثانية، قال السيسى: (أنا لن أجيب عن هذا السؤال بهذه الطريقة، لكن حذار من عدم النزول فى أى انتخابات تختارون بها رئيساً لكم). مضيفاً: (هذا يوم يتحدد به مصير مصر، فلا تستكثر عليها هذا ولو ستقف 10 ساعات). وفى كل لقاءات الرئيس -التى حضرتها- كان يوجه الحكومة إلى الانتهاء من الأعمال المكلفة بها بحد أقصى 30 يونيو 2018، فى إشارة إلى اختتام الإنجازات التى تحققت فى مدة رئاسته الأولى.

وفى مايو الماضى أعلن «السيسى» عن أنه سيقدم للشعب فى يناير أو فبراير المقبلين، كشف حساب تفصيلياً عن مصر، وما أنجزه خلال فترته الرئاسية.. الرئيس يعلم جيداً حجم التحديات السياسية والاقتصادية التى تواجهها مصر، كما يعلم خطورة الحرب على الإرهاب.. ولا أحسب أن «القائد» سوف ينسحب من ساحة الحرب فى تلك اللحظة الحاسمة.

سيادة الرئيس.. الترشح لمدة رئاسية ثانية هو مطلب شعبى، تماماً كما كان الإجماع على اختياركم لقيادة مصر فى أحلك فترة فى تاريخها «إرادة شعب».. لكن لتسمح لى ببعض الملاحظات: تزعجنى فكرة تأييد معظم الأحزاب لترشحكم وعدم تقديمها لمرشح منافس، فهذا يحطم قاعدة «تداول السلطة».. ويؤكد أن الحياة الحزبية خربة!

أيضاً قد يحتاج الإعلام «المرئى والمسموع» إلى إتاحة المجال لمعظم المعارضين (باستثناء تيار الإسلام السياسى)، وعمل مناظرات علنية مباشرة، حتى إن لم تكن أطرافها جديرة بها، إلا أن الشعب يجب أن يتعرف عليهم.

وعلى الإعلام أيضاً واجب تبصير الشعب بالخطر السلفى، وإمكانية تسلل الإخوان للانتخابات تحت غطاء مدنى.

الجدية التى يتعامل بها «السيسى» مع المشروعات التنموية، والحرب على الإرهاب، والجبهة العربية لمحاصرة مصادر دعم الإرهاب، والعلاقات الدولية والرأى العام الدولى... تؤكد استمراره فى تحمل المسئولية.

هذه ليست مجرد أمنية.. وللحديث بقية.