مفارقات زيارة الرئيس ترامب

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

بعد أسبوع تقريباً سيحل الرئيس ترامب ضيفاً على المملكة العربية السعودية ثم إسرائيل ثم الفاتيكان، فى أول زيارة خارجية له كرئيس للولايات المتحدة. البعد الرمزى هنا من منظور ترامب لا يقل أهمية عن باقى الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، فالدول الثلاث تعد رموزاً كبرى للديانات السماوية الثلاث الكبرى فى العالم، الإسلام واليهودية والمسيحية، وكأن ترامب يقول إنه يسعى إلى إشاعة السلام والتآلف بين أتباع هذه الديانات الكبرى، بعد أن نال البعض منهم كلمات وأوصاف حادة منه شخصياً إبان حملته الانتخابية، وكأن الزيارة نوع من الاعتذار وبمثابة صفحة جديدة مع العالم الإسلامى، تُذكرنا بالخطاب التاريخى الذى قاله الرئيس باراك أوباما مطلع رئاسته حين زار مصر وألقى خطاباً مُفعماً بالأمل فى جامعة القاهرة لكل العرب والمسلمين، غير أن فترتى رئاسته شهدتا تدخلات واستفزازات وتراجعات فى كافة القضايا التى تتداخل فيها المصالح العربية والإسلامية مع المصالح الأمريكية، وبحيث أصبح طبيعياً لدينا على الأقل فى العالم العربى نوع من الشك فى أن تشكل الخطابات الحماسية والرومانسية سياسياً من القادة الأمريكيين أى ثقل فى الواقع العملى، فضلاً عن أن الغموض الأمريكى المحيط برئاسة ترامب ورؤيته للعالم لا تعطينا الثقة فى أن أى خطاب سلمى جديد يطرحه الرئيس ترامب قد يتحول إلى واقع يفيد كل الأطراف.

فى الوقت ذاته فإن المحطة السعودية ستحمل وحدها ثلاثة أبعاد تتضمن المسار الثنائى بين المملكة والولايات المتحدة وهذه واضحة المعالم سواء توقيع صفقات السلاح الأمريكية أو مساندة واشنطن لأمن السعودية فى مواجهة مصادر التهديد والتحدى التى تحيط بالمملكة، ثم المسار الخليجى الأمريكى وهو أيضاً مسار واضح المعالم ويتعلق بتهديدات إيران وحماية النظم، وأخيراً مسار ثالث يجمع بين العرب والمسلمين والولايات المتحدة، وهنا تظهر عدة إشكاليات ومفارقات على أكثر من مستوى.

وفقاً لرؤية ترامب وتصريحات هربرت مكماستر مستشار الأمن القومى الأمريكى، فإن أهداف الجولة تتضمن تحقيق عدة أهداف؛ أولها تأكيد التحالف بين بلاده والأصدقاء فى منطقة الشرق الأوسط المتوترة والمليئة بالنزاعات والحروب والصراعات، وثانيها تقاسم الأعباء فى مواجهة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار وحث الشركاء العرب والمسلمين على خطوات شجاعة لتعزيز السلام ومواجهة داعش وإيران والنظام السورى، وثالثاً السعى بداية من السعودية لتحقيق مستقبل مشرق وعادل للشباب المسلم فى بلدانهم، ورابعاً اتخاذ موقف حاسم ضد الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة، وخامساً حث القادة العرب والمسلمين على تطوير رؤية سلمية للإسلام.

