«الوطن» داخل معمل «النمذجة الصناعية»: إنجاز علمى فريد فى الشرق الأوسط

كتب: نادية الدكرورى

«الوطن» داخل معمل «النمذجة الصناعية»: إنجاز علمى فريد فى الشرق الأوسط

«الوطن» داخل معمل «النمذجة الصناعية»: إنجاز علمى فريد فى الشرق الأوسط

«أطراف صناعية»، «جماجم بشرية»، «قطع غيار صغيرة معقّدة الأشكال»، معروضات المنضدة الصغيرة التى تجدها فى مدخل معمل «النمذجة الصناعية»، أحد معامل شعبة التكنولوجيا والتصنيع بالمركز القومى لبحوث الفلزات، المعمل يحوى مجموعة من الأجهزة لا يوجد مثيل لها فى الشرق الأوسط، تصنع منتجات ثلاثية أو ثنائية الأبعاد فى دقائق، وقد تمتد إلى أيام.

«20 مليون جنيه»، إجمالى تكلفة الطابعات التى يحويها معمل النمذجة، كما تذكر المهندسة أمنية إبراهيم، إخصائية معمل النمذجة، فى حديثها لـ«الوطن»، ومعظمها مشروعات ممولة من وزارة التعليم العالى والبحث العلمى، وصندوق العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية البحث العلمى. ويحوى المعمل طابعة هى الوحيدة بالشرق الأوسط كما تذكر «أمنية»، يمكنها إنتاج قطع غيار معقّدة الشكل بعرض (50 X 40) وسمك 6 مللى خلال ثلاثة أيام بحد أقصى، تماثل فى شكلها قطع الغيار الأصلية، سواء كانت مصنوعة من الألومنيوم، والستاليس ستيل، والتيتانيوم، والمادة الأخيرة تُستخدم فى إنتاج المواد الطبية.

{long_qoute_1}

يبدأ التصميم، كما تشرح «أمنية»، من خلال مسح للأشكال المختلفة المراد إنتاجها من خلال الطابعة ثلاثية الأبعاد، وهو مسح برمجى، أى من خلال برامج إلكترونية مخصّصة لرفع الأبعاد المختلفة، يمكن لماكينات الطباعة الثالثية قراءتها وتنفيذها باستخدام الهندسة العكسية، للتأكد من المقاسات المختلفة، بعدها تُزود الطابعة بمسحوق بوردة الليزر، يضمن كفاءته نقاوة الغاز الطبيعى الذى يمد الطابعة بالوقود، لتصل نسبة نقائه إلى 99، لضمان اختفاء أى فجوات أثناء عمل البودرة على إنتاج الشكل المراد تصنيعه من خلال الطابعة.

وأضافت «أمنية» أن الطابعة تشكل طبقات من البودرة فى مساحة مستطيلة تُقدر أبعادها (10 X 10 سم)، وعقب الانتهاء من تشكيل المنتج، يبدأ المعمل فى استخراجه بداخل قالب يحتاج إلى ماكينة القطع بالشرارة، لفصله عن القالب، وتستغرق فترة إنتاجه داخل الطابعة يومين متواصلين، ويمكن أن يصل حجم إنتاج الطابعة إلى 20 ألف قطعة.

على بُعد أمتار قليلة، يحوى المعمل جهاز طابعة ثالثية الأبعاد، هى الوحيدة فى مصر، حسب «أمنية»، التى يمكنها إنتاج منتجات بلاستيكية تُستخدم فى المجال الطبى باستخدام بودرة الليزر، مما يساعد على تصنيع منتج يمكن أن يتحمّل درجة حرارة تصل إلى أكثر من 200 درجة، دون أن يتأثر المنتج، مما يسمح بأن تُستخدم منتجات الطابعة الطبية فى جسم الإنسان مثل الشرائح التى تُستخدم فى المفاصل. وأوضحت «أمنية» أن الطابعة يمكنها إنتاج أشكال مفرّغة، وهو المنتج الأصعب فى إنتاجه، مما يمكنها من إنتاج بعض الأجزاء التعويضية فى جسم الإنسان بمساحة (20 X 20 سم)، وتختلف هذه الطابعة عن مثيلاتها بأنها لا تحتاج إلى فصل الشكل المنتج بعد خروجه من الطابعة، بل يخرج الشكل مفصولاً وجاهزاً للاستخدام، واستطاعت الطابعة إنتاج جمجمة كاملة.

لفتت «أمنية» إلى أن أطباء العظام، هم الأكثر إقبالاً واستفادة من الطابعة، ويرسل الطبيب الشكل المراد إنتاجه من خلال الأشعة التى يحصل عليها من المريض لإجراء جراحة دقيقة للورم، وتحول هذه الأشعة إلى برنامج يسهل للطابعة قراءته وإنتاجه، مما يسهل على الطبيب التعرف على شكل الورم قبل إجراء العملية، ومن ثم يُقلل عدد الساعات التى يستغرقها الطبيب فى إجراء الجراحة، مقارنة بالحالات التى لا يتعرّف فيها على الأبعاد المتكاملة للورم.

