هيكل: قرأت الدستور و«صُدمت» من أول مادة و«الإعلان الدستورى» قفزة في الظلام

هيكل: قرأت الدستور و«صُدمت» من أول مادة و«الإعلان الدستورى» قفزة في الظلام
لأنه الشاهد الأوحد تقريباً على كل تحولات مصر المعاصرة من الملكية إلى الناصرية إلى الساداتية إلى المباركية إلى «25 يناير» وما تلاها، يبدو الأستاذ محمد حسنين هيكل أحد القلائل القادرين على قراءة مشهد الوطن، ليس فحسب بسبب خبرته العريضة ومخزونه التاريخى والمعرفى الهائل، ولكن أيضاً لأنه يمتلك الرؤية، رؤية الطائر حين يحلّق من أعلى فيرى المشهد مكتملاً بكل التفاصيل التى لا يستطيع الغارقون فى أرض الأحداث أن يلموا بها.
وخلال حديثه الممتد، مساء اليوم، مع الإعلامية لميس الحديدى على قناة «سى بى سى» يحاول الكاتب الكبير أن يشخّص مرض مصر ليصل إلى موضع العلة بأبسط الطرق من خلال مد الخطوط، تارة على استقامتها للأمام وتارة أخرى عبر الزمن، ربما نتوصل معاً إلى تفسير لما يحدث حالياً من تشابه فى الظروف وتشابك فى السياق.
تجنب الأستاذ الدخول فى تفاصيل كثيرة من الماضى، راصداً ومحللاً تفاصيل المشهد السياسى فى مصر، والضغوط التى تتعرض لها البلاد من الخارج وحالة الانقسام الدائرة بين طرف ظهر إلى النور ويجلس على مقعد السلطة ويخشى العودة إلى ما كان عليه من قبل، وجيل ثائر اكتشف أن المستقبل مشوه الملامح بفعل ما وجده فى الدستور. وإلى نص الحلقة كاملاً.
مساء الخير، أهلاً بكم.. هذه هى أولى حلقات الحوار الممتد مع الأستاذ محمد حسنين هيكل. فى خضم هذا المشهد المعقد جداً وهذه الأصوات العالية جئنا إلى الأستاذ، جئنا إليه محمّلين مخاوف وقلق وطلبات ربما يحمل إلينا بعض الحلول والأفكار للخروج من هذا المأزق الذى لا يعرف أحد كيفية الخروج منه، وسط انقسام حاد ربما تتعرض له مصر لأول مرة فى تاريخها، بهذه الحدة وهذه الضراوة.. جئنا إليه والحالة النفسية للمواطن المصرى وللوطن عموماً ربما فى أدنى مستوياتها.. الحالة الاقتصادية أيضاً ربما فى أضعف حالاتها، جئنا إليه حاملين أسئلة كثيرة، ربما نخرج من هذا المأزق بصوت هادئ متعقل بتحليله العميق وبقدرته على استشراف المستقبل.
* أستاذ هيكل، أهلاً بك، وأولاً، أشكرك على أنك سمحت لنا بهذه الفرصة.[Quote_1]
- أولاً، أشكركِ على المقدمة ولكن عندى أسباب كثيرة جداً تجعلنى أبدأ بالاعتذار، أولاً، أنا رجل قادم من خارج السياق، أنا من خارج سياق هذا الزمن وأنتمى إلى زمن آخر ولست بحاجة لشخص يخبرنى أننى، بحسابات العمر، خارج السياق. أنا أقول من البداية إننى خارج السياق ومن خارج التليفزيون، لكننى فى الحقيقة منذ 6 أشهر لم أتحدث مطلقاً، وأدرك أن أهل هذا الزمن أولى بأن يتقدموا لحل مشاكله. ثانياً، كنت أشعر أنه ليست لدىّ بشارات لتطمين أى إنسان، لأن كل ما حولنا مزعج، فإذا كان ما لدىّ أن أضيف قلقاً إلى قلق فلا بأس من إعفاء الناس منه دونما داع، وأنا سعيد باللقاء.
فى واقع الأمر، كان هناك جزء موفق فيما قلتِه على الشاشات حول لحظة ديسمبر الخطرة، وأنا أعتقد أن هذه اللحظة مهمة، وأريد أن أتوقف أمام 3 أيام وأقول كيف تبدت الأزمة أمامى، لو قلت لكِ من موقع صحفى قديم مهتم بالمتابعة وبما يجرى بالبلد وبالمستقبل ويرى حركة أجيال زاحفة ويتمنى أن تنجح، أنا أرى أن هذه اللحظة خطرة جداً لكنها لا تدعو لليأس.
* خطرة لكنها لا تدعو لليأس؟
- ليس فيها ما يدعو لليأس لأنها طبيعية، مثل هذا طبيعى فى حياة الأمم فى أوقات الأزمات.
