إشارات الماضى وتحولات المستقبل

سهير جودة

سهير جودة

كاتب صحفي

ليس هذا مقالاً عن الأستاذ هيكل ولا هو عودة إلى الماضى وحديث عن وقائع وشخصيات تاريخية يمكن أن نقول إنه ظهور فى الحاضر للحظات زمنية سابقة لكنها قد تكون ضوءاً إلى مستقبل نتلمسه ولا نعرف طريقاً إليه..

للأستاذ هيكل كتاب مشهور هو «زيارة جديدة للتاريخ» تحدث فيه عن سبع شخصيات عرفها وحاورها وبصرف النظر أيضاً عن أنك كلما عدت إليه اكتشفت الجديد واستزدت من جديد فإننى عندما قرأته للمرة الثالثة مؤخراً ومع ارتباط لحظة القراءة بمرحلة مربكة نمر بها أفراداً ومجتمعاً ودولة وإقليمياً وعالمياً وجدتنى أخرج بمجموعة من الإشارات قد يفيد الحاضر والمستقبل أن نضعها بين أيدينا.

الكاتب فى الأول والأخير هو صحفى مصرى واختار أن يتحدث فى كتابه عن شخصيات عالمية عرفها والتقاها وهى إشارة الغرض منها أن ننتبه إلى أى حد الآن نحن غارقون فى محليتنا، منعزلون بمشكلاتنا فى عالم يرانا ويعبث بنا ولا نعرف عنه شيئاً حقيقياً، ونعجز دائماً عن الوصول إليه أو مجرد الحوار معه.

الشخصيات التى تضمنتها دفتى الكتاب هى: الملك خوان كارلوس، الرئيس السوفيتى، يورى أندروبوف، والمارشال الإنجليزى مونتجومرى، وألبرت أينشتاين، ونهرو، وشاه إيران، محمد رضا بهلوى، وإمبراطور المال الأمريكى ديفيد روكفلر، ونظرة واحدة على هذه الأسماء تثبت لنا عدة أشياء أهمها أن القيمة النسبية للعالم تضاءلت وتسطحت، فمثل هذه الشخصيات لم تعد موجودة فى السياسة والعلم والعسكرية، وعلى مقاعد الحكم ولا حتى وراثة العروش، أى إن المرض ليس إقليمياً ولا هو انهيار عربى فقط.

فى داخل كل حوار للأستاذ هيكل مع هذه الشخصيات أن النبوغ أو المكانة أو الموقع الذى وصلت إليه هذه الشخصيات لم يكن بسبب شهرتها وتأثيرها فقط، بل كان نتيجة لعمق إنسانى ومعرفى عظيم ونتيجة لتجارب شخصية واعرة، وذلك بصرف النظر عن حكم التاريخ على هذه الشخصيات أو مواقف كل منا تجاهها، بمن فيهم «هيكل» نفسه. مع شخصية وتجربة إخوان كارلوس نكتشف أن الديمقراطية يمكن أن تولد فى رحم الديكتاتورية، فالديكتاتور الإسبانى الأشهر فرانكو وهو الذى اختار الملك الشاب من بين العائلة المالكة وهو الذى وضعه على العرش بين يديه وتحت عينيه ظناً منه أن ذلك سيضمن أن تستمر إسبانيا بعد رحيله كما تركها لكن الملك الشاب الذى جلس على العرش تحت مظلة الديكتاتور وهو الذى حمى الحياة السياسية وكان الجسر الذى نقل إسبانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية فيما كان يبدو مستحيلاً وهذا إشارة إلى أنه لا يوجد فى السياسة ولا أنظمة الحكم ولا حركة المجتمع مسلمات ولا نظريات محفوظة..

معنى قريب من هذا يتأكد عبر شخصية وتجربة «أندروبوف» وهو أنه مهما كانت الصورة الظاهرة المعلنة عصية على التغيير فإن هذا لا يحصنها أبداً من حدوثه ومن داخله.

الستار الحديدى الشهير للاتحاد السوفيتى الغامض الشرس وسطوة الحزب الأسطورية التى وصلت إلى ذروتها بالثلاثى الروسى الرهيب «بريجينيف وكوسيجين وباد جورنى» لم يمنع أن يصل «أندروبوف» إلى قمة السلطة بشخصيته وفكره المختلف، بل والأكثر إثارة للدهشة وربما الإعجاب أن شخصية «أندروبوف» التى كانت أكثر انفتاحاً واتجاهاً نحو التغيير. صاحبها رجل قضى أهم سنوات عمره مسئولاً عن جهاز المخابرات الروسية. فى ثنايا حديث «هيكل» عن ومع «أندروبوف» وفى إطار تحليلاته ومداخلته حول الرجل التجربة والمقارنة ذكر توصيفاً يتعلق بالصحافة وحين نقرأه الآن يكون إشارة قد تحل لنا التباساً مربكاً فيما يخص الصحافة والإعلام فقد سئل الأستاذ هيكل من أحد القادة السوفيت عن الصحافة وما يهمنا فى إجابته إسقاط على نمر به الآن هو ما ذكره من أنه لا تعارض بين أن تكون الصحافة سياسية جادة وأن تكون فى نفس الوقت مثيرة للاهتمام ومقروءة المعنى، هنا لا يحتاج إلى توضيح ولا تعليق فى ظل حالة الهوس الصحفى والإعلامى الغث التى نعايشها والتى أصبحت اختياراً وحيداً وطريقاً لا يوجد غيره فى سباق محموم نحو القارئ والمشاهد ومستخدم الإنترنت ليصبح الصانع والمستهلك على نفس القدر من التسطيح والتفاهة والخبل، والأستاذ هيكل يرسخ هنا قاعدة من المهم أن نلتفت إليها، وهى تتعلق بسياسة الوسيلة الإعلامية، حيث يقول إن هناك فارقاً كبيراً بين التزامها بفكر وبين التزامها بخط

وإن المساحة بين الاحترام والإلزام هى نفسها المساحة بين مسئولية الحرية وبين قيد الرقابة ألا تحل لنا هذه القاعدة جدلاً دائراً وهستيريا مستمرة فى معادلة الحرية والفوضى المسئولية الطوعية والقيد المفروض الإشارات مستمرة. وللمقال بقية..