سيناريوهات الانتخابات البرلمانية فى المغرب

وفاء صندى

وفاء صندى

كاتب صحفي

أسابيع قليلة تفصل المغرب عن ثانى الانتخابات التشريعية بعد دستور 2011 الذى قلّص من امتيازات الملك ومنح صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة الذى أصبح يعيَّن من الحزب الذى يتصدر نتائج الانتخابات، ليقوم بعد ذلك بتشكيل ائتلاف حكومى، ما دام النظام الانتخابى فى المغرب لا يمكن أن يُفرز حزباً واحداً قادراً على تشكيل الحكومة بمفرده.

ولأن لا لغة تدوم فى السياسة إلا لغة المصالح، فإن السيناريوهات المحتملة هى: فى حال تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، فإن التحالف الحكومى سيتكون من الحزب المذكور بالإضافة إلى حزب الاستقلال والتجمع الوطنى للأحرار والاتحاد الدستورى وربما الاتحاد الاشتراكى. أما إذا تصدرت «العدالة والتنمية» الانتخابات فمن الممكن أن تتحالف مع أحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية أو التجمع الوطنى للأحرار.

ومختلف هذه التحالفات ينذر بموعد سياسى ساخن ينتظر المغرب وبدأت رائحته تتصاعد من الآن، بعدما اشتدت نار التصريحات بين الأحزاب السياسية، وخصوصاً الحزبين المرشحين للفوز بهذا الاستحقاق، وهما حزب العدالة والتنمية، العازف على وتر الدين، والذى يقود الحكومة الحالية والذى يطمع فى تأكيد شعبيته ونجاح تجربته من خلال كسب رهان المعركة الانتخابية المقبلة والحصول على أغلبية تخوله قيادة التحالف الحكومى المقبل، وحزب الأصالة والمعاصرة الذى يلعب بورقة الحداثة.

وإذا كانت المعارضة قد نجحت خلال الفترة الماضية فى تعرية العمل الحكومى، من خلال الانتقاد المستمر لقراراته وقرارات رئيس الحكومة، التى جاءت غير شعبية فى مجملها. فإن رئيس الحكومة فى المقابل لم يمل من الحديث عن «تماسيح» و«عفاريت» تستهدف تجربته وتعرقل مسيرته، موجهاً مدفعيته دائماً لكل من ينتقد أو يناقض مشروعه السياسى، سواء تعلق الأمر بسياسيين أو إعلاميين أو غيرهم، أو كل من يراقب فعله السياسى، معتبراً أن الجميع يسعى إلى إفشال تجربته، التى كانت محصلتها الأخيرة متواضعة بالنظر إلى حجم النمو الذى وعدت الحكومة أن يصل إلى 7٪، ولم يحقق بالنهاية سوى 2.9٪، وانحدر فى آخر سنة إلى 1.6٪، بينما وصل مستوى المديونية إلى أزيد من 81٪ من الناتج الوطنى الخام، بنسبة فائدة تصل إلى 27% (إحدى أعلى نسب الفائدة عالمياً).

والنتيجة أن المغرب عاش خلال الولاية الحكومية الحالية فصولاً شرسة من التنافس الذى تحول إلى نوع من التهريج السياسى بين مختلف الفاعلين السياسيين الذين تخلوا على لغة السياسة الراقية ولبسوا قبعة الشعبوية، واختاروا التراشق بالكلمات تحت قبة البرلمان، بدل الارتقاء بالعمل السياسى، مما أفقد التجربة «الاستثنائية» المغربية تميزها الذى اختاره صنّاع التغيير فى 2011

أما الحكومة التى جاءت حاملة شعار «محاربة الفساد وخدمة المواطن»، فقد أجمع المواطنون والخبراء على أن حال المغرب قبل 25 نوفمبر 2011 ليس كحاله اليوم، وأن المعيش اليومى للمغاربة عرف تغييرات جذرية كان لها أثر واضح على البنية السوسيو-اقتصادية للمجتمع المغربى.

انتكاسة تهدد الممارسة السياسية فى المغرب بعدما بات واضحاً اقتراب المواطن من اختيار العزوف كقرار عقابى للرد على تطاحنات الأحزاب، خصوصاً أنه لم يقدم سوى نصف مليون مغربى، من مجموع 33 مليون نسمة، طلبات التسجيل فى اللوائح الانتخابية العامة. وهذه النسبة الضعيفة تعبر عن مدى استياء الناخب من كلا المعسكرين داخل المشهد السياسى، بعدما انحدر الخطاب السياسى، وتحول العمل السياسى إلى مسرحية تابع الشعب فصولها المختلفة باستياء.

حرب الأحزاب فى حشد الجماهير، خلال الفترة الأخيرة، أدت إلى غضب شعبى سيقود إلى حالة عزوف جماعية، بعدما حاول كل حزب، بطريقة عشوائية، إقناع الرأى العام بأطروحته ومشروعه السياسى.

والأمل فى أن يتدارك السياسيون أخطاءهم السابقة وتداعياتها على المشهد ككل، وأن يستفيدوا مما أشار إليه الملك محمد السادس من رسائل واضحة لا تقبل المزايدة، لإنجاح هذا الاستحقاق. كما أن المواطن مطالب بالمشاركة بكثافة حتى لا تكون الحكومة المقبلة حكومة أقلية، أى حكومة أفرزتها الأقلية التى شاركت فى التصويت. كما أن الجميع، حكومة ومعارضة ومواطنين، مطالبون بتقديم صورة لائقة بانتخابات سوف ترسم معالم مغرب الغد.