نهايات كارثية لسياسة «الدماغ الواحدة»

ياسر مشالى

ياسر مشالى

كاتب صحفي

لم ينقل إلينا التاريخ، عبر عصوره المختلفة، قصة «دماغ بشرية واحدة» نجحت فى قيادة مجتمع بمفردها دون نهاية كارثية. ورغم أن «التاريخ لم يُخلق للاستمتاع بقراءته، بل خُلق لنتدبره ونتعلم من وقائعه»، فإن هذه المقولة البديهية تبدو غائبة عن «وعى» كثير من أصحاب السلطة والقرار فى بلادنا، رغم أن العمل بها يجنب أى نظام حكم النهايات الكارثية لسياساته الأحادية حتى لو كانت صحيحة، لأن قيادة المجتمعات، خاصة فى عصرنا الحالى، تعتمد على «الجماعية» و«المشاركة»، فكلما شاركت شرائح مجتمعية واسعة فى رسم مستقبل هذا المجتمع، كان ذلك ضماناً أكبر لنجاح هذه السياسات.

فليس مطلوباً من برلمان أغلبيته الساحقة موالية لرئيس الدولة وحكومته، وفى مثل ظروف مصر الحالية، أن يتغول وينفرد بسلطة التشريع الدستورية ويصطنع أزمات مع شرائح أساسية فى المجتمع تريد أن تشارك بالرأى فى صناعة مستقبل أفضل لها.. حدث ذلك مع الصحفيين، والمحامين، ويحدث حالياً مع الهيئات القضائية التى تشمل القضاء العادى «منصة ونيابة»، وقضاة مجلس الدولة، وهيئة النيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة. وكل ذلك للأسف بسبب رغبة بعض المتطوعين فى إضافة نصوص تمنح رئيس الجمهورية مزيداً من الصلاحيات فى اختيار رؤساء هذه الهيئات، رغم أن هذه الصلاحيات موجودة بقدر فى النصوص القديمة للقوانين التى يريد البرلمان تعديلها!

هذه المعارك التى تفتعلها الحكومة والبرلمان مع بعض الفئات قد تبدو معارك فئوية صغيرة، لكنها تعطى الفرصة لرسم أجزاء من صورة سوداء كبيرة لطريقة إدارة البلاد، تظهر مصر فى عيون كثير من أبنائها فى الداخل، وخصومها فى الخارج، وكأنها تحولت إلى «سجن كبير».

صحيح أن بعض هؤلاء المتطوعين لمنح الرئيس مزيداً من الصلاحيات عبر تعديل القوانين بدلاً من تعديل الدستور «لديهم حسن نية»، ويسوقون مبررات تبدو موضوعية للدفاع عن توجههم، ومنها مسألة الحرب على الإرهاب التى تتطلب «توحد الجميع» مع الرئيس ومنحه صلاحيات تضمن عدم تسرب أصحاب الفكر المتطرف إلى المناصب القيادية فى هيئات وسلطات الدولة، لكنهم ينسون أيضاً أن «تقليص المشاركة فى صنع القرار»، وخسارة مزيد من المؤيدين، هو نفسه أحد أسباب عدم الفاعلية فى اجتثاث جذور الإرهاب، بل وتزكية مناخ التطرف و«عدم الانتماء للدولة المصرية»، الذى يتضخم كلما انكمشت المشاركة السياسية والمجتمعية فى اتخاذ القرار، وكلما شعر قطاع عريض من المصريين بالتهميش.

يا سادة.. التاريخ يعلمنا أن سياسة «الدماغ الواحدة» لها نهاية واحدة فى كل الأحوال كارثية، فلا تستمروا فى عنادكم «بحسن نية».