مستلزمات الأدوية: أكبر مصانع قنا وسوهاج تحتاج جراحة عاجلة للتخلص من الديون

كتب: رجب آدم وخالد الغويط

مستلزمات الأدوية: أكبر مصانع قنا وسوهاج تحتاج جراحة عاجلة للتخلص من الديون

مستلزمات الأدوية: أكبر مصانع قنا وسوهاج تحتاج جراحة عاجلة للتخلص من الديون

رغم تعرض مصر لأزمة كبيرة فى نقص الأدوية مؤخراً، واعتمادها على الاستيراد من الخارج لسد احتياجات السوق المحلية، وارتفاع أسعارها، فوجئ وزير الصحة الذى قال «لا توجد صناعة دواء فى مصر» بوجود عشرات المصانع الحكومية الحيوية متوقفة عن العمل مثل مصنع إنتاج ألبان الأطفال بمدينة العاشر من رمضان، وفى مدينة قفط بمحافظة قنا يوجد مصنع كبير كان من أهم مصانع الشرق الأوسط فى إنتاج المنسوجات الطبية والدوائية الخام، الذى تم إغلاقه نهاية 2009، وتشرد مئات العمال من أطباء وصيادلة وفنين وغيرهم، بعد توقف التمويل من المساهمين من القطاع الخاص والعام، وجاءت ثورة يناير لتقضى على آمال تشغيله مع سرقة العديد من أدوات الإنتاج من قبل اللصوص، وفى ظل الظروف الحالية التى تمر بها الدولة فى حاجتها للدواء وتوفير العملة الصعبة تجددت الآمال فى إحياء هذا الصرح العظيم من الصناعة الدوائية الخام متمثلة فى «هيبى تكس لصناعة المستلزمات الطبية» و«هيبى هوم لصناعة المستلزمات الدوائية الخام»، والمصنعان كانا مفخرتين للصناعات الدوائية فى مصر والشرق الأوسط.

«الوطن» زارت موقع المصنعين فى منطقة قفط الصناعية، وتحدثت مع مسئولى المصنعين، بعد توقفهما بشكل كامل منذ 8 سنوات، يقول المهندس بريقع توفيق، المندوب المفوض، نائب رئيس مجلس الإدارة: «مصنع هيبى تكس لإنتاج المستلزمات الطبية أنشئ عام 1997، وكان يعمل به 400 عامل بشكل مباشر، وكان ينتج 2600 طن فى السنة من الأنسجة الصناعية مثل (الوايبس) والشاش، وكان كل إنتاجه للتصدير».

{long_qoute_1}

أما المصنع الثانى (هيبى هوم لإنتاج المستلزمات الدوائية) فقد أنشئ عام 2003، كما يقول «توفيق»، مضيفاً أن هذا المصنع العملاق يعتبر خامس مصنع فى العالم لإنتاج الخامات الخاصة بالمضادات الحيوية، وكان يعمل به 1200 عامل بشكل مباشر، وإنتاجه كان نحو 500 طن فى السنة، للسوق المصرية والتصدير.

وأكمل أن المصنعين عبارة عن شركات مساهمة قطاع خاص وقطاع عام متمثلة فى البنك الأهلى وبنك قناة السويس وشركة مصر للتأمين، وغيرها، ويملكون نحو 37% من حصة الشركة، والمستثمر الخاص ويمتلك نسبة 30% والباقى أسهم شركات قطاع أعمال أخرى.

وأشار إلى أن طمع «رفعت السيد» المساهم الأكبر ورئيس مجلس إدارة المصنع حينها وتوقفه عن تمويل المصنعين بعد حصوله على جزء من أموال البنوك وقطاع الأعمال المساهمين فى المصنعين، حيث كانت له 6 مصانع أخرى فى مصر، وهروبه إلى السويد التى يتمتع بجنسيتها، وبعد إدانته بأكثر من حكم قضائى تم وضعه على قوائم الترقب للقبض عليه إذا دخل مصر.

وتابع أن المصنعين توقفا فى 2009، وكانت حالتهما جيدة، وجاءت ثورة 25 يناير لتقضى على آمال تشغيلهما، بعد أن سرق المخربون أجزاء كبيرة من خطوط الإنتاج، مشيراً إلى أن هناك أيادى خارجية وراء عملية التخريب ومؤامرة كبرى كانت ضد المصنعين وبخاصة مصنع الخامات الدوائية «هيبى هوم» لأنه كان يمثل خامس مصنع فى العالم، مشيراً إلى أن الدوافع وراء التخريب ما زالت غامضة.

