مبارك.. ماذا لو؟

لست من هؤلاء الذين يتخذون مواقف حادة ومتطرفة حيال الرجال والأفكار، وهو أمر يجعل الانخراط فى مقاربة الشئون العامة فى مصر حالياً، محفوفاً بالمخاطر.

أعصاب الجمهور متوترة، والضغوط كبيرة، والعواطف تلعب دوراً جوهرياً فى إصدار الأحكام، والتمترس فى الخنادق الفكرية، وخلف المتاريس السياسية، يخنق النقاشات، ويحولها إلى تقارع بـ«اليقين»، ومبارزة بـ«الأحكام القاطعة» التى لا يأتيها الباطل.

سيأخذ النقاش العام المفتوح البعض إلى أحكام نهائية بأن «هذا خائن»، و«ذاك عميل»، و«صاحب هذا الرأى جاهل»، و«من يقول كذا مغرض»، و«من فعل كذا كافر»، وغيرها من الممارسات التى يمكن أن تقتل حالة النقاش، وتحولها إلى معركة متأججة النيران، وتحرمها من فرصة الوصول إلى فكرة منطقية، أو بلورة رأى موضوعى، أو تحليل الأطروحات ونقدها بتوازن وجدية.

فى الأيام الفائتة، كنا نحتفل بذكرى النصر المجيد فى أكتوبر.. تلك الأيام تأتى كل عام لتستحضر اليقين الغائب، وتحسن فكرتنا عن أنفسنا، وتذكرنا بفخرنا المستحق، وربما تنجح أحياناً فى أن تجعل بعضنا يتسامح مع «الآخرين» فكرياً وسياسياً.

لهذا يبدو لى أن الرئيس الأسبق حسنى مبارك ينتظر تلك الأيام كل عام بفارغ صبر، لعل اسمه يرد هنا أو هناك، مقترناً بما يُعتقد أنه «أفضل ما فعله فى حياته»، بدلاً من أن يرد، كما اعتدنا فى السنوات الخمس الفائتة، ضمن أخبار المحاكمات، وتداعيات المرض، وذكريات التوريث المشينة، و«الفساد والتردى» الذى ورثناه من عهده.

فى اعتقادى أن الرجل يريد لتلك الأيام أن تطول، حتى تستغرق العام كله، ففيها ستنشر صورته أحياناً بين القادة الذين خططوا للحرب وخاضوها، أو سيرد اسمه مقترناً بأنه كان قائداً لسلاح الجو خلال المعركة، وستصبح قدرة أنصاره أكبر على الدفاع عنه، ورفع صورته، وتقديم التحية له من خلف أسوار المستشفى التى يُعالج فيها، ونشر «البوستات» المؤيدة لسياساته، والتذكير بـ«إنجازاته»، وغيرها من الأشياء التى بات يتوسلها ويرجوها، ربما أكثر من الحياة نفسها.

وفى اعتقادى أيضاً أن مبارك لم يكن أسوأ من حكم مصر على مدى تاريخها الغارق فى فساد الحكم واستبداده، وأن «أكتوبر» لحظة إشراق زاهرة فى مسيرة خدمته تُحسب له، وأن دأبه وانتظامه فى الخدمة العامة جديران بالإعجاب، وأنه تمتع أيضاً بثبات ومجالدة نادرين، وأن احترامه للمؤسسات الوطنية، ومثوله، ونجليه، أمام القضاء، ورفضه الهرب من مصر، واتزانه فى مخاطبة العموم، بل وأيضاً بقاءه حياً حتى تلك اللحظة.. كلها أمور تستحق الإعجاب.

وفى المقابل، يبدو لى مبارك مسئولاً تماماً عن ضياع فرصة تاريخية على هذا البلد، وأنه «جرف الحجر والبشر» بدأب وإرادة، وأرسى دعائم للفساد أعتى من تلك التى بُنيت بها الأهرامات، والأخطر من ذلك، والأفدح ثمناً، أنه أورثنا تركة «خربة»، مادياً وإنسانياً، تركتنا نرجو الإصلاح ولا نقدر عليه، وجردت الغالبية فينا من قيم وسمات، لا تُرجى لأمة مكانة بغيرها، كما زرع البلادة.. وبدد الأمل.

لا يهدف هذا المقال إلى تشريح شخصية مبارك ونقدها، ولا حتى إلى مقاربة اللحظة التى يرد فيها اسمه مقترناً بنصر أكتوبر، ولا بالطبع استنفار مشاعر أنصاره وخصومه، للانخراط فى جولة جديدة من الصراع المفتوح بشأنه.

