الحج بين «التسييس» و«التدويل»
- أفراد الأمن
- أمة الإسلام
- إعلان حرب
- الأحداث الجارية
- الأراضى المقدسة
- الإجراءات الأمنية
- الجمهورية الإسلامية الإيرانية
- الحج والعمرة
- أجهزة
- أخيرة
- أفراد الأمن
- أمة الإسلام
- إعلان حرب
- الأحداث الجارية
- الأراضى المقدسة
- الإجراءات الأمنية
- الجمهورية الإسلامية الإيرانية
- الحج والعمرة
- أجهزة
- أخيرة
قبل يوم من اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع المقاطعة لقطر، أطلقت الدوحة دعوة لإعادة النظر فى الترتيبات التى تنظم الحج، والتى تشرف عليها الرياض بتفويض إسلامى ودولى منذ عقود طويلة، وبحيث يكون لدول العالم الإسلامى حسب الدعوة القطرية دور فى هذه الترتيبات، وأضافت أن الحجاج القطريين لن يشاركوا إلا بعد إزالة القيود التى وضعتها الرياض أمام الحجاج القطريين، فى المقابل فإن الموقف السعودى المُعلن قبل هذه الدعوة هو السماح للحجاج القطريين بالمجىء إلى الأراضى المقدسة عبر أى خطوط جوية مباشرة من الدوحة ما عدا الخطوط الجوية القطرية، تنفيذاً للمقاطعة التى اتخذتها الدول الأربع، وبعد موقف الدوحة المفاجئ، حدد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودى، موقف بلاده بأن دعوة قطر لتسييس الحج هى بمثابة إعلان حرب على المملكة، فيما يعكس الحساسية السعودية الشديدة من مثل هذه الدعوات التى تحاول أن تُلصق بالمملكة اتهاماً غير مباشر بأنها تستغل وجود المقدسات الإسلامية على أراضيها استغلالاً سياسياً، وأنها توظف إدارتها للحج والعمرة للضغط على الدول التى تخالفها بعض أو كل المواقف السياسية.
الخطوة القطرية على النحو السابق وإن حاولت إرباك اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع المقاطعة، فإنها جسدت ارتباكاً شديداً فى إدارة الدوحة للأزمة، ووسعت الفجوة كثيراً مع الرياض، التى أتصور أنها لن تتسامح مع هذا التحول فى الموقف القطرى، الذى يدمجها أكثر فى السياسات والاستراتيجيات الإيرانية، والتى بدورها تستهدف المملكة من زوايا مختلفة، ومن بينها الدعوة إلى تسييس الحج، والدعوة إلى تدويل إدارته من خلال إنشاء هيئة دولية لا تأثير للحكومة السعودية عليها، على أن يتم تداول قيادتها بين الدول الإسلامية، وهى الدعوة التى تظهر بين الحين والآخر، لا سيما حين تقع بعض الأحداث التى تُخلّف قتلى ومصابين، ويُروج لها كدليل على عدم كفاءة الأجهزة السعودية فى إدارة الحج وتأمين الحجاج والمعتمرين وحماية الحرمين الشريفين، وبالتالى تبرر من وجهة نظر طهران مشاركة أكبر عدد ممكن من الدول الإسلامية فى إدارة مرفق الحج، وهى دعوة لم تجد من يؤيدها اللهم ليبيا القذافى والعراق فترة صدام حسين الأخيرة، وتركيا أردوغان وإن بصورة عارضة قبل عامين، ثم مؤخراً الدوحة، والجامع بين هذه الدول هو أنها تلجأ إلى هذه الدعوة حين تتوتر علاقاتها مع الرياض، وتنساها حين تتحسن تلك العلاقات، وفى المقابل فإن الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية تناصر الموقف السعودى وترفض تماماً الطرح الإيرانى لاعتبارات عملية وتاريخية ومعنوية فى آن واحد.
والمفارقة هنا أن طرح الدوحة تزامن مع دعوة المرشد الأعلى خامنئى لأول فوج من الحجاج الإيرانيين وعددهم 800 حاج، بأن يعبروا عن موقفهم الصارم تجاه الأحداث الجارية، وأن يرفضوا الغطرسة الأمريكية، وهو الموقف ذاته الذى اتخذته إيران الخومينى منذ منتصف الثمانينات فى القرن الماضى، ورغم الفارق الكبير بين الأمرين، «التسييس» و«التدويل»، فكلاهما مُقلق بالنسبة للمملكة العربية السعودية ومرفوض لكثير من الدول التى تؤمن بأن شعيرتى الحج والعمرة لهما قدسية وروحانية تتعارضان تماماً مع أى تحرك سياسى أو إطلاق شعارات سياسية تحت مبرر تأكيد الولاء والبراء وإدانة الكفار والغطرسة الأمريكية والموت لإسرائيل، وهى الدعوة التى تصر عليها إيران منذ عهد الإمام الخومينى مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ناهيك عن أن موسم الحج تحديداً يشهد تجمعات بشرة كثيفة للغاية وإذا سُمح لجنسية معينة بالتجمهر وإطلاق الشعارات السياسية، ومهما كانت الإجراءات الأمنية والاحترازية التى تتخذها السلطات، فمن الصعب توقع سلوك حجاج هذا التجمهر السياسى حين تتعالى الحماسة الجماعية، كما يصعب السيطرة على رد فعل الحجاج الآخرين من جنسيات أخرى سواء كانوا مؤيدين أو رافضين لهذا السلوك السياسى.
وما حدث فى العام 1987، الذى شهد محاولة إيرانية أولى لتجسيد الولاء والبراء، حسب تعليمات الإمام الخومينى، كانت محاولة باهظة الثمن للحجاج الإيرانيين ولغيرهم من الحجاج وأفراد الأمن والشرطة السعوديين، وبعدها خفضت السلطات السعودية عدد الحجاج الإيرانيين إلى 45 ألف حاج بدلاً من 150 ألف حاج، وبدورها اتخذت السلطات الإيرانية قراراً بوقف الحج لمدة ثلاث سنوات متتالية، إلى أن أعيد التفاوض مرة أخرى على عودة الحجاج الإيرانيين بضوابط معينة تتيح لهم التجمهر فى مناطق محددة ولوقت محدد، ولكن التطبيق لم يكن مثالياً، فألغى فى السنوات اللاحقة، وبات التجمهر وإطلاق الشعارات ممنوعاً على كافة الحجاج.
التسييس بهذا المعنى يحول الحج إلى مناسبة سياسية وليست دينية، يتعالى فيها الصراخ والسباب وبيان المواقف، وبدلاً من تأمل الدلالات والمعانى لشعائر الحج كالوقوف بعرفة والطواف ورمى الجمرات بمنى والأضحية والحلق والتقصير، فستكون معرضة للضياع لصالح الحماسة فى النقاش السياسى وإطلاق الشعارات الرنانة، وما قد يتلوها من صدامات جماعية لن تخلو من قتلى ومصابين نتيجة التدافع غير المحسوب، ولذا تبدو الدعوة لا علاقة لها بالدين وشعائره وإنما بالصراع على المكانة الدينية، وشق مما تستهدفه إيران والدول التى ناصرتها كليبيا القذافى وقطر مؤخراً، هو التأثير على المكانة المعنوية التى تمتلكها السعودية من خلال إشرافها الكامل على الحج والعمرة والحرمين الشريفين وقيامها بتعميرهما وتوسيعهما لإتاحة فرصة الصلاة لعدد أكبر من الحجاج، وهو ما يكلفها مليارات الريالات عاماً بعد آخر.
تسييس الحج بالمعنى الإيرانى يتعلق باستراتيجية طهران القديمة الجديدة فى آن واحد، وهى تصدير النموذج الإيرانى للتدين أو السياسة الممزوجة بالدين، فمن خلال فرض النماذج السلوكية الإيرانية على العالم الإسلامى يتم الخصم المعنوى من الدول والأطراف الرافضة لهذا النموذج، وفى المقدمة السعودية وكل الدول السنية الأخرى، وفى النهاية يتحقق لإيران ما تسعى إليه وهو تجييش المجتمعات الإسلامية وراء أطروحاتها، التى ستجد رواجاً من خلال الاحتكاك بحجاج العالم الإسلامى كله، وإذا تصورنا أن عدداً من الدول الإسلامية تضامنت مع الدعوة الإيرانية لتسييس الحج، وتحول الأمر إلى مناسبة سياسية تتكرر فيها الشعارات والآراء الإيرانية، فعندها يمكن لإيران الادعاء بأنها القائد الأوحد للأمة الإسلامية، أو على الأقل الأكثر تأثيراً، وبعد خطوة التسييس يصبح مطلب التدويل مسألة وقت، وبعدها تتعرض مكانة الرياض ومؤيديها إلى التهميش والتعرية التاريخية، ولذا حين يرى عادل الجبير أن موقف قطر الجديد هو دعوة للحرب، فقد أصاب الحقيقة.