المهندس خيرت الشاطر

محمد حبيب

محمد حبيب

كاتب صحفي

(١) عندما يتيسر لحزب أو جماعة قيادة حازمة وواعية، وتعمل وفق منهج واضح ومحدد، فإن الأفراد عادة ما يكونون منضبطين، لا يصدر منهم ما يخل بالتعليمات أو التوجيهات العامة للجماعة.. أما إذا أتيح لهؤلاء الأفراد أن يعملوا فى ظل قيادة ضعيفة غير حازمة، وغير واعية بطبيعة دورها، أو عندما يكونون هم أنفسهم قادة، لا يحاسبهم أو يسائلهم أحد، فها هنا تبدأ المشكلة.. والحقيقة أن خيرت الشاطر كان من هذا النوع، فقد ظل جندياً من طراز متميز فى عهود كل من المرشدين الأربعة؛ عمر التلمسانى، محمد حامد أبوالنصر، مصطفى مشهور، والمأمون الهضيبى، أما خلال الأعوام الثلاثة (من يناير ٢٠٠٤ حتى ديسمبر ٢٠٠٦) التى قضاها فى عهد محمد مهدى عاكف، وقبل أن يودع السجن فى ١٤ ديسمبر ٢٠٠٦، فلم يكن على هذا المستوى من الانضباط.. لكن، تبقى المشكلة الأصلية الحاكمة لفكر ومنهج الجماعة قائمة، وهى ثقافة السمع والطاعة والثقة فى القيادة، وعدم محاسبتها على أى أخطاء ترتكبها(!)، إذ إن هذه الثقافة لعبت الدور الأكبر فى معظم -إن لم يكن فى كل- المآسى التى لحقت بالجماعة.

(٢) تعرفت على المهندس خيرت الشاطر فى نهاية السبعينات من القرن الماضى، وذلك عندما حضر معنا لقاء قسم الطلاب الذى كان يشرف عليه الأستاذ مصطفى مشهور.. وكان حضوره ممثلاً عن محافظة الدقهلية بديلاً عن الأستاذ صبرى عرفة الكومى الذى غادر إلى المملكة العربية السعودية بسبب ظروفه الاجتماعية آنذاك.. وقد توثقت الصلة بيننا أثناء مشاركتنا فى مخيم «توريث الدعوة» الذى أقيم للإخوان العاملين على مستوى مصر، بمنطقة أبويوسف -العجمى- غرب الإسكندرية، وذلك فى صيف عام ١٩٨٠.. فى هذا المخيم كنت مسئولاً عن الإدارة، ومحمود عزت عن التسكين، وخيرت الشاطر عن النشاط الثقافى.. وقبل سبتمبر ١٩٨١، استطاع الشاطر أن يهرب إلى اليمن، وبالتالى أفلت من عملية التحفظ التى ألقى فيها الرئيس الراحل السادات القبض على ١٥٣٦ من الرموز الدينية والسياسية والوطنية.. انتقل من اليمن إلى السعودية، ومنها إلى الأردن، ثم بريطانيا حيث استقر به المطاف فى لندن.. حاول أن يحصل على درجة الدكتوراه، لكنه لم يكمل وعاد إلى مصر عام ١٩٨٥.. فى نهاية الثمانينات، نشط خيرت الشاطر مع حسن مالك فى النشاط التجارى، واستطاعا أن يكونا ثروة لا بأس بها من خلال معارض السلع المعمرة فى النقابات ونوادى أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية.. كان الشاطر عضواً بمجلس الشورى العام للجماعة عن مكتب إدارى شرق القاهرة، ولم يتم انتخابه عضواً بمكتب الإرشاد فى المرة الأولى عام ١٩٨٩، ولا فى المرة الثانية عام ١٩٩٥، لكنه حصل فيها على ٤٠٪ + ١ من جملة الأصوات، بما يعنى أحقيته فى التصعيد إلى عضوية المكتب حال شغر المكان بوفاة أو استقالة أحد الأعضاء دون الحاجة إلى إجراء انتخابات.. لذا، عندما توفى الدكتور أحمد الملط عضو مكتب الإرشاد (وعضو مجلس الشورى العام عن نفس المكتب الإدارى) فى ١٥ مايو ١٩٩٥، تم تصعيد خيرت الشاطر إلى عضوية المكتب مباشرة.

