فى مسألة الأهلى والزمالك

بعيداً عن المقارنات والمقاربات الإحصائية بين الأهلى والزمالك، سواء عدد البطولات أو حجم الجماهيرية، وبعيداً عن «الكيد» والتلاسن الرخيص وحروب الـ«فيس بوك»، هناك حقائق لا ينبغى لعشاق الفريقين وجمهور الكرة فى مصر بشكل عام أن يتغافلوا عنها.

أولاً: هذان الناديان - مع الأسف - هما أكبر وأنشط وأنجح «حزبين سياسيين» فى مصر منذ ثورة يوليو 1952. هما الأكثر حضوراً ونفوذاً فى الشارع، ومن ثم تقع عليهما مسئولية الحفاظ على الضوابط الأخلاقية والفنية لهذه اللعبة من ناحية، وتعميق الروح الوطنية لدى عشاقها من ناحية أخرى. فالأصل فى المنافسة بين هذين الحزبين أن يكون لمصر «علمها» ومكانتها اللائقة فى المحافل والبطولات العالمية. لكن «تسييس» كرة القدم أخرجها من سياقها، وتسبب فى كوارث مروعة، خاصة فى السنوات الخمس الماضية (حادثتا بورسعيد والدفاع الجوى تحديداً).

ثانياً: لكل من الناديين ملمحه الذى يميزه ويجعله مصدر تفاخر لمشجعيه ومن ينتمون إليه. الأهلى تميزه «روح البطولة»، أو ما يسميه محبوه «روح الفانلة الحمراء»، والزمالك تميزه «كرته الجميلة»، أو ما يعبر عنه محبوه بـ«مدرسة الفن والهندسة». هذه وتلك تتكاملان - أو هكذا يُفترَض - لتصنعا معاً «مجد الكرة المصرية» و«ريادتها». أما أن تتحول هاتان الميزتان إلى مصدر للتناحر وتبادل الإهانة والتبخيس.. فهذا سيدمر الناديين ويقضى على مستقبل الكرة فى مصر.

ثالثاً: يتباهى مشجعو الأهلى بأن ناديهم «معقل الوطنية»، وأن «العُقد» الأهلاوى يضم سعد زغلول وجمال عبدالناصر وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وعادل إمام ورموزاً أخرى كثيرة.. فهل هذا يعنى أن الزمالك معقل لـ«الخيانة»، أو أن سجل مشجعيه خالٍ من رموز لا تقل تأثيراً ووطنية عن رموز الأهلى؟.

رابعاً: إذا كان التعصب قد بلغ هذا السقف المخيف.. فإن من حق مشجعى الزمالك فى المقابل أن «يعايروا» منافسيهم بأن الأهلى - مثلاً - كان فى السنوات العشر الأخيرة معقلاً ومطمحاً لعصابة الإخوان. بل يستطيع أصغر مشجع زملكاوى أن يسمى خمسة أو ستة لاعبين كبار فى فريق الأهلى ينتمون أو يتعاطفون مع هؤلاء الخونة الإرهابيين، على رأسهم طبعاً محمد أبوتريكة!. كما أن موقف إدارات الأهلى من ظاهرة «الألتراس»، وثبوت ضلوع تلك الطغمة من المشجعين فى مسيرات ومواجهات وأعمال عنف تمارسها عصابة الإخوان منذ ثورة 30 يونيو، أصبح مثيراً للتساؤل (ولا أقول التقزز). أليست هذه الحقيقة «بقعة سوداء» فى قميص هذا النادى العريق؟.

خامساً: سأقول إن جمهور الأهلى يمثل «أغلبية»، غير أن هذه الأغلبية (مدعومة بظهير إعلامى أشد تعصباً من بسطاء المشجعين) لا ينبغى أن تكون سنداً لإرهاب «المؤسسة الكروية» فى مصر، إذا جاز التعبير، وإرباك منظومتها. ولا ينبغى أن تجعل من الأهلى فى نظر المنتمين إليه - تشجيعاً وإدارة - كياناً فوق القانون.

سادساً: سأقول إن الأهلى أكثر أندية مصر حصداً للبطولات، ودولابه ممتلئ دروعاً وكؤوساً. لكن الهَوَس بفكرة «البطل» لا ينبغى أن يكون مبرراً لتفريغ الأندية المنافسة من أميز وأكفأ لاعبيها. صحيح أن المسألة «عرض وطلب»، و«فلوس» الأهلى (بصرف النظر عن مصادرها) تغرى «أجعص» لاعب على ترك النادى الذى «ربى وعلم»، لكن روح المنافسة الشريفة لا تُبنَى على تدمير الفرق الأخرى.. أقول ذلك وأنا أعرف أن هذه «مثالية» لا تتوافق وبراجماتية مبدأ «الاحتراف».

سابعاً: قد يكون مقبولاً أن «يتعصب» كل مشجع لناديه. يحبه فائزاً على الدوام، ويتغنى بحبه، ويتفنن فى التغنى بعظمته، ويحزن أشد الحزن لهزيمته بالطبع. وقد يكون مسموحاً أن «يناوش» مشجعى الفريق المنافس فى الحدود التى لا تفسد للود قضية. أما أن يتحول «التعصب» إلى «خميرة كراهية» لكل ما هو «آخر».. فتلك كارثة، خصوصاً فى هذا المناخ السياسى المعبأ بالاستقطاب والتوتر.

أخيراً: كونى أشجع الزمالك لا يمنعنى من الاعتراف بأن تخبط منظومته الإدارية فى السنوات العشرين الأخيرة، وضآلة موارده المالية، أخرجاه من سباق المنافسة فى مواسم كثيرة، وأضاعا عليه بطولات كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيقها. بعكس الفريق المنافس، والذى استطاع - بفضل انضباطه الإدارى وموارده المالية الضخمة - أن يحقق الكثير من البطولات الكبرى على الرغم من سوء حالة الفريق الفنية.