المؤامرة تتكشف.. تصعيد فى نقابة الصحفيين وإرهاب فى حلوان

مصطفى بكرى

مصطفى بكرى

كاتب صحفي

شعارات هنا، ودماء هناك، هتافات مسمومة، وأكاذيب مفضوحة، محاولة لإثارة الرأى العام، والتحريض ضد مصالح الشعب والدولة، إنها نفس الوجوه، التى تطل علينا بين الحين والآخر، لتبث سمومها، وتنخر كالسوس فى جسد الدولة.

يرقد المعتصمون فى ساحة مبنى النقابة، يتواصلون مع قنوات إخوانية، ويعلقون صور إرهابيين من الإخوان ثبتت إدانتهم، ويقولون إنهم ضحايا حرية الصحافة.

على أنغام الفسيخ والرنجة، والدخان الذى ينطلق فى جوف الليل، بات مبنى النقابة كأنه خيمة جديدة من خيام ميدان التحرير، وجوه كئيبة تزحف، تحتل المشهد، تدفع بالنقابة إلى نفق مظلم، بينما تغيب الوجوه المشرقة للصحافة المصرية، هؤلاء الذين دفعوا أحلى سنوات عمرهم دفاعاً عن القيم الأصيلة وأخلاقيات المهنة.

منذ قليل هدأت الهتافات، صمم النشطاء الذين لا تعرف لهم هوية على العودة إلى داخل المبنى العتيق، الذى أصبح بفضل المجلس الحالى مقراً لاعتصامات الإخوان و6 أبريل والاشتراكيين التخريبيين، وهلم جرا.

أعود إلى منزلى، والمشهد يسيطر على ذهنى، أتذكر عام 1995 ونضالنا ضد القانون 93، أيادٍ متشابكة، لغة محترمة فى الاحتجاج، كانت كلمات جلال عيسى السكرتير العام للنقابة فى ذلك الوقت أمام الرئيس الأسبق نموذجاً فى أدب الحوار، واستطعنا أن نقنع السلطة بإلغاء القانون الذى أطلقنا عليه قانون «اغتيال الصحافة».. ليكون البديل كما أردنا، فجاء القانون 96 لسنة 1996.

مضيت إلى منزلى، وفى وقت متأخر من بعد منتصف السبت الماضى، كان المشهد الآخر، سيارة نصف نقل تحمل مجموعة من الإرهابيين، ترقب سيارة ميكروباص تقل معاون مباحث حلوان وسبعة من أبناء الشرطة، تنهمر رصاصات الغدر فيستشهدون على الفور جميعاً، تصرخ الأمهات والزوجات، تتحجر الدموع فى عيون الأطفال، تسيل الدماء غزيرة على الأسفلت، بينما ترتفع قهقهات من هتفوا «الداخلية بلطجية.. يسقط يسقط حكم العسكر».

سنوات خمس مضت، تدرب فيها النشطاء على أساليب صناعة الفوضى وخلق الأزمات، البعض لا يزال يعيش مرحلة الخداع اللفظى، يسقطون ضحايا للفهم المغلوط وتصدير الأزمات، يظنون أنهم فى ساحة «هايد بارك» تنطلق حناجرهم، دون حتى أن يسألوا أنفسهم من المستفيد؟!

لم يكن الحدث فجائياً، منذ يوم السبت 30 أبريل الماضى أعلنت بوابة «البداية» التى يترأس تحريرها خالد البلشى، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين: «إن عمرو بدر ومحمود السقا يدخلان فى اعتصام مفتوح بنقابة الصحفيين اعتراضاً على قرار ضبطهما وإحضارهما واقتحام منزليهما».

كان طبيعياً أن تتواصل جهات الأمن مع نقيب الصحفيين لتسليم المطلوبين الهاربين من قرار الضبط الصادر فى التاسع عشر من أبريل الماضى من النيابة العامة، بضبطهما على ذمة التحريض على التظاهر والتخريب وحرق المنشآت وفقاً للأدلة التى هى فى حوزة النيابة.

وجرت بالفعل الاتصالات مع نقيب الصحفيين، وتبادل معهم الاتصالات، لكنه تعمد «التزويغ» لأنه أقنع المطلوبين بأن عليهما الانتظار لأنه «حيخلص» المسألة مع النائب العام، بدون ضبط أو إحضار.

