الصحة موت على نفقة الدولة | «صدر الجيزة».. قطط تستوطن العنابر.. ومرضى يعالَجون فى الشارع

الصحة موت على نفقة الدولة | «صدر الجيزة».. قطط تستوطن العنابر.. ومرضى يعالَجون فى الشارع
قطط وكلاب ضالة وقمامة وحشرات تتناثر فى أرجاء المكان.. هذا مشهد معتاد قد تراه فى حدائق الحيوان أو وسط العشوائيات، لكن فى الواقع هو مشهد من داخل أحد المستشفيات الحكومية.
زيارة واحدة لأى مستشفى كفيلة بنقل صورة كاملة عن وضع القطاع الصحى فى مصر. «الوطن» تجولت بمستشفيى صدر الجيزة وناصر العام بشبرا، ورصدت واقعاً تعايش معه المواطن المصرى لعقود من الزمان، وما زال.
عندما تقترب من مستشفى صدر الجيزة ستجد علامة مميزة تحوط أسواره، هى ترعة الزمر الممتلئة بالقمامة والحيوانات النافقة التى تصدر عنها الروائح الكريهة، تقترب من البوابة الرئيسية فلا تجد صعوبة فى الدخول كباقى المستشفيات الحكومية، فلا أحد يسأل عن هوية أى شخص يدخل، والطريق مفتوح، وأناس كثيرون يدخلون ويخرجون، فيقصده الكثير لاحتوائه على أكثر من 700 سرير بالأقسام المختلفة.
يستقبلك فى مشهد غريب، أسفل شجرة بفناء المستشفى، وهو يجلس بوجه شاحب يتدلى من أنفه خرطوم يتصل بأنبوب كبير للتنفس الصناعى. يشعر عم أحمد عبدالله، الرجل السبعينى، بألم شديد لإصابته بأزمة صدرية حادة، جاء إثرها إلى المستشفى كى يسعفه مما يعانيه، صعوبة فى التنفس قد تودى بحياته.
«عشان يدخّلونا غرفة الرعاية المميزة، عايزين ألف جنيه، منين هنجيب ألف جنيه؟».. بهذه الكلمات تحدث حسن، الابن الأصغر لعم أحمد عبدالله، وأضاف: «المستشفى منحنا أنبوبة أكسجين، وقعدنا بره القسم لحد ما ندفع الفلوس بتاعة العلاج المميز، وخيرونا بين إننا نحجزه فى القسم العادى، لكن لو دخل القسم العادى هيموت لأنه مش كويس».
ويستكمل: «أنا أبويا بيقبض 200 جنيه معاش فى الشهر، وإحنا شغالين على باب الله، المفروض إن الحكومة تساعدنا فى المواقف اللى زى دى مش ترمينا فى الشارع وتقولنا اتصرفوا ولما توفروا الفلوس بتاعة العلاج ابقوا تعالوا».
ينقسم المستشفى إلى 3 مبانٍ: العلاج المميز والعيادات الخارجية، ومبنى الأجنحة، وغرف المرضى المحجوزين بالمستشفى.
تتجه إلى غرف المرضى، ترى بداخلها وجوها شاحبة منها من يئن ومنها من تتعالى آهاته، يجلسون على أسرَّة بالية، أكلها الصدأ، حوائط تتساقط من عليها الأتربة، دورات مياه غير آدمية، كادت أسقفها التى يتساقط منها المياه تنهار على من بداخلها، أناس يفترشون الممرات والطرقات داخل المستشفى.
كلما تقترب من أسرة المرضى تشعر أكثر بألمهم ومعاناتهم، فلا أحد لا يشكو من تقصير أو سلبيات. لخصه عم أحمد، أحد المرضى بالمستشفى، قائلا: «حال مصر عامل زى حال المرضى اللى إنت شايفهم دلوقتى، تعبانة محدش عارف يعالجها».
فى الجانب الآخر تجد فى مبنى العلاج المميز أسرَّة آدمية، وممرات وطرقات نظيفة، مرضى يبدو على وجوههم الحياة والراحة، عناية أفضل بكثير من المرضى فى العلاج المجانى.
المشهد الأكثر غرابة داخل المستشفى انتشار القطط والكلاب بداخله، فلا تجد ممرا بين مبانى المستشفى إلا وبه قطط وكلاب تتجول، يبدو عليها ألفة المكان.