(٣) لا شك أن «الشاطر» صاحب ذهن متوقد وقدرة جيدة على التخطيط والتنظيم.. لذلك، فقد أوكل إليه مكتب الإرشاد عام ١٩٩١ أن يضع تصوراً للهياكل الإدارية والتنظيمية للجماعة، علاوة على البرامج والخطط المستقبلية لها، خاصة بعد أن اتسع نشاطها وتعددت مجالات عملها، فضلاً عن كثرة عدد أفرادها.. وقد ساعد على ذلك شركة الكمبيوتر التى انشأها مع آخرين باسم شركة «سلسبيل».. لكن «الشاطر» وقع آنذاك فى خطئين اثنين، هما؛ ١) تعامله -كشركة كمبيوتر- مع إحدى مؤسسات الدولة، و٢) فتح مقر الشركة لاجتماعات ولقاءات شُعب ومناطق الإخوان.. وقد وضعه ذلك تحت عين ورقابة جهاز مباحث أمن الدولة.. صحيح أن بعض أعضاء مكتب الإرشاد كانوا سعداء بالإنجاز الذى قام به «الشاطر»، لكن كان هناك من حذر من وقوع الكم الهائل من المعلومات عن الجماعة واستراتيجيتها وقياداتها فى يد الجهاز.. غير أن هذا التحذير -للأسف - جاء متأخراً، فضلاً عن أن «الشاطر» تلكأ هو الآخر فى الاستجابة للتحذير، فلم يتحرك بالسرعة المطلوبة، حيث كان مطمئناً لسلامة موقفه، والاطمئنان -كما يقولون- يورث الغفلة.. وفى ٥ فبراير ١٩٩٢، كنت والمستشار المأمون الهضيبى مسافرين على طائرة واحدة إلى باكستان لحضور اجتماع مكتب الإرشاد العام هناك.. وكان اختيار هذا المكان بسبب المشاركة فى احتفال «الجماعة الإسلامية الباكستانية» بمرور ٥٠ عاماً على إنشائها.. قبل فجر يوم ٦ فبراير، جلسنا نحن الثلاثة؛ مصطفى مشهور، المأمون الهضيبى، وأنا فى أحد المقاهى بمدينة كراتشى، فى انتظار وصول محمد مهدى عاكف مقبلاً من القاهرة.. وجاء عاكف، وكان أول شىء قاله: هل تدرون ماذا حدث بالأمس؟ قلنا فى صوت واحد: ماذا حدث؟ قال: بعد أن أعد «خيرت» كافة المعلومات الخاصة بالجماعة، ووضعها فى «كراتين» لنقلها إلى مكان آمن، إذا بالضابط «رفعت قمصان» بجهاز مباحث أمن الدولة «يهبط» عليه فجأة فى مقر الشركة ويضع يده على كل «الكراتين»، ويقوم بإلقاء القبض على «الشاطر» ومن كانوا معه.. كان محمود عزت موجوداً آنذاك، لكن الرجل قال له: لا نحتاجك الآن(!) وقد عُرفت قضية «سلسبيل» إعلامياً بقضية «التمكين»، حيث تم نشر كل ما يخص استراتيجية الجماعة وقياداتها، والمسئوليات الملقاة على عاتق كل منهم بمجلة «المصور» المصرية.. كما نشرت صور هذه القيادات وتحتها عناوين مثيرة؛ فهذا أمير كذا، وذاك مسئول كيت، وتحت صورة كاتب هذه السطور كُتب تعبير «أمير الصعيد».. وقد ظل خيرت الشاطر ومن معه فى الحبس الاحتياطى لمدة عام تقريباً على ذمة هذه القضية، وقد دافع عنه كبار المحامين فى مصر، كان على رأسهم الأستاذ أحمد الخواجة، نقيب المحامين آنذاك.. ولا شك أن هذه الفترة أكسبته خبرة جيدة فى التعامل مع ضباط وصف ضباط السجن، فضلاً عن ضباط مباحث أمن الدولة.. هذا إضافة إلى شباب الجماعة الإسلامية الذين كانوا محبوسين معه فى سجن استقبال طرة.. ولا شك أيضاً أن «الشاطر» استثمر فى ذلك مهارته الكبيرة كتاجر محترف يعرف جيداً مداخل النفوس ونقاط ضعفها، فى تذليل الكثير من العقبات.

ولا شك أن هذه الفترة أكسبته خبرة جيدة فى التعامل مع ضباط وصف ضباط السجن فضلاً عن ضباط مباحث أمن الدولة