تقسيم المنطقة.. وتقسيم الرغيف!

محمد الشيخ

محمد الشيخ

كاتب صحفي

لا يخفى على أحد الآن ما يجتاح المنطقة العربية، خصوصاً، ومنطقة الشرق الأوسط، عموماً، من مخططات، احتضنتها قديماً أوراق الكتب والتقارير الصادرة عن مؤسسات صناعة القرار فى الغرب، وأصبحت منذ عدة سنين قيد التنفيذ على أرض الواقع. اتفاقية «سايكس بيكو» ليست منا ببعيد. أجدادنا كانوا يسمعون ما تتضمنه هذه الاتفاقية ويضحكون، تماماً مثلما ضحك الأبناء والأحفاد على ما كانوا يقرؤونه أو يسمعون عنه من مخططات تم وضعها وتنفذ بأعلى درجات الحرفية بهدف تقسيم المنطقة التى نعيش فيها. الضحكات الآن تتحول إلى صراخ والكل يرى بعينيه كيف قفزت المأساة من فوق الورق، لترسم صورة الواقع.

زمان كنا نتأمل خريطة الوطن العربى الكبير الممتد من المحيط للخليج على علب الأدوات الهندسية. كان النظر إليها يمنحنا نوعاً من الإحساس بالدفء والطمأنينة، الآن لنا أن نسأل كيف سيكون شكل هذه الخريطة إذا تم رسمها طبقاً للواقع هذه الأيام، ثم كيف يكون شكلها لو رسمناها فى المستقبل القريب. انظر إلى سوريا وما يحدث فيها، وما قد ينتهى إليه أمرها بالتقسيم وتمزيق لحمها بين الأطراف المتصارعة من داخل وخارج هذا البلد. سيناريو تقسيم سوريا قائم وبقوة. تأمل بعد ذلك الوضع فى العراق التى تنزف منذ الحصار المشئوم فى تسعينات القرن الماضى، والتى اكتملت حلقاته الجهنمية مع الغزو الأنجلو أمريكى لأراضيها عام 2003. الولايات المتحدة الأمريكية بررت غزوها للعراق بحجة الأسلحة النووية، لكن الكل كان يعلم أنها ذهبت بقواتها إلى هناك من أجل نهب النفط، وزرع الفتن فى المنطقة. انظر أيضاً إلى اليمن والصراعات بين قوات على صالح المدعوم ببقايا الجيش اليمنى من ناحية، وميليشيات الحوثيين من ناحية أخرى، وقوات التحالف العربى الذى تقوده المملكة العربية السعودية، ثم حدثنى عن مستقبل اليمن السعيد!. راقب ما يحدث فى ليبيا الخضراء التى أصبحت لوغاريتم يصعب حله بين داعش وحفتر ولواءات ما يعرف بالثورة.

مخطط التقسيم الآن على بعد خطوات من التنفيذ فعلاً، ومع هذا التقسيم المحتمل، نجد نوعاً آخر من التقسيم قائماً بالفعل، وهو تقسيم لقمة العيش بين المصريين، تجده تارة فى رحلة بحث عن كيلو سكر، وتارة فى رحلة السعى للحصول على علبة لبن لطفل ليس له ذنب، وتارة أخرى فى معركة هروب من تطعيمات مسممة لأطفالنا فى المدارس، وتارة رابعة بين جثث لشبابنا، وهم غرقى فى البحر، هروباً من واقعهم الأليم. تقسيم الدول يكون بأيدى أعدائنا، أما تقسيم الأقوات فى بلادنا، فيتم بأيدى الجميع: الحكومة التى تقوم بواجبها على أكمل وجه فى طحن المواطن الغلبان، ليس هذا فقط، بل تطالبه بعدم الشكوى، والمحتكر الذى يتحكم فى السعر ضارباً بظروف البلاد عرض الحائط، والتاجر الذى يخزن السلع ليضارب بعد ذلك على أسعارها، والمواطن الذى يندفع إلى أخذ ما تطوله يداه، تحسباً لموجات غلاء أكبر قد تجتاح الحياة. الكل يساهم بنسبة أو بأخرى فى تسميم الحياة داخل هذا البلد، بصورة تدفعنا إلى التساؤل عما حدث للمصريين، الذين سادتهم الأنانية والرغبة فى الاستحواذ، حتى ولو كان على حساب الغير، بعد زمان كانوا يقتسمون فيه اللقمة فيما بينهم، وكانت الحكومة فيها ترعى المواطن الفقير قبل الغنى، والكل يعيش فى ظل حالة رفيعة من «التكافل». التكافل كان أصل تماسك المصريين، فهل يكون الاحتكار والاستئثار أصل تفككهم؟!.