لكن بحثاً مميزاً، تصادف أننى أنهيت قراءته للتو، دفعنى إلى التساؤل عما كان يمكن أن يجنب مبارك هذه النهاية السوداء، التى لا تليق بأحد من هؤلاء الذين صنعوا النصر المجيد؟

البحث عنوانه «ماذا لو؟»? What If، وفكرته عبارة عن مغامرة فكرية، توافرت لها الأساليب العلمية والأسانيد المنهجية، التى يمكن أن تنقلها إلى خانة البحث العلمى، لتستقر فيها باطمئنان وثقة.

يفترض البحث أن هتلر انتصر فى الحرب العالمية الثانية، وأخضع الحلفاء لإرادته، مستخدماً اقتراباً بحثياً يُدعى «التاريخ البديل»، أو «كونتر فاكتوال» Counterfactual.

تقوم فكرة «التاريخ البديل» على افتراض أن حدثاً ما وقع فى «التاريخ كما نعرفه» لم يحدث، ثم يتم بناء وقائع «تاريخ بديل» استناداً إلى المعطيات المفترضة.

تفيد تلك التقنية المنهجية كثيراً فى تنشيط المهارات البحثية، لكن الأهم من ذلك أنها تُعد بمنزلة محاكمة لبعض القرارات وأنماط الأداء التى صدرت عن الفاعلين السياسيين.

لقد طرحت السؤال التالى، تأسياً بمقاربة «التاريخ البديل»: ماذا لو تخلى مبارك عن الحكم، غداة وفاة حفيده محمد، من دون أن يورث نجله جمال الرئاسة، عبر عملية تستوفى الاستحقاقات الدستورية لنقل السلطة؟

بحسب ما يفيد الباحثون المهتمون بمقاربة «التاريخ البديل»، فإن طرح الفرضية التى تبدأ بالعبارة «ماذا لو؟»، ليس عملاً من أعمال الأدب أو الخيال، بقدر ما هو عمل متسق منهجياً مع اعتبارات محددة، يمكن أن توضح الخيارات التى تظهر أمام الحاكم أو صاحب القرار فى وقت معين، كما تبرز قدرته على اختيار الأفضل منها.

فى تلك الأثناء، كان مبارك فى مطلع العقد التاسع من عمره، حيث بدأت صحته فى التدهور، وتراجعت قدرته على النهوض بمهامه بدرجة ملموسة.

وقد تسبب الموت المفاجئ لحفيده المقرب إلى قلبه فى صدمة مروعة له، جعلت المقربين منه يؤكدون أنها جعلته أكثر زهداً فى الكثير من الأشياء التى تعلق بها، وعلى رأسها السلطة المطلقة بطبيعة الحال.

يفترض «المسار البديل» إذن أن مبارك أيقن أن السلطة ليست كل شىء فى الحياة، وأن نحو ثلاثة عقود أمضاها فى الحكم فترة كافية يمكن بعدها الخلود إلى الراحة، وأن ذلك التوقيت بالذات سيكون مثالياً لاتخاذ مثل هذا القرار، لأن الشفقة على الرئيس المكلوم كانت فى أوجها فى هذه الفترة، حتى هؤلاء الذين عارضوه أو ناصبوه العداء، أظهروا تعاطفاً معه، أو على الأقل لم يكن باستطاعتهم أن يشمتوا أو يُجرّحوا فى القرار.

ليس هذا فقط، لكن مبارك الذى صدمته المحنة، وجعلته يحزم أمره ويقرر عدم توريث نجله جمال السلطة، كما هو مفترض، بات أكثر رغبة فى أن تخرج أسرته من هذا المعترك الصعب والشائك، بعدما فقدت الحفيد الغالى.

كان مبارك سيحظى بما عزّ عليه لاحقاً: خروج آمن.

بل كان سيحظى بما لا يخطر الآن على باله: حماية لسيرته واعتراف بمكانته.

والأهم من ذلك بطبيعة الحال: لم يُحاكم، أو تُلطخ سمعته، أو يُسجن، أو يضطر للنضال ليثبت أنه ليس قاتلاً أو لصاً.

كان مبارك سيحظى، فى مثل هذه الأيام، بتقدير يليق ببطل من أبطال أكتوبر، وكانت غالبية المصريين ستفضل أن تنسى ما سبق أن أشرنا إليه من «زرع الفساد، وتجريف الحجر والبشر، وتبديد الأمل»، على الأرجح.

أن تخفق فى مسيرتك كحاكم إشكال، وأن تصر على التعلق بالسلطة حتى آخر نفس إشكال أكبر.

هذا الدرس فات مبارك للأسف، وهو يدفع الثمن، ونحن معه، كل يوم.