سيدى الرئيس.. أبوس إيدك.. زوّر الانتخابات

أمانى هولة

أمانى هولة

كاتب صحفي

■ نهضت من رقدتها على أرض رخوة.. طوت أثمالها البالية فى ركن العشة.. نفضت آثار شريكها رغم أنفها حتى استسلمت للأمر الواقع وقد قضم اليوم الكثير من رغيفها الموشك على العفن قبل أن يهرب من أحد أنفاقه إلى الغيط المجاور.. أضافت القليل من المش ليطغى ملحه على مرار الأيام.. فتحت باباً لا يصد ريحاً ولا يردع دخيلاً لتذهب كباقى أهل القرية إلى المنزل الكبير وقد حرصت (كما أخبروها) على إحضار ختم وبطاقة هوية لا تعرف لها معنى.. سوى أنها ستأكل أخيراً قطعة لحم كبيرة...

■ لا يقوى على الوقوف كثيراً.. جلس القرفصاء بقارعة الطريق ضمن طابور طويل.. تمر أيامه أمام عينيه مشاهد متناثرة.. صحبة الخلان فوق ظهر قطار فار من الجنوب حيث الفقر ليس اختياراً.. أحلام الستر وسد الاحتياج.. شقاء عمل تحت شمس لا ترحم ومقاول أنفار يخرج لسانه لمنظمة العمل الدولية.. وتخاذل كبد نهشه تلوث الضمائر قبل تلوث الماء والغذاء.. وقوف على الأعتاب من أجل ذلك العقار السحرى الذى ضنوا به عليه من حجراتهم المكيفة حد الصقيع.. تحسس جيب الصديرى خوفاً على خبيئته الثمينة من السقوط من جيبه الممزق.. فقد أحضر (كما أخبروه) الختم وبطاقة هوية لا يعرف لها معنى سوى أنه سيحصل أخيراً على ترياق الحياة.. السوفالدى..

■ أعيته الحيل وسئم التنطع هنا وهناك.. بائع جائل فى أحد أهم شوارع العاصمة (بالذراع).. منادى سيارات أمام متجر كبير (بالثقالة).. يغتصب من الزبون جنيهات مغمسة بما تبقى من ماء حياء وجهه الذى أوشك على النضوب.. يشاركه إيراده نطع أكثر منه قوة وخبرة صقلها برش الحجز وصحبة أكثر إجراماً.. ليزيد الطينة بللاً أمين شرطة لم يكفه كل من ماتوا وبعