«المرأة.. والواقع فى السينما السورية»

على أبوشادى

على أبوشادى

كاتب صحفي

وسط معاناة الشعب السورى الشقيق الذى يرزح تحت مطرقة نظام يصفه معارضوه بالفساد والاستبداد وسندان قوى المعارضة الوطنية التى بدأت ثورية تحاول اللحاق بما سُمّى الربيع العربى وانتهت فى أيدى جحافل التيارات الإسلامية المتشددة، والمتعددة التى سَطَت، وقَضَت على آمال وتطلعات الثورة السورية فى الحرية والديمقراطية.. وسط هذا الزخم من المعارك المحتدمة بين الأطراف المتصارعة يظل شعبنا السورى يحمل بين جنباته جذوة النضال على مدى تاريخه الطويل ضد كل قوى الشر والهيمنة، ويحاول أفراده الاستمساك بالأمل والحفاظ على نبض الحياة وديمومتها من خلال عناصر ثقافته العريقة تأكيداً لهويته وإصراراً على بقائها وحمايتها. من هنا تأتى أهمية الدراسة المتميزة للناقدة والباحثة السينمائية السورية لُمَى طيارة حول «صورة المرأة فى السينما السورية وعلاقتها بالواقع» التى حَصُلَت بها على درجة الماچستير من معهد البحوث العربية بالقاهرة، وربما كانت الملاحظة الأولى والأولية عن عنوان الرسالة، حيث كان من الأجدر عنونتها بصورة المرأة فى «الفيلم الروائى السورى الطويل»، ذلك أن كلمة «سينما» تعنى كل الأنواع الفيلمية من تسجيلى وتحريك وتجريبى وروائى طويل وقصير، كما تطلق على صناعة السينما بأى دولة تمتلك بنية تحتية سينمائية من معامل واستوديوهات ودور عرض كالسينما الأمريكية والبريطانية والسينما الفرنسية والمصرية وهو ما لا يتوافر للسينما السورية. جاءت الدراسة عبر ثلاثة محاور متقاطعة: وضعية المرأة فى الواقع السورى، ثم صورتها على الشاشة وكيف تم تناولها فى تجلياتها ووظائفها ونوعياتها المختلفة، وثالثاً عرض موجز وشامل لتاريخ الفيلم الروائى السورى من خلال ثلاثة وعشرين فيلماً: ثلاثة من إنتاج القطاع الخاص، وعشرون من إنتاج القطاع العام لمخرجين من أجيال مختلفة، واستخدمت الباحثة المنهج الوصفى الذى يعتمد على بيان التراكم الكمى، لا التنوع الكيفى.. وهو منهج مضلل إلى حد كبير، وقد لا يصلح للدراسات الفنية التى تعتمد على كيفية التناول لا حجمه أو عدد مراته، فهو يباعد بشكلانيته وجموده بين الوصف الذى ينتهجه والكيف الواجب قراءته فى ظل الظروف التى تعيشها المرأة السورية منذ عشرينات القرن الماضى وحتى عام ٢٠١١، الذى توقفت عنده الباحثة باعتبار الحراك السياسى والعسكرى الحالى بداية لحقبة جديدة من التاريخ السورى. قدّمت الباحثة إطلالة موجزة لتاريخ الفيلم السورى منذ أول عرض سينمائى تم فى مدينة حلب سنة ١٩٠٨ ودور القطاع الخاص منذ عرض أول فيلم سورى «المتهم البرىء» لرشيد جلال عام ١٩٢٨ وعبر سلسلة من الأفلام التجارية المتهافتة فنياً، وصولاً إلى إنشاء القطاع العام فى السبعينات ورصدت اتجاهات مخرجيها وتطور أساليبهم والنهضة الفنية التى صاحبت إنتاج القطاع العام ودوره فى تقديم العديد من شباب المخرجين العائدين من بعثاتهم لدراسة السينما، وهم الذين وصلوا بالفيلم السورى إلى المهرجانات العربية والدولية، وحازوا عشرات الجوائز. تابعت الرسالة فى محورها الأول واقع المرأة السورية خلال تسعة عقود (١٩٢٨ - ٢٠١١) على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمهنية وغيرها من المجالات التى شاركت فيها المرأة فى سوريا، وجعلت من