{long_qoute_2}

يقول «توفيق»: جاءت مؤسسة «General Mediterranean Holding» لصاحبها السير «نظمى أوجى»، وهو ملياردير يستثمر فى لندن، وهو ثانى عربى يمنح رتبة سير بعد الطبيب العالمى مجدى يعقوب، واشترى حصة المستثمر الهارب رفعت السيد، ولكنه اكتشف أن المصنع عليه ديون، ثم زادت المشاكل عقب سرقة المصنع فى يناير 2011.

يضيف المندوب المفوض: فى 2014 تمت تسوية مع البنك الأهلى بالنسبة لمصنع المستلزمات الطبية «هيبى تسك»، ونحاول فى تسوية مع البنك الأهلى وقناة السويس ومصر للتأمين، موضحاً أن الديون على المستلزمات الدوائية للموردين بلغت 60 مليون دولار، وتبلغ 12 مليون دولار على مصنع المستلزمات الطبية، بالإضافة إلى 20 مليون جنيه فواتير كهرباء ومياه ومستحقات ضرائب.

وأشار إلى إجراء دراسة مع عدة شركات كورية وسيمنز الألمانية لحساب تكاليف إعادة تشغيل المصنعين، فأوضحت أن مصنع المستلزمات الدوائية يحتاج إلى 28 مليون دولار، ومصنع المستلزمات الطبية يحتاج إلى 7 ملايين و500 ألف دولار. وأوضح «توفيق» أن حل مشكلة الشركة التى تضم مصنعين، يكمن فى تخفيض فوائد الديون ودفع جزء منها بالتقسيط بعد التشغيل، مع قيام شركة مصر للتأمين بدفع التعويض اللازم، بدلاً من رفضها الدفع بحجة عدم قيام الشركة بعمليات التأمين الواجبة عليها، رغم أن مصر للتأمين تمتلك 12% من حصة المصنع الثانى «هيبى هوم للصناعات الدوائية»، وقيمة التعويض كافية للتشغيل.

ويرى الدكتور سعد الخطيب، وكيل نقابة الصيادلة بقنا، أن المصنعين كانا من أهم المصانع فى الشرق الأوسط، من ناحية إنتاج المستلزمات الطبية والمادة الخام لصناعة الدواء التى تستورد مصر 80% منها.

{long_qoute_3}

اللواء عبدالحميد الهجان، محافظ قنا، قال لـ«الوطن» إن هناك جهوداً من كل الجهات لحل مشكلة المصنعين لتشغيلهما، كاشفاً أن وزيرة الاستثمار د. سحر نصر تفقدت المصنع خلال زيارتها الأخيرة للمحافظة، وأبدت استعدادها لحل مشكلة شركة «هيبى» وتشغيل المصنعين وأكدت عزم الحكومة على إحياء الصناعات الدوائية مرة أخرى.

أيضاً تحتضن سوهاج مصنعاً كبيراً لتعبئة وتحضير الأدوية، شيده الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عام 1966 لخدمة أبناء المحافظة وباقى محافظات الجمهورية، وظل المصنع ينتج أدوية ومراهم على مدار 44 عاماً حيث كان يغطى احتياجات الوحدات الصحية والمستشفيات، والمصنع كان ينتج فى الشهر الواحد 20 ألف علبة دواء شراب كما كان ينتج نحو 16 ألف عبوة مراهم مختلفة، وجميعها كانت توزع بالمجان على الوحدات الصحية فى القرى والمستشفيات، حتى طالت رياح الفساد المصنع فى مارس 2010 فصدر قرار بإغلاق المصنع بحجة أنه يعمل بدون ترخيص، رغم تبعيته لمديرية الصحة فى سوهاج.

وبعد تلك السنوات من التوقف يظل معمل تحضير وتعبئة الأدوية بسوهاج مثالاً حياً على الفساد والإهمال الذى ضرب البلاد خلال تلك الفترة، ليكون شاهداً على سطوة ونفوذ شركات الأدوية الكبرى التى تمكنت من إغلاق المصنع لإفساح المجال لمنتجاتها لتحقيق أرباح بالملايين على حساب صحة الفقراء الذين لا يملكون ثمن الدواء، كما أكد بعض أهالى سوهاج الذين طالبوا بإعادة تشغيل المصنع من جديد.

