حمامة السلام الذبيحة

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

ما الذى تبقى فى ذاكرتنا من «القضية الفلسطينية».. صوت «جوليا بطرس» معانا (وين الملايين.. الغضب العربى وين.. الدم العربى).. أم بيت شعر تاه بين أوجاعنا الوطنية لـ«محمود درويش» (لم نتقن سوى مرثية الوطن سننزعها معاً فى صدر جيتار وفوق سطوح نكبتنا، سنعزفها لأقمار مشوهة.. وأحجار ولكنىّ نسيت.. نسيت يا مجهولة الصوت رحيلك أصدأ الجيتار.. أم صمتى)؟!

أم ترانا اختزلنا «فلسطين» فى ذنوب حركة «حماس»، فأصبحت هى مركز تصدير الإرهاب، وكل من يحمل جنسيتها (إرهابى حتى إشعار آخر)؟!

أم أننا صرنا منكفئين على جراحنا لا نرى أبعد من أقدامنا: (ورطنا «جمال» بالذهاب إلى اليمن، لن نتدخل سعيداً كان أم تعيساً، لن نقترب من «ليبيا»؛ يكفى ملايين العائدين منها سيراً على الأشواك، فلتذهب حضارة «العراق» إلى الجحيم ألم يأكل «صدام» شقاء المصريين وعرقهم)؟!

كل ما يشغلنا الآن سعر السكر والأرز، ورحلة الموت بحثاً عن الدواء، ومناوشات «التوك شو»، وشائعات رفت الموظفين وسحب بطاقات التموين من الفقراء.. إلخ الهم المربوط على قلوبنا.

نحن لم نعد كما كنا، لسنا عرباً بالمعنى الحرفى للكلمة: (قطر تحاربنا، والسعودية تعادينا حتى فى مياه النيل، و«داعش» تدهس العروبة فى كل البلدان).. نحن «موازييك»: فراعنة على عرب، لكننا رغم اختلافنا لدينا رغبة جارفة فى الهروب الجماعى، ربما نحمل «هوية» إحدى دول العالم الأول، ومن هناك نهاجم «رُكّاب الجِمال» ونلعن النفط وأقطاره، ونصبح أكثر عنصرية ممن منحنا «الجنسية» فندافع عن «أرض الميعاد» ونؤيد «الاستيطان»!!

لكننا لن نصبح بهذا القبح.. فسحب مشروع مصر من مجلس الأمن بشأن الاستيطان لا يعنى أننا بعنا القضية، لقد سددنا ثمن القضية الفلسطينية من دماء شهدائنا.

مصر لم تشترِ ود الرئيس الأمريكى المنتخب «دونالد ترامب» بسحب القرار، فقد سبق أن أصدر مجلس الأمن عدة قرارات أقوى فى صياغتها، وأكثر حماية للحقوق الفلسطينية من مشروع القرار الذى أيدته مصر، لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من تجاهلها وانتهاكها على مرأى ومسمع من القوى الدولية الرئيسية، وفى مقدمتها الإدارة الأمريكية.

بل إن مصر تمهل الإدارة الأمريكية الجديدة وتمنحها فرصة للتعامل بشكل متكامل مع كل أبعاد القضية الفلسطينية بهدف تحقيق تسوية شاملة ونهائية لهذه القضية.. فالاستيطان «جزء» من القضية وهناك أبعاد أخرى أهمها «حق العودة» ومشكلة «القدس» وهى قلب القضية الفلسطينية، ولا بد من حلها جميعاً.

نحن نريد «دولة فلسطينية» كاملة السيادة، وليس مجرد «مطار وعلم ورئيس شكلى».. نريد «العدل» قبل أن تصبح «القدس» صهيونية خالصة.

لقد وافقت مصر على قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان فى الأراضى الفلسطينية ومطالبة إسرائيل بوقفه فوراً ووقف التوسعات التى تجريها إسرائيل فى القدس والضفة الغربية، لكن القرار يفتقد إلى آليات لتنفيذه، وهو نفسه ما كان سيحدث للقرار المصرى الذى تم سحبه، فيصبح الأمر مجرد مزايدة سياسية وعنترية فارغة.. فقرارات مجلس الأمن مجرد حبر على ورق، ما دامت تتعلق بإسرائيل، وهناك 160 قراراً لم يُنفذ منها واحد، وهى تحتاج إلى استخدام القوة الجبرية لتحقيقها.. لكن لا أحد يستطيع أن يجبر إسرائيل!

فرئيس حكومة الاحتلال الصهيونى، «بنيامين نتنياهو» أكد أن سلطات الاحتلال لن تمتثل لقرار مجلس الأمن.. أما «ترامب» الذى وعد -خلال حملته الانتخابية- بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، فهو الآن فى مأزق أمام «المدللة» إسرائيل لأن أمريكا لم تستخدم حق «الفيتو» لوقف القرار رغم أنه صرح بأن «إدانة الاستيطان» تجعل السلام أكثر صعوبة!!

وفى قلب هذا الارتباك الدولى يزداد الموقف تعقيداً بوجود دولتين فلسطينيتين: (دولة أبومازن ودولة هنية).. وهى الفرصة الذهبية لإسرائيل لتشطب «فلسطين» من على الخريطة.. فرصة يدفع ثمنها «شعب» لا حول له ولا قوة سواء اختار: «شرعية أبومازن» أو «وهم مقاومة هنية» وكأنه اختار ما بين الموت مقتولاً أو منتحراً!

ومن هناك من قلب فلسطين النازف، يأتينا صوت الشعب الأعزل والمعزول، متغنياً بجرحه: أنا مصدر الإلهام لكل شاعر عربى تغنى بجرحى.. وتركنى نازفاً فى زحام «التصفيق».. أنا غصن الزيتون الذابل.. وحمامة السلام الذبيحة تحت أقدام القادة العرب.. أنا من يمنحهم «نوبل للسلام».. ويطلق حناجرهم على شاشة التلفاز.

أنا «ورقة المساومة» الوحيدة فى يد تجار الأوطان.. لكنهم باعونى بالبخس مقابل نزواتهم السياسية.

فلسطينى أنا.. أى «مشروع شهيد».. لا أطلب من العالم الذى يتحدث باسمى، ويقبض ثمن تشريدى إلا العودة لقبر مفتوح دائماً.. يسمونه «فلسطين» أو منطقة الحكم الذاتى!