نتائج هذه المتابعة معياراً للحكم على مدى مطابقة وضعية المرأة فى الواقع التى حققت فيها نجاحات ملموسة وصورتها على الشاشة التى لم تظهر أو تهتم بإبراز تلك النجاحات. توصلت «لُمى» -عبر الإجابة عن عدد من الأسئلة التى طرحتها كأساس للبحث عن وضعية المرأة فى أحداث الأفلام التى اختارتها بدءاً من مكان إقامتها ومستواها الاجتماعى وعقيدتها الدينية وأخلاقياتها، مروراً ببيئتها وظروفها الاقتصادية، وانتهاءً بكونها تدعو إلى الاحترام أو الاحتقار!!- إلى ما أسْمَيتُه بالنتائج المضلِّلة، ذلك أننا إذا سلّمنا بهذه النتيجة فإن المرأة فى الفيلم السورى هى سورية مسلمة شابَّة فقيرة غير متزوجة، هى عشيقة أو حبيبة، قوية، شجاعة، لا تشارك فى العمل السياسى الأهلى عصرية الملبس تدعو إلى الاحترام.. . وهى صفات عامة -وربما متناقضة- لا تعبر بدقة عن صورة المرأة فى الدراما السينمائية، لأنها تعتمد على النسبة الأكبر مئوياً للشخصية الرئيسية أو المحورية دون الالتفات إلى الشخصيات النسائية الثانوية التى من الممكن أن تكون أقوى تأثيراً وأكثر تعبيراً عن وضعية المرأة، وإلا كيف نرى وأين نضع الزوجة الخنوع والأم الحنون التى ترعى وتخدم أبناءها وتساعد فى عمل زوجها فى فيلم «ليالى ابن آوى» لعبداللطيف عبدالحميد؟ أو كيف نرى نساء «أحلام مدينة» و«باب المقام» لمحمد ملص وشخصيات «حادث النصف متر» لسمير ذكرى وغير ذلك من الأعمال التى لعبت فيها شخصية المرأة -رئيسية أو ثانوية- دوراً مهماً فى الدراما؟ وقد أفسدت هذه النتائج على الباحثة فرصة القراءة الفاحصة والمتعمقة والمدققة، فالمنهج خادع، لذا ارتأت أن هناك تقصيراً من السينمائيين السوريين بل وابتعادهم عن حقيقة الواقع السورى بسبب طرحهم لبعض النماذج السلبية من وجهة نظرها ونظر المنهج، كما عابت على بعض الأعمال عدم تقديم حلول للمشكلات التى يتم تناولها، وغاب عنها -وهى الناقدة الحصيفة- أنه ليس من مهام الفنان تقديم الحلول، وإنما يقتصر دوره على كشف الظواهر وتعريتها وبيان أسبابها وعللها بغرض إلقاء الضوء عليها من أجل تغييرها فى الواقع. خَلُصت الرسالة -من خلال العيِّنة التى اختارتها الباحثة وباستخدام ذلك المنهج المراوغ- إلى أن الأفلام «لم تتعرض بشكل مميز لقضايا ومشكلات المرأة السورية» وأن صورتها «ما زالت بعيدة عن الواقع ولا تتناسب مع مكانتها ودورها الذى حققته فى المجتمع السورى»، كما أنها «اهتمت بالمرأة الفقيرة ومتوسطة الدخل وغير المتعلمة أكثر من اهتمامها بالمرأة الغنية أو المتعلمة تعليماً عالياً»، وهى نتائج تُجافى الحقيقة من وجهة النظر النقدية التحليلية ولا تحتاج سوى لإعادة قراءة الأفلام فى ضوء منهج مختلف يحلل الأفلام من داخلها لا من خارجها.. لكن النتيجة الأخطر -من وجهة نظرى- هى اتهام المخرجين السوريين بالتقاعس عن طرح قضية إقليم الجولان الذى احتله الكيان الصهيونى عام ١٩٦٧، مما يعنى «بشكل مباشر هزيمة وقصور السينمائى السورى، كما لو كان الأمر مقصوداً منه تناسى تلك الأراضى» -حسب تعبيرها- وهو اتهام ظالم ومجحف خصوصاً أنها تربطه بضرورة أن يصوِّر الفنانون والفنيون بالجولان المحتل، وهو ما يرفضه السينمائيون السوريون لأنه يعنى الاعتراف بسلطة الاحتلال التى سَتَصِمُ جوازات سفرهم بأختامها، وأعتقد أن هذا موقف يستحق الإشادة.. لا الإدانة!