قطر والمحور «الروسى/ التركى/ الإيرانى»

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

دول المقاطعة «مصر، السعودية، الإمارات، البحرين» تحاول تحجيم دويلة قطر.. شعبها 800 ألف نسمة، 1.2 مليون عمالة مهاجرة، ثلث إنتاج العالم من الغاز الطبيعى، 60 مليار دولار عائداً سنوياً، 355 ملياراً فوائض مالية، استثمرتها بكفاءة لتشترى النفوذ، تحولت لغرفة عمليات خاصة لأنشطة سرية ترتبط بمصالح القوى الدولية والإقليمية، بدأت لحساب الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، وانفتحت منذ 2013 ناحية روسيا خشية تراجع أهميتها لدى واشنطن بعد فشل «الفوضى الخلاقة».. حجم الاستثمارات القطرية فى روسيا بلغ 2.5 مليار «500 مليون سهم ببنك فى تى بى، 25% من مطار بولفوكو بمدينة بطرسبرج»، بالإضافة إلى 11.3 مليار قيمة شراء 20% من أسهم شركة روس نفط العملاقة ديسمبر 2016، و2 مليار من جهاز قطر للاستثمار لصندوق الاستثمار الروسى يناير 2017.

قطر لم توقف دعمها للإرهابيين بسوريا، إنما وسعت من نطاقه، بتقديم مليار دولار للتنظيمات الشيعية بالعراق، بحجة الإفراج عن رهائن الأسرة الحاكمة.. حققت تقارباً مع المحور الإيرانى الروسى، وفرضت نفسها كوسيط فى اتفاقات التبادل والتصالح، ما عزز نفوذها السياسى بسوريا، وخفف من مرارة رصيد عدائها لروسيا.. فقد دعمت المعارضة الشيشانية ضمن تنظيم القاعدة بداغستان الروسية تسعينات القرن الماضى، منحت الرئيس الشيشانى الانفصالى الأسبق، سليم خان يندرباييف، ملاذاً آمناً لمدة ثلاث سنوات، قبل أن تغتاله المخابرات الروسية بالدوحة 2004، اعتقلت المتهمين من داخل السفارة الروسية، وحكمت عليهم بالسجن المؤبد، ردت روسيا باحتجاز مصارعين قطريين بموسكو، لتفرج عنهم مقابل مسجونيها، انتهاء الأزمة لم يخفف حدة التوتر، السفير الروسى تعرض للضرب بمعرفة ضباط الجمارك بمطار الدوحة نوفمبر 2011، ما تسبب فى خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية، والمواجهة ظلت مستعرة بسوريا نتيجة دعم قطر للجماعات المسلحة، وانحياز روسيا للنظام، ناهيك عن التنافس بينهما على سوق الغاز، قطر أكبر منتج فى العالم «77 مليون طن/ عام»، اقتحمت سوق الغاز الأوروبية -التى تحتكرها روسيا- وخططت لمد خط أنابيب عبر سوريا وتركيا إلى أوروبا، لكن روسيا تصدت لطموحاتها.. سعت للقفز على السوق الصينية، فأحبطتها موسكو بتوقيع صفقة مع بكين بـ400 مليار دولار تمتد 30 عاماً، روسيا توقعت أن يؤدى الحصار العربى إلى الحد من قدرتها على تمويل الإرهاب، وعرقلة تصدير الغاز، ما يمكنها من الحصول على جزء من حصتها فى أسواق الغاز الدولية، وزيادة تصدير المنتجات الزراعية لها، لكنها فوجئت بالتقاء «تميم» بالرؤساء التنفيذيين لشركات الطاقة العملاقة «إكسون موبيل» و«رويال داتش شل» و«توتال» الفرنسية، وإعلان خطة لزيادة الإنتاج بمعدل 30%، اعتماداً على تنمية حقل الشمال، الذى تتقاسمه مع إيران.

تركيا أنشأت مجلساً للتعاون الاستراتيجى مع قطر ديسمبر 2014، ووقعت اتفاقاً للتعاون العسكرى أبريل 2016، سمح بإنشاء قاعدة خاصة لقواتها بقطر.. تشعر بالقلق من المقاطعة، وتراها تتعدى الخلاف الخليجى إلى محاولة رسم خريطة جديدة للمنطقة، فى وقت تشعر فيه أنها محاصرةٌ إقليمياً، نتيجة للتوتر المتصاعد فى علاقاتها بالدول الأوروبية، ألمانيا سحبت قواتها العسكرية من قاعدة إنجرليك، وأعادت نشرها بالأردن، أمريكا أهانت «أردوغان» ورفضت تسليم «جولن»، وفضلت الأكراد كحليف، وأمدتهم بالمال والسلاح، أنقرة فقدت نفوذها بالعراق، وانهارت علاقاتها بـ«الأسد والسيسى وحفتر»، وتستشعر أنها قد تتعرض فى مرحلة لاحقة لاتهامات ومقاطعة مماثلة لما تواجهه قطر، نظراً لعلاقاتها بالتنظيمات الإرهابية، ودعمها للإخوان وحماس، وتعاونها مع إيران، لذلك تحرص على دعمها بقوة لمنع سقوطها، وطمعاً فى الاحتفاظ بمعدل تدفق استثماراتها ودعمها المالى الكبير.