ويقع المصنع خلف مديرية الشئون الصحية بالمحافظة شرق نهر النيل، ويقول أحد العاملين فيه: «كان ينتج أدوية من مستخلصات طبيعية مثل مزيج الكحة وطارد البلغم ومهدى السعال ومضادات الحموضة، ومراهم جلدية ومراهم للروماتيزم ومضمضة للفم، وجميع المنتجات من مواد طبيعية، وكان معدل إنتاجه الشهرى نحو 20 ألف علبة دواء شراب، ونحو 16 ألف عبوة من المراهم المختلفة وجميعها كانت توزع مجاناً على المستشفيات العامة والوحدات الصحية بالقرى».

أضاف العامل الذى رفض نشر اسمه: «المصنع كان يضم عدة أقسام مثل قسم الصادر وهو يقوم بتوزيع الأدوية المنتجة من المصنع إلى جميع الوحدات الصحية فى الريف والمستشفيات بمدن المحافظة، وقسم التغليف، ويتم من خلاله فرز أدوية الشراب المنتجة بالمصنع، وقسم المراهم وينتج عدة أنواع من المراهم التى توزع مجاناً أيضاً، بالإضافة إلى قسم الكيماويات، وقسم التحضير، وقسم التحليل وقسم غسيل الزجاج وقسم للشئون الإدارية وقسم المراقبة، وهناك عدة مخازن للكيماويات، ومخزن للفوارغ مثل الزجاجات وأنابيب المراهم الفارغة، وورشة لصيانة وإصلاح ماكينات المصنع».

وتابع: ظل المصنع يعمل طيلة 44 عاماً إلى أن جاء قرار الدكتور حاتم الجبلى وزير الصحة الأسبق بغلق المصنع (بالضبة والمفتاح)، مؤكداً أن هذا القرار جاء تحت ضغط شركات الأدوية الخاصة التى لها مصلحة فى غلق المصنع واحتلال سوق الدواء بالمحافظة لتحقيق أرباح خيالية، على حد قوله.

وقال عمر هاشم، أحد الذين عملوا بالمصنع لفترة طويلة، إنه صدر كتاب الإدارة المركزية لشئون الصيدلة من الشئون العامة للتفتيش الصيدلى بتاريخ 7/3/2010، جاء فيه أنه بناءً على شكاوى متعددة بخصوص مستحضرات صيدلية يتم إنتاجها داخل منشآت تابعة لمديرية الصحة ويتم صرف هذه المستحضرات للوحدات التابعة للمديرية، وهذه المنشآت غير مرخصة وبناءً عليه يتم إيقاف الإنتاج حتى يتم صدور ترخيص لهذه المنشآت طبقاً لقانون الصيدلة.

وأضاف أن عدد الذين كانوا يعملون بالمصنع نحو 50 موظفاً «عمال وموظفين وفنيين وصيادلة»، مؤكداً أن قرار إغلاق المصنع وراءه شبهة فساد، فكيف يعمل مصنع لمدة 44 عاماً ويتم إغلاقه بحجة عدم وجود ترخيص ويتم تشريد العاملين بداخله وتوزيعهم على ديوان عام مديرية الصحة وبعض الوحدات الصحية.

الدكتور أيمن عبدالمنعم، محافظ سوهاج، أكد أن غلق المصنع تم دون سند قانونى، موضحاً أن الرقابة الإدارية حققت فى واقعة غلق المصنع، وأن تقرير الرقابة الإدارية كشف أن المصنع تم إغلاقه منذ 7 سنوات دون أى سند قانونى أو اتخاذ أى إجراءات لبيع المواد الخام الموجودة به ما تسبب فى خسارة للدولة لنحو 15 مليون جنيه بسبب الإغلاق. وأحال المحافظ تقرير الرقابة إلى النيابة العامة للتحقيق فيه.

أضاف المحافظ: «تمت مخاطبة وزير الصحة نحو إعادة ترخيص المصنع وتشغيله أو تأجيره للمستثمرين أو تشغيله بالشراكة مع أى مستثمر»، مؤكداً أن المصنع كان له دور كبير فى توفير الأدوية المدعمة للمستشفيات والوحدات الصحية بسوهاج وكان له دور أيضاً فى تدريب شباب الصيادلة.

مدخل مصنع الأدوية بـ«قفط»

محرر «الوطن» أمام مصنع أدوية قنا


مواضيع متعلقة