تاريخ «الكاتدرائية» والقصر الجمهورى

كتب: مصطفى رحومة

تاريخ «الكاتدرائية» والقصر الجمهورى

تاريخ «الكاتدرائية» والقصر الجمهورى

تنوعت علاقة الكنيسة والقصر الجمهورى، ما بين الود والفتور والقطيعة والوئام، وهى العلاقة التى انعكست على المعاملات بين رأس الكنيسة ممثلة فى البابا وبين الرئيس، وبالتالى كان لها مردود فى تعامل الدولة مع الأقباط بالتبعية.

فعقب ثورة 23 يوليو 1952 تذبذبت العلاقات بين الكنيسة وحركة الضباط الأحرار أو مجلس قيادة الثورة، بعد أن دفعت القرارات الثورية إلى هجرة العديد من الأقباط، الذين كانوا يتمتعون بعلاقات كبيرة فى مصر، إلى الخارج؛ خوفاً من قرارات محاربة الإقطاع والتأميم، كما وضعت الدولة يدها على الأوقاف الكنسية التى كانت تعتبر مصدراً كبيراً لدخل الكنيسة فى هذا الوقت، وما لبثت تلك العلاقة أن عادت بصداقة ووئام تمثلت فى الرئيس جمال عبدالناصر والبابا كيرلس السادس، حتى إن الرئيس عبدالناصر ساهم فى بناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بل قدم منحاً للكنيسة فى ذلك الوقت لدفع مرتبات العاملين بها بعد أن عجزت عن توفيرها فى ذلك الوقت.

{long_qoute_1}

وارتبط تغيير رأس الدولة فى بداية سبعينات القرن الماضى بوفاة الرئيس جمال عبدالناصر، مع تغيير رأس الكنيسة برحيل البابا كيرلس السادس، ليصعد الرئيس أنور السادات والبابا شنودة الثالث إلى رأس السلطة والكنيسة على التوالى، وهو الصعود الذى حمل معه تغييراً فى العلاقات الوطيدة التى ربطت المقر البابوى والقصر الجمهورى، وبدأ فصل جديد من التوتر بعد حوادث العنف الطائفى التى شهدتها مصر والتصعيد من قبل البابا شنودة، وأقباط المهجر الذين نظموا مظاهرات مناهضة للرئيس فى زيارته إلى الولايات المتحدة، وبلغ الصدام ذروته مع سعى السلطة لتطبيق الشريعة الإسلامية فى مصر وهو ما رفضته الكنيسة عبر اجتماعات المجمع المقدس للكنيسة برئاسة البابا شنودة، لينتهى الصدام باعتقال الرئيس السادات للبابا شنودة داخل دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون وعزله من مهامه البابوية لأنه كان يرى فيه السعى للزعامة السياسية للأقباط وليس التعامل كرجل دين، وتعيين لجنة مجمعية لإدارة الكنيسة، وهو العزل الذى انتهى بوفاة الرئيس السادات خلال حادث المنصة الشهير، ليعود البابا شنودة للكرسى البابوى مع تولى الرئيس حسنى مبارك زمام السلطة فى مصر، وتعلم مبارك من سلفه السادات قواعد التعامل مع الأقباط والكنيسة، فحصر الأقباط فى الكنيسة، وفتحت الكنيسة أبوابها لتظاهر الأقباط داخلها، وتعامل النظام معهم بالعصا والجزرة، لتتميز العلاقة فى تلك الفترة بالهدوء والتفاهم، ولكن عزلت الأقباط داخل أسوار الكنيسة بسبب فزاعة الجماعات الإسلامية وقتها، وخضعت الكنيسة بشكل كبير فى تلك الفترة للنظام الحاكم حتى إن أساقفة الكنيسة كانوا لا يمانعون فى الإعلان صراحة عن تأييد توريث الحكم لجمال مبارك.

وعقب ثورة 25 يناير، خرج الأقباط من عزلتهم وكسروا حاجز الخوف وظهرت مظاهرات الأقباط فى الشوارع وخارج أسوار الكاتدرائية المرقسية بالعباسية واندمج الأقباط مع باقى عناصر المجتمع المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ومسكت الكنيسة العصا من المنتصف، القيادة ممثلة فى البابا شنودة المريض وقتها تُهادن السلطة، وبعض أساقفة الكنيسة -مثل الأنبا موسى أسقف الشباب- يرحبون بالثورة والتغيير، وحدث الصدام بين الأقباط والكنيسة مع قيادات المجلس العسكرى عقب حادث ماسبيرو الشهير.

{long_qoute_2}

ومع صعود الإخوان للسلطة ممثلة فى الرئيس الأسبق محمد مرسى، وصل للكرسى البابوى البابا تواضروس الثانى، الذى بدأ عهده بمعاداة سياسة الإخوان بالانسحاب من اللجنة التأسيسية لدستور 2012، إلا أنه بعد يومين من تجليسه على الكرسى البابوى قام البابا بزيارة «مرسى» فى قصر الاتحادية طبقاً للبروتوكول على رأس وفد كنسى كبير لشكره على القرار الجمهورى بتنصيبه وتقديم العزاء له فى وفاة شقيقته، إلا أن الأمور تدهورت بشكل كبير وحدث الاعتداء لأول مرة على المقر البابوى فى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية خلال أحداث جنازة ضحايا الحادث الطائفى الذى وقع بمنطقة الخصوص فى القاهرة خلال خروجها، ليصدر المجلس الملى العام بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية بياناً غير مسبوق ألقى خلاله بالمسئولية على الرئيس والدولة تجاه العنف الذى جرى أمام الكاتدرائية، وندد بسكوتهما على ما وصفه بالتواطؤ المشبوه لبعض العاملين بأجهزة الدولة التنفيذية تجاه حماية أبناء الوطن وممتلكاتهم ودور عبادتهم.