* كيف ونحن فى حالة اكتئاب؟
- كلنا فى حالة اكتئاب، مثلاً الحيوان عندما يقع فى مأزق يفكر فى خطوة واحدة؛ يهرب أم يقاتل، الإنسان يفكر على الأقل فى 4 أو 5 خطوات، الأمم تنظر فى 10 أو 12 خطوة لو تقدر، كل رجل يملك أن يستقيل، يملك أن ينعزل لكن الأمم لا يمكنها ذلك، ما دام الإنسان قرر أن يعيش فى هذا العالم وهذا العصر، وأن يتقدم، الشعوب لا تستقيل ولا تنتهى ولا تنتحر. نحن أمام ضرورة أن نجد حلاً، وعندما نجد أنفسنا أمام ضرورة أن نأتى بحل فالخطوة الأولى ننتظر الأمل، لو بصيتِ على أوروبا على سبيل المثال غداة الحرب العالمية الثانية، كانت كلها مدمرة والشعوب كلها فى حالة لا يتصورها أحد، بصى وشوفى أوروبا بعد كام سنة لو الشعوب قالت الحالة تدعو للاكتئاب وسوف نعتزل مش ممكن.
تعالى نتكلم على الأسبوع الحالى. أول هذا الأسبوع، أنا أعتقد أن هذه الأيام الخمسة من ديسمبر موحية ودالة وحافلة وهاقولك بتجربة شخصية لأننى بدأت هذا الأسبوع مثلى مثل كل الناس قرأت مشروع الدستور وصُدمت من أول مادة.
* من أول مادة؟
- من أول مادة، فى تحديد الهوية، لكنى أريد أن أقول إن الخطأ والصواب وارد، لكن أول مادة تصدمنى لأننى أعتقد أنها متعارضة مع الجغرافيا والتاريخ، وهذا موضوع آخر سنتحدث فيه، توقفت عندها وقرأت مواد الدستور، وجدت أشياء كثيرة أخرى لا تعجبنى، وقرأت لخبراء كثيرين، واستطلعت آراء خبراء كثيرين، ووجدت أن مخاوفى لها ما يبررها، وتابعت إقرار الدستور فى الجلسة الأخيرة ولا بد أن أعترف أن عملية إقرار الدستور أقلقتنى أكثر من أى شىء آخر، ففى الأسبوع السابق مباشرة قال الرئيس مرسى بنفسه فى الإعلان الدستورى إنه سيعطى شهرين إضافيين للجمعية لتكمل عملها، وهذا بالتأكيد عن علم لديه بأن الجمعية لم تفرغ من عملها ولديها الكثير لتؤديه، فجأة نرى الدستور يتم إقراره فى نفس اليوم، وللإنصاف ناقشوه طويلاً واستقروا على أشياء، وبعض ما استقروا عليه فى رأيى خاطئ، لكن جلسة الإقرار النهائى بدت بالنسبة لى أقل جداً من قيمة دستور دائم أستطيع من خلاله أن أطمئن إلى تنظيم المستقبل لأن الدستور هو تصميم مستقبلى لأمة. أنت لا تضع دستوراً للماضى ولا للتاريخ بل تضع دستوراً للمستقبل.
* هل صحيح أن الدساتير يجب إقرارها فى جلسة واحدة؟
- هناك مدرستان فى هذا الشأن، ولا بد أن نفرق بين جلسات مستمرة لمناقشة الدستور طالت تقريباً 4 أشهر، وبين أن يجرى إقراره فى جلسة واحدة، هناك مدارس تأخذ بالإقرار فى جلسة واحدة تطول أياماً. وآخر نموذج كان الدستور الإيطالى 1946 الذى استغرق 6 أيام متواصلة لأنهم يخشون من وقوع ضغوط على واضعى الدستور إذا أخذوا انقطاعات طويلة وذهبوا إلى مكاتبهم وبيوتهم، فربما تأتى ضغوط من خارج السياق وتؤثر على نظرتهم فيما يفعلون، وهنا التوافق يأخذ وقتاً طويلاً ولا يتحقق.
ليس عندى اعتراض، اعتراضى على الطريقة والأسلوب وعلى المناخ السائد فى الجلسة ثم على ما سبق ذلك من إقصاء، وناس دخلوا وناس خرجوا. ففى الجلسة الأخيرة تقرر اعتبار المنسحبين مستقيلين، وهذا بالنسبة لى يحتاج وقفة أكثر من ذلك، لكن على أى حال قراءة النصوص إلى جانب المناخ الذى أقرت فيه مواد الدستور بطريقة نهائية أزعجتنى، فى الحقيقة صباح هذا اليوم اتصلت بأحد أقطاب النظام ولا أريد ذكر اسمه، لأننى لم