«الغمة» فى القمة العربية والشعب الغائب دائماً

أنهت القمة العربية السابعة والعشرون أعمالها على ضفاف البحر الميت بالمملكة الأردنية الهاشمية مؤخراً بأقل الأضرار الممكنة وبصيص أمل ينبض بالحياة مرتهناً بأوامر القوى العظمى فى العالم، التى ستظهر ملامحها خلال أيام، فى إطار إعادة ترتيب المصالح والقيادات والأدوار فى المنطقة العربية.

والمتابع لنتائج اجتماعات جامعة الدول العربية الوزارية أو لقاءات القمة طوال العشرين عاماً الماضية لن يجد جديداً يُذكر، فعادة تمتلئ الاجتماعات ولقاءات القادة بالكلمات الإنشائية والرؤى المتناقضة والضربات تحت الحزام والعداء المكتوم على الوجوه العابثة والتأجيل والتسويف غير المبرّر للمواقف الحاسمة.. وتصدر البيانات دائماً متوازنة أو مبتورة، وتعبر عن صراع الصقور والحمائم والمستقلين والمنبطحين والتائهين فى الأروقة، ينتظرون التعليمات عبر الهاتف من السادة فى الخارج.

والقمة العربية الأخيرة سارت فى الاتجاه ذاته، وإن كنا نرى فيه بعض التعديلات الواضحة فى سلوك القادة، فلم نجد تلك الإشارات المستفزة، أو النبرة الحادة التى اعتدناها فى كلمات بعض قيادات الدول، حيث جاءت النبرة هادئة ومبتعدة عن الغمز واللمز، وبعضها كان حاسماً وحازماً وواضحاً على غير العادة.. كما بدا التنسيق بين الدبلوماسيين وأجهزة الاستخبارات دقيقاً ومرتباً، ونجحوا فى إخراج سيناريو مُعد بدقة فى التوقيتات واللقاءات العابرة، خصوصاً فى اللقاءات الثنائية بين القادة العرب على هامش القمة.. لكن كالعادة لم يستطع الصحفيون والإعلاميون معرفة ما يدور فى الغرف المغلقة أو نتائج اللقاءات بين القادة وممثلين لدول وهيئات واتحادات أجنبية ودولية شاركوا فى القمة كمتابعين، وبالتأكيد كانت لهم أدوار فاعلة كثيرة، لأن منطقتنا العربية تقع فى دائرة الاهتمام والمصالح الأجنبية لكل القوى الفاعلة فى عالمنا اليوم والتغطيات الصحفية والإعلامية لم تتجاوز أروقة الفنادق، وأثبتت الجامعة العربية -كالعادة- قدرتها على فرض كامل السرية على ما يحدث فى اجتماعاتها!!

واستمر الحال على صعيد «الغمة العربية»، فالدماء تسيل أنهاراً فى كل الدول العربية بفعل الإرهاب الأسود الذى يقتل البشر ويُشردهم من بلادهم (24 مليون ضحية عربية حتى الآن)، ويُدمر الإرهاب المدن (84 مدينة عربية حتى الآن)، ويرفع الإرهابيون بالباطل شعارات إسلامية، ويتلقون الدعم من ست دول عربية!!!

وما زالت أربع دول عربية بلا نظام سياسى مستقر، وتعيش حرباً أهلية مستعرة.. وزاد عدد الدول العربية المكبّلة باتفاقات والتزامات استعمارية علناً أو تحت غطاء الحماية الأجنبية.. وما زالت مئات المليارات تُهدر سنوياً على السلاح والأهواء الشخصية لمعظم الحكام أو تُقدّم كقرابين ولاء للأقوى فى العالم، ولا تستفيد الشعوب منها شيئاً..

وما زال الفقر والمرض والتشرّد والأزمات الاقتصادية تحقق أعلى معدلات عالمية فى الدول العربية، التى تتمتع فى الوقت ذاته بأرصدة مالية ضخمة وثروات نفطية وغازية وأراضٍ قابلة للزراعة وموارد مائية وأنهار وشواطئ بحار ومحيطات وفرص زراعية وصناعية تبحث عن التمويل لاستثمارها.. وما زلنا نسمع العبارات المحزنة ذاتها عن انتهاك حقوق الإنسان والتبعية والعجز عن استقلال القرار السياسى والاقتصادى والصراعات العربية البينية والتشتُّت وافتقاد المشروع العربى المشترك فى الدفاع عن الذات والتفاعل الإيجابى مع المتغيرات فى العالم.

ونرى أن الجامعة العربية يجب أن تُعدّل قانونها وتطور آليات العمل فيها إذا كانت تحرص على الاستمرار وتفعل بسرعة مطلباً شعبياً مستمراً بإشراك ممثلى الشعوب العربية فى بنائية وأعمال الجامعة العربية، وهو مشروع قُدّم قبل 17 عاماً وشاركت فى مناقشاته آنذاك..

والشعوب العربية صاحبة المصلحة وقاطرة الفعل والحياة للقرارات العربية بعيدة عن المشاركة فى أعمال جامعة الدول العربية التى يحتكر التفاعل فيها الحكومات التنفيذية فقط، فلا ممثلون للبرلمانات، ولا النقابات، ولا الأحزاب، ولا الجامعات، ولا رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدنى، ولا ممثلون للسلطة القضائية، وكأننا أمام نادٍ خاص للملوك والرؤساء، بلا مردود اجتماعى أو حضارى على الشعب العربى إلا فى أضيق الحدود.. وأمامنا تجارب دولية وقارية مثل الاتحاد الأوروبى والاتحاد الأفريقى والأمم المتحدة ذاتها نجحت فى بث الحياة لعملها بإشراك الشعوب بأساليب متنوعة ومتطورة.. فإذا أردتم الحياة للجامعة العربية، فاجعلوها تُعبّر عن الشعوب وتقودهم وتعالج مشكلاتهم بالجهد الشعبى الجماعى العربى المشترك.. وندعو الله أن نجد من يستمع.. والله غالب.