ومع تولى الرئيس عدلى منصور رئاسة الدولة فى الفترة الانتقالية، توطدت العلاقات بين الكنيسة والقصر، بل وصلت لأوجها بعودة زيارة الرئيس إلى المقر البابوى فى الكاتدرائية للتهنئة بعيد الميلاد، عقب الزيارة التاريخية الأولى فى عهد الرئيس الأسبق محمد نجيب عقب ثورة 23 يوليو، والتى ردتها الكنيسة بدعم الدولة وتحمل ما تعرضت له الكنيسة والأقباط من ويلات واعتداءات من قبل تنظيم الإخوان وأنصارهم وأكبرها كان الاعتداء على الكنائس عقب فض اعتصامى التنظيم وأنصاره فى رابعة العدوية ونهضة مصر فى 14 أغسطس 2013، ومرت الدولة بالفترة الانتقالية وتحملت الكنيسة، بل دعمت لجنة الخمسين لإعداد دستور 2014، وخرج البابا يحث الجميع للتصويت بـ«نعم» للدستور عبر مقاله الشهير الذى نشر فى صحيفة «الأهرام» تحت عنوان: «نعم تزيد النعم»، وعقب انتهاء فترة المستشار عدلى منصور أقامت له الكنيسة حفلاً كبيراً داخل المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى بالكاتدرائية لتكريمه وإهدائه درع الكنيسة.{left_qoute_1}

أما العلاقة بين البابا تواضروس الثانى والرئيس عبدالفتاح السيسى فقد كانت علاقة استثنائية وفريدة طوال تاريخ مصر، تمثلت فى الباب المفتوح بين البابا والرئيس، كان التعرف الأول بين البابا والرئيس حينما كان وزيراً للدفاع، حيث التقيا لأول مرة خلال بيان 3 يوليو 2013، وتوالت اللقاءات خلال الأعياد، ثم زار البابا على رأس وفد كنسى المشير عبدالفتاح السيسى وقتها فى 2014 داخل مقر وزارة الدفاع لإعلان دعمه وتأييد الكنيسة لترشحه للرئاسة، وعقب فوزه بالمنصب، ترجم الدعم إلى أمر واقع، ولم يسمح البابا لأى شىء أن يعكر تلك العلاقة، كما كان الرئيس عند حسن ظن الكنيسة به فعقب حادث ذبح الأقباط المصريين فى ليبيا على يد تنظيم داعش جاء رد الرئيس سريعاً بقصف مقرات التنظيم الإرهابى قبل تلقى العزاء فيهم، وأمر ببناء كنيسة فى مسقط رأسهم بالمنيا تحمل اسم كنيسة شهداء الإيمان لتخليد ذكراهم، وعملت الكنيسة على دعم الدولة خلال الأزمات التى تعرضت لها، وسعى البابا عبر زياراته للخارج لطلب الدعم الدولى لمصر والتبشير بمستقبلها وبالمشروعات الكبرى التى يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسى، حتى حادث الكنيسة البطرسية فى العباسية الإرهابى، لم يدعه البابا لتشويه العلاقة بين الكنيسة والرئاسة وفوّت الفرصة تلو الأخرى على أعداء الوطن والمتآمرين عليه فى استغلال أى حادث طائفى لضرب نسيج الوطن الواحد.

وقال الكاتب والباحث القبطى نجاح بولس، لـ«الوطن»، إن العلاقة بين الكنيسة والرئاسة حُكمت بعدة معايير وتتحكم فيها أحداث كل مرحلة، وهو الأمر الذى انعكس على علاقة الدولة بالأقباط بالتبعية ما بين الإيجابى والسلبى. وأضاف «بولس» أن العلاقة بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والبابا كيرلس السادس شهدت تقارباً ملحوظاً، كان من ثماره بناء مبنى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

وتابع «بولس»: «ثم جاء البابا شنودة الثالث بعد مرور عام من حكم السادات وكانت العلاقة بينهما جيدة فى البداية حتى جاءت الخلافات السياسية حول بعض الأحداث التى كان بعضها داخلياً مثل أحداث الزاوية الحمراء وأخرى خارجية مثل موقف البابا المعارض لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وكانت سبباً فى اتخاذ السادات قراراً بتحديد إقامة البابا بدير الأنبا بيشوى بوادى النطرون».

{long_qoute_3}

وجاء مبارك للحكم باتجاهات لا تقل سلبية تجاه بابا الأقباط، حتى إنه تركه فى منفاه لمدة قاربت على أربع سنوات، قبل أن يتم إعادته للمقر البابوى بشروط غير معلنة، لتظل العلاقة بين مبارك والبابا متذبذبة، وقد كانت العلاقات المتوترة آخر ما صار بينهما إثر أحداث العمرانية فى نوفمبر ٢٠١٠ أعقبها حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية فى رأس السنة عام 2011 الذى اتهم الأقباط مبارك ونظامه بالقيام به بسبب توتر العلاقات مع الكنيسة.

وتابع «بولس»: «أن فترة حكم الإخوان شهدت أكثر فترات التوتر بين الكنيسة والدولة، وبعد مشاركة الأقباط الكثيفة فى ثورة ٣٠ يونيو، وموقف الكنيسة الوطنى بعد حرق الكنائس فى أغسطس 2013، تميّزت العلاقة بين البابا تواضروس والرئيسين عدلى منصور وعبدالفتاح السيسى.

 


مواضيع متعلقة