الأهداف الأمريكية على هذا النحو تتقاطع مع أهداف سعودية وخليجية رئيسية لا سيما المواجهة مع المد الإيرانى فى المنطقة، ولكنها فى الآن ذاته غير متطابقة مع الهموم الرئيسية التى تضغط على الواقعين العربى والإسلامى، وفى البداية يمكن ملاحظة أن الأهداف الأمريكية تتعلق بتغييرات لا بد أن يقوم بها العرب والمسلمون، بما فى ذلك الدعوة إلى «تطوير رؤية سلمية للإسلام»، التى قد يعتبرها البعض فى العديد من البلدان المسلمة بمثابة دعوة لتغيير العقيدة ذاتها. ولا يوجد أى شىء يتعلق بهؤلاء الذين يعبرون عن الديانتين الأخريين، اليهودية والمسيحية، مثل الحث على سبيل المثال لمواجهة حملات الإسلاموفوبيا سواء ضد المسلمين المقيمين فى بلدان أوروبية أو فى الفضاء الدولى العام، وهناك تغييب كامل للقضية الفلسطينية، فلم يصرح ترامب ومستشاره للأمن القومى بأى شىء يتعلق بمجرد رغبة فى أن تفتح الزيارة باباً لمناقشة جدية لحل هذا الصراع الذى يتولد عنه الكثير من الإشكاليات السياسية والفكرية والاستراتيجية، والمفارقة الكبرى أن الرئيس ترامب يعطى الشق الرمزى لزيارته وزناً كبيراً فى الوقت الذى أصدر فيه قراراً بمنع دخول مواطنى سبع دول مسلمة باعتبار أن بعضهم قد يكونون إرهابيين محتملين، ولعل الأجدر هنا أن يبادر الرئيس ترامب بإلغاء هذا القرار قبل أن يأتى إلى السعودية ليُحدث القادة العرب والمسلمين عن ضرورة مواجهة التطرف والإرهاب واتخاذ مواقف صارمة ضد الذين يثيرون الانقسام والكراهية بين الشعوب.

سوف يلتقى الرئيس ترامب بالعاهل السعودى ثم قادة الدول الخليجية الستة فى اجتماع منفصل، والغالب أن الرؤية التوافقية بين المشاركين ستكون من قبيل تحصيل الحاصل، فوحدة الرؤية المُعلنة متطابقة إلى حد كبير، وأهم عناصرها زيادة صفقات التسليح الأمريكية، ومواجهة النفوذ الإيرانى، والتخلص من نظام الرئيس الأسد، وتأكيد الحماية الأمريكية للنظم القائمة، الأمر سيكون مختلفاً بعض الشىء فيما يتعلق باللقاء بين ترامب وقادة عرب ومسلمين، فمن بين هؤلاء من يتعرض للإرهاب الممول من أطراف إقليمية قد تحضر اللقاء، ويحاربه بكل ما يملك ويضحى بالكثير من أجل أمن وطنه وشعبه ومصر نموذج بارز هنا، ومنهم من يرى أن إنهاء الأزمة السورية يتطلب وقف تمويل الجماعات المتطرفة، التى توصف زوراً بالإسلامية المعتدلة وتحصل على دعم هائل من دول تدعى محاربتها للإرهاب والتطرف وتُظهر نفسها على أنها حمل وديع يسعى لإشاعة السلام فى البلدان المجاورة وهى ليست كذلك، ومنهم من يقوم بالفعل بجهود حثيثة لإعادة هيكلة الفكر الدينى فى بلاده من خلال حركة تنوير شاملة، ولا يجد أى مساندة من الدول الأخرى التى تدعى محاربتها للإرهاب والتطرف، والأهم من كل ذلك فإن القاسم المشترك الأكبر بين القادة العرب والمسلمين يكمن فى إنهاء الاحتلال الإسرائيلى لجزء من أرض فلسطين التاريخية وإقامة الوطن الفلسطينى وعاصمته القدس، فى المقابل يوجد تجاهل أو غموض أمريكى غير مبرر.

الفوارق كثيرة بين مستويات اللقاءات الثلاثة، وبينما سيكون هناك جدول أعمال محدد للقاءين الأول والثانى، فالأمر بالنسبة للقاء الثالث يبدو حتى اللحظة لقاء احتفالياً بلا جدول أعمال، ولا تسبقه مشاورات بين القادة المدعوين وصولاً إلى نقاط متفق عليها يتم تأكيدها أمام الرئيس ترامب. وبعض القادة العرب والمسلمين المدعوين زار بالفعل الولايات المتحدة مؤخراً والتقى الرئيس ترامب فى البيت الأبيض وتباحث الجميع فى الهموم المشتركة، وغالباً تم التوصل إلى نقاط اتفاق حول قضايا إقليمية، ومنهم السيسى رئيس مصر، وعبدالله ملك الأردن، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وآخرهم أردوغان رئيس تركيا، وآخرون غيرهم، فما الذى يمكن أن يضيفه لقاء جماعى مع عدد من القادة تركوا بلادهم ليوم أو لعدة ساعات بلا جدول أعمال، وربما لن يتحدث منهم أحد بما يراه من هموم يجب التصدى لها من خلال سياسات واضحة ومهام محددة؟