توقفت الأجهزة الأمنية عن التواصل مع نقيب الصحفيين بعد أن صدر بيان نشرته المواقع الإلكترونية يقول: «أعلنت شخصيات عامة وحقوقيون وصحفيون وفى مقدمتهم نقيب الصحفيين يحيى قلاش عن تضامنهم مع عمرو بدر ومحمود السقا، المعتصمين بمقر نقابة الصحفيين». وقال الموقعون على البيان التضامنى: «نرفض قرار الضبط والإحضار الصادر لهما احتجاجاً على اقتحام منزليهما، إيماناً بحرية الصحافة دون استقطاب، صحافة تعمل بلا سقف إلا الحقيقة». لقد وقع على البيان إلى جانب نقيب الصحفيين كل من خالد على وخالد داود وخالد البلشى، وجميلة إسماعيل وآخرين.لم أصدق ما قرأت فى ذلك الوقت، لكننى وجدت العديد من المواقع تنشر الخبر، دون تكذيب من نقيب الصحفيين، وعندما تساءلت أدركت أن نقيب الصحفيين لا يستطيع أن يقول لا لخالد البلشى.

وفى الثامنة والثلث من مساء الأحد الأول من مايو، قام عدد من ضباط ورجال الشرطة، بالقبض على المطلوبين من داخل بهو النقابة.. بعد قليل، أدرك النقيب وبعض من حوله أن الفرصة قد حانت، وأن التصعيد هو الحل، فراح يتحدث عن اقتحام النقابة بخمسين من رجال الشرطة المدججين بالأسلحة، ثم تراجع الرقم إلى 40، ثم إلى ثلاثين.

بعد قليل خرج سكرتير عام النقابة جمال عبدالرحيم ليزعم أن الشرطة حطمت الأبواب وفتشت النقابة واعتدت على رجال أمن النقابة وأصابت أحدهم، وأن ذلك مخالف للمادة «70» من قانون النقابة الذى يجرم تفتيش مبناها إلا بموافقة النيابة العامة وحضور النقيب.

بدأت النار تشتعل، صحفيون ونشطاء يزحفون إلى مبنى النقابة، شعارات تنطلق، بيانات تصدر: «هات من الآخر، إقالة وزير الداخلية هى أول المطالب، رفض الحوار والجلوس معه أو مع غيره، حجب الصحف عن الصدور، تسويد الصفحات الأولى، ثم رفض مقابلة الرئيس وإنما عليه أن يبادر بالاعتذار أولاً».

حالة الجدل تمتد، عناصر فى نقابات أخرى تعلن المساندة والانضمام، محمد أبوالغار يمضى إلى النقابة داعماً ومؤيداً، منى مينا وجدتها فرصة بعد فشل تحريضها فى نقابة الأطباء ضد الدولة، خالد على، حتى حمدين صباحى ويسرى فودة وخالد داوود وجدوها فرصة للعودة من جديد، ظنوا أنها ميدان تحرير آخر، قالوا فلنصنع بؤرة للانطلاق، من هنا يمكن أن نزحف إلى الداخلية والاتحادية إن أمكننا.

منذ قليل صدر بيان من النيابة العامة، كلماته واضحة، لا لبس فيها، قال البيان: «إن ما اتخذ من إجراءات فى شأن ضبط وإحضار الصحفيين سالفى الذكر من داخل نقابة الصحفيين يتفق وصحيح القانون كونه تنفيذاً لأمر النيابة العامة، صاحبة الولاية فى إصدار تلك القرارات، لا سيما أن المتهمين قد نُسب إليهما جرائم جنائية معاقب عليها وفقاً لقانونى العقوبات والإرهاب، وهى جرائم غير متعلقة بعملهما الصحفى والمهنى».

وقالت النيابة العامة: «إذا كان الأمر كذلك فإنه يتعين على الكافة الإمساك عن تفسير وتأويل نصوص القانون وترك الأمور فى هذا الخصوص للنيابة العامة صاحبة الولاية فى هذا الشأن بموجب الدستور والقانون».

وأكد البيان بلغة حاسمة: «إن مقر نقابة الصحفيين لا يستعصى على ضبط وإحضار المتهمين اللذين اعتصما به، على اعتبار أن هذا الضبط كان تنفيذاً للقرار القضائى الصادر من النيابة العامة وهو الأمر الذى أباحه الدستور والقانون حتى لحرمة المسكن الخاص الذى تتعاظم حرمته عن أى مكان آخر». لم يرتدع البعض، ويتوقف أمام القول الفصل للنيابة العامة، التى برأت ساحة وزارة الداخلية، بل راحوا يتطاولون على النيابة العامة وينصحونها بأن تكون محايدة وأن تقف على مسافة واحدة وألا تنحاز لصالح الداخلية ضد النقابة، مما اعتبر إهانة للنيابة العامة وإساءة للقضاء المصرى، من بعض أعضاء مجلس النقابة وفى مقدمتهم نقيبهم.

كانت الأحداث تمضى، وعمليات الشحن تجرى على قدم وساق، احتشد المئات من الصحفيين والنشطاء والمتحالفين من أحزاب ونقابات أخرى، فى البداية قالوا إنه تجمع للصحفيين، ثم سرعان ما زعموا أنه اجتماع للجمعية العمومية، دون سند قانونى أو حقيقى على ذلك، فلا دفاتر ولا توقيعات ولا دعوة صحيحة.

وتحت هذا الاسم «الجمعية العمومية» صدر بيان يناقض حتى ما تم الاتفاق عليه فى اجتماع مجلس النقابة مع رؤساء التحرير فى نفس اليوم، ووسط الحشد كانت الغلبة للمتشددين الذين أرغموا الجميع على القبول بشروطهم ومطالبهم الثمانية عشر التى تمثل تحدياً للدولة وللمجتمع، وهو ما قوبل باستهجان شعبى كبير.

وفى مساء الخميس الماضى، كانت القنبلة المدوية، لقد خرج حارسا النقابة فى ذات يوم دخول قوات الأمن إلى مبنى النقابة، ليتحدثا على شاشة إحدى الفضائيات (قناة صدى البلد).

لقد أكد الحارسان وليد السيد ومحمد حسين الآتى:

1- لم يحدث اقتحام للنقابة، وإنما دخول طبيعى وبإذن من حارس المبنى لتنفيذ مهمة صادر بشأنها قرار من النيابة العامة بضبط عمرو بدر ومحمود السقا.

2- العدد لم يزد على 9 أو 10 من رجال الأمن فقط وليس أربعين أو خمسين كما ادعى مجلس النقيب وأنهم كانوا يرتدون الملابس المدنية، ولم يظهر أى سلاح بحوزتهم.

3- ليس صحيحاً ما ردده سكرتير عام مجلس النقابة وأعضاء المجلس من أنه جرى تفتيش مقر النقابة، للبحث عن المطلوبين حيث أكد الحارسان أن العملية لم تستغرق سوى من 3 إلى 4 دقائق فقط، وأن رجال الأمن دخلوا إلى القاعة واقتادوا المطلوبين الموجودين فى بهو النقابة وخرجوا بهما على الفور لتسليمهما للعدالة.

4- ليس صحيحاً أن أحداً من رجال الأمن اعتدى على أى منهما من قريب أو بعيد.

5- إن مدير النقابة وبتعليمات من النقيب وبعض أعضاء المجلس مارس على الحارسين ضغوطاً لإجبارهما على التوقيع على مذكرة تم إعدادها على غير الحقيقة تقول إنه جرى اقتحام النقابة بنحو 4 من رجال الأمن وأنهم قاموا بالتفتيش فى حجراتها واعتدوا عليهما وأصابوا أحدهما، وهو الأمر الذى يشكل جناية ترهيب وتزوير يُسأل فيها من مارسوا هذا الدور، بهدف إثارة جموع الصحفيين ودفعهم لمواجهة الدولة، والتدليس والغش على الرأى العام.

حدث تحول كبير فى الرأى العام، وداخل أوساط الجماعة الصحفية، كان مجلس النقابة يظن أنه قادر على تركيع الدولة «الرخوة»، لكنه فوجئ بموقف آخر، وبإصرار على تنفيذ القانون، ورفض الابتزاز المفضوح، فاضطر مجلس النقابة فى اليوم التالى إلى التراجع، وإصدار بيان جديد يعلن فيه أنه لم يطلب اعتذار الرئيس، وأنه ليس فى صدام مع الدولة، وأنه مستعد للحوار مع المؤسسات، وراح يستعين بنواب البرلمان من الصحفيين للوساطة، ولم يستجب له سوى أربعة فقط من الزملاء، فى حين وجهوا الدعوة إلى أكثر من ثلاثين نائباً.

لقد تسبب مجلس النقابة فى تصعيد الأزمة، واستعصائها على الحل، وصدر للمجتمع صورة كريهة «للصحفى»، الذى أصبح منبوذاً من فئات مجتمعية عديدة، بفعل ممارسات هذا المجلس، وعدم إدراكه لخطورة التحديات الراهنة التى تواجه البلاد.

وأمام هذا الانقسام الحاصل فى الجماعة الصحفية، والمشكلات التى نجمت عن التصعيد مع الدولة، لأسباب معروفة، لم يعد أمام مجلس النقابة سوى الاستقالة الجماعية، وإلا فإن الصحفيين هم الذين سيدفعون الثمن، جميعاً وبلا استثناء.