«للأسف محدش بيقول إنها مصنوعة فى مصر»، قالتها «أمنية»، فى محاولة لحث بعض الأطباء الذين يستعينون بطابعات المعمل، أن يذكروا أنها صناعة مصرية، وليست ألمانية، خصوصاً أن النظير الوحيد لجودة المنتج ثلاثى الأبعاد لمعمل النمذجة يوجد فى ألمانيا، لذا يتهرّب البعض من الأطباء، فى محاولة لزيادة قيمة المنتج، من ذكر أنه مصنوع فى مصر من خلال معمل النمذجة، ويدّعى أنه لجأ لتصنيعه فى ألمانيا خصيصاً.

وفى غرفة مخصّصة، يبدأ «روبوت» فى تشغيل جهاز ثالث يعمل بتقنية ثلاثية الأبعاد، الوحيد فى مصر القادر على التعامل مع قطع الغيار المختلفة للسيارات، مساحة (متر ونصف فى متر)، بتقطيعها بالليزر بتخانة تصل إلى 8 مللى، ويلجأ الكثير من المصانع إلى المعمل لتقطيع بعض الأجزاء فى السيارات بدقة متناهية، لا يمكن توفيرها بعيداً عن «روبوت الفلزات».

«نهدف إلى تعليم التكنولوجيا لشباب الجامعات»، قال الدكتور خالد عبدالغنى، رئيس شعبة التكنولوجيا والتصنيع ومعمل النمذجة بمركز بحوث الفلزات، فى لقائه بـ«الوطن»، لافتاً إلى أن المعمل منذ إنشائه عام 2003، ويأمل فى نقل خبراته إلى الأجيال المقبلة من شباب الباحثين، بإعطاء دورات تدريبية أو الإشراف على مشروعات تخرج الطلاب بكلية الهندسة وغيرها من الكليات العملية، التى تهتم باستخدام الحاسب الآلى فى التصنيع، كما يأتى طلاب فى المرحلة الثانوية لإجراء بعض التجارب.

ويخدم المعمل حالياً جميع الشركات فى مصر، كما يذكر «عبدالنبى»، ويدخل العائد المادى فى تطوير المعمل، الذى يحتاج إلى صيانات دورية بالاستعانة بخبرات دولية، ونعمل بشكل رئيسى فى المجال الطبى الذى يعتمد على تطبيقات الحاسب الآلى، وإنتاج أشكال ثلاثية الأبعاد، وهى تقنيات غير موجودة فى الشرق الأوسط، والنظير لها حالياً فى جنوب أفريقيا، وبعض دول العالم.

ونُفكر فى إنشاء جمعية أفريقية لتطوير علوم الصناعة بالليزر، وقدمناها على هيئة مشروع للاتحاد الأوروبى، وننتظر الدعم لها نهاية العام الحالى بنحو مليون يورو، بهدف تكوين عمل مشترك مع أفريقيا، بتدريب ما يقرب من ألف باحث فى الدول الأفريقية على تكنولوجيا الليزر الصناعية، وتتولى مصر تدريب دول شمال أفريقيا. ونجحنا فى تأسيس الجمعية المصرية - الهندية للطباعة ثلاثية الأبعاد، فى إطار التعاون مع آسيا.

«مصر كلها فيها كنوز مدفونة تحت التراب»، هكذا وصف «عبدالنبى» المشروعات البحثية المصرية التى نجح البعض منها فى إزاحة الأتربة من عليها، والبعض الآخر ما زال يبحث عن اليد التى تساعده فى إزاحة هذه الأتربة، للحفاظ على ما تبقى من كنوز، خصوصاً أن البحث العلمى المصرى خلال عشرات السنين، فترة ما قبل ثورة يناير، لم نسمع عنه شيئاً، ولم نجد مسئولاً يهتم به، بل لم يجد الباحث المصرى إجابة قبل خمس سنوات من الآن عندما يسافر إلى إحدى الدول، ويسأله البعض عن خطط البحث العلمى المصرية، وكأن الباحث المصرى حينها يعمل بنظام «يوم بيوم»، فى حال توافر ميزانية يمكنه تنفيذ بعض المشروعات، وفى حال اختفائها يتوقف عن العمل.

وعانت المراكز البحثية والجامعات فى فترة ما قبل الثورة من كونها طاردة للباحثين، بسبب قلة العائد المادى الذى يتلقاه الباحث المصرى، ويظل الأخير يبحث عن فرص للعمل خارج البلاد، مقارنة بالوضع الحالى الذى ارتفع فيه راتب الباحث العلمى، وفى انتظار إقرار قانون البحث العلمى، الذى يناقش حالياً، وتسمح مواده بأن تنشئ المراكز شركات تجارية خاصة لتسويق المشروعات والأفكار العلمية المختلفة، وهو الاتجاه الذى يسير فيه العالم، لتوفير عائد مناسب للعملية البحثية.

وارتفعت مؤخراً ميزانية البحث العلمى، كما ذكر «عبدالنبى»، ففى حال احتياج المعمل إلى أجهزة يمكنه شراؤها. ونعمل حالياً على إنهاء استراتيجية البحث العلمى (2017 - 2022)، وكل مركز يضع خطة خمسية، بالمتطلبات المادية والبشرية فى المركز، والمساحات الإضافية التى يحتاج إليها المعمل.


مواضيع متعلقة