بعد صولات وجولات داخل المستشفى قررنا أن نذهب لمديرها د. علاء القناوى، الذى لم ينكر وجود مشاكل وسلبيات عديدة بالمستشفيات الحكومية، مبررا ذلك بنقص الإمكانيات التى تخصصها الدولة من ميزانيتها لصالح القطاع الصحى.
وقال، معلقا على مشكلة القطط والكلاب التى تنتشر بالمستشفى: «والله أنا بدفع فلوس من جيبى الخاص عشان أخلى المستشفى من القطط والكلاب، بس للأسف المستشفى مفتوح من كل الجهات، وهذه كائنات متنقلة قد تجدها فى أى مكان لأنها تأتى على رائحة بواقى الأكل، والمرضى وذووهم يلقون ببقايا الوجبات الحكومية فى الطرقات ومن الشبابيك؛ لذا تأتى القطط».
وأضاف: «الدولة الآن فى وضع اقتصادى صعب، ورغم ذلك توفر بعض العلاج، والأسرَّة والوجبات، بجانب الأطباء، لكن أغلب الدول التى تحترم آدمية مواطنيها تستقطع ما لا يقل عن 12% من الدخل القومى لصالح القطاع الصحى، ونحن لا نطالب بأكثر من 8% على الأقل فى الفترة المقبلة، كى نستطيع أن نشترى أجهزة متقدمة، ونوفر كل أنواع العلاج، ونجدد المبانى وغرف المرضى».
لم يكن مستشفى ناصر العام بشبرا أفضل حالا من مستشفى صدر الجيزة، فكلاهما يشترك فى صفات عديدة، لكن ما فوجئنا به، منذ دخولنا من الباب الرئيسى المفتوح للقاصى والدانى دون أى حراسة، وجود مشاجرة بين أحد ذوى المرضى وأحد الأطباء، تحطم إثرها أحد أبواب غرف المستشفى.
«إحنا بنشتغل رغم إن الأسلحة البيضاء والسنج والمطاوى بتكون موضوعة على رقابنا أثناء العمل».. بهذا الحديث شكى د. عاصم راشد، إخصائى جراحة بالمستشفى، وأضاف: «المستشفى غير مؤمن، وممكن أى حد يدخله ويسرقه أو يكسره بسهولة، والأطباء كلهم غير مؤمّنين وأرواحهم معرضة للخطر».
جولة صغيرة داخل أروقة المستشفى الذى جُدد جزء به كشفت لنا عن مشاهد أخرى؛ فالنفايات الطبية ملقاة داخل أسواره وتنتشر بالأرجاء، ومياه الصرف الصحى تغرق فناءه الواسع، وملابس وفرش الأسرة «منشورة» على حبال غسيل بغرفة انتظار المرضى.
الأطباء محبطون، ويعملون بروح معنوية منخفضة، وغير راضين عن طبيعة العمل فى مستشفى ناصر أو غيره من المستشفيات الحكومية.
د. هدى حبيب، إخصائية أطفال، قالت: إن المريض لا يحصل على حقة فى الكشف؛ لأن المستشفى يستقبل فى اليوم أكثر من 200 حالة، لا يستطيع الأطباء أن يواصلوا العمل بإتقان وبدقة على الـ200 مريض، بل يأتى وقت على الطبيب ويصل إلى حالة إرهاق صعبة.
وأرجعت الطبيبة ذلك لسوء التوزيع الجغرافى للأطباء، وعدم تحديد الأماكن التى تلقى إقبالا كبيرا من المرضى وإمدادها بالأطباء وتوسعة طاقتها الاستيعابية للكشف والعلاج.
أخبار متعلقة:
سيدى الرئيس القادم.. الصحة موت على نفقة الدولة
«معهد الأورام».. مرض خبيث فى منظومة الصحة
مستشفيات المنيا الحكومية خارج الخدمة.. وكل شىء فى المستوصفات بـ«البركة»
استقبال الزقازيق.. الموت البطىء فى مستشفى الحكومة
«كفر الزيات العام».. علاج بالنهار.. ومخدرات بالليل
«الدقهلية» عاصمة الطب سابقا.. أهلها مرضى بالالتهاب الكبدى والفشل الكلوى
«التل الكبير» عناية مركزة بـ«بلطجية» .. وطبيبة: خدمات الحكومة الطبية «أكذوبة»