رغم حرص تركيا على تجنب إغضاب السعودية، إلا أن ذلك لن يضعف دعمها لقطر، لأنها تراهن على سلبية رد فعل الرياض، وانحيازها لمصالحها الاقتصادية، شركة «تكسان لوجيستك»، التى تنقل المنتجات من تركيا إلى قطر، كشفت عن مشاركة بعض الشركات السعودية فى بيع منتجاتها لقطر من خلال الشركة تحايلاً على الحظر، ما يفسر زيادة الطلب على خدماتها بنسبة 110% منذ اندلاع الأزمة فى 5 يونيو!!.. السعودية لم تفكر فى الضغط على تركيا، لأن عدد شركاتها العاملة بالسوق التركية «800»، يفوق أربعة أضعاف نظيره بالسوق السعودية «200»، برأسمال يتجاوز 600 مليون دولار، وحجم أعمال «17 ملياراً»، ومعدل تبادل 8 مليارات، لذلك تحول لأداة ضغط تخشاها، الخطوط الجوية التركية أطلقت رحلاتها الصيفية من السعودية إلى المقاصد السياحية التركية، دون اعتبار للأزمة.. «أردوغان» يوحى بالقيام بدور الوسيط، رغم أن تورطه مع قطر يجعله أبعد ما يكون عن ذلك.

بمجرد نشوب الأزمة خرجت تسريبات من القصر الأميرى بالدوحة عن وصول وحدات من الحرس الثورى لحمايته، بهدف ردع السعودية عن التدخل العسكرى، لحين وصول القوات التركية، الجميع ابتلع الشائعة، وروجها رغم استحالتها، بسبب وجود القاعدة العسكرية الأمريكية بالجزيرة، وحساسية «ترامب» تجاه التدخلات الإيرانية بدول المنطقة.. إيران عوضت النقص فى المواد الغذائية بالأسواق نتيجة للحصار، واستغلت نفوذها لدى العراق ليتسامح مع دور قطر فى تمويل ودعم الإرهاب الذى يعانى منه، بهدف اجتذاب الدوحة لتجمع إقليمى يضم إيران وتركيا والعراق، التنسيق بين الدول الثلاث يتم تحت إشراف محسن رضائى، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيرانى، الذى يسعى لتصعيد القضية للمؤتمر الإسلامى.. والواقع أن اعتماد قطر على إيران سلاح ذو حدين، فهو من ناحية يمثل عنصر ردع لأى تهديد عسكرى، لكنه يخلق حالة استنفار ضد قطر بسبب التدخلات الإيرانية بدول المنطقة.. تفاقم الأزمة وتصاعدها إلى حد الصدام العسكرى قد يكون مستهدفاً، كأداة لتفعيل الحشد الذى يدعو إليه «ترامب» ضد إيران.. احتواء قطر داخل محور روسيا/ إيران/ تركيا يتم تحت إشراف موسكو، حرصاً على مصالحها مع مصر والسعودية والإمارات، وفى ضوء المكاسب الاقتصادية للزيارة المقررة لـ«سلمان» يوليو الحالى، والحاجة لتعاونهما فى إطار «الأوبك»، فضلاً عن تأثيرها على التوازن الإقليمى بين القوتين العظميين.. سيرجى شويجو، وزير الدفاع الروسى، التقى «أردوغان» فى إستانبول عقب زيارة وزير الدفاع القطرى، للتنسيق بشأن دفع التشكيلات التركية لقطر، و«أردوغان» يتابع الأزمة تليفونياً مع «بوتين».

قطر استثمرت مليار دولار لإنشاء القاعدة الأمريكية فى التسعينات كمرتكز لأمنها، لذلك لا تطلب مقابلاً إيجارياً من واشنطن، بل تتكفل بـ60% من تكلفة تطوير القاعدة، هذا الوضع لا يزال مستمراً، وأضافت إليه قاعدة تركية، وانتماء للمحور المضاد روسيا/ إيران/ تركيا، لتصبح الدوحة مرتكزاً للتوازن الدقيق بين القوى الدولية المتصارعة على المستوى الإقليمى.. بريطانيا تدير السياسة القطرية، فهل هناك أكفأ من تلك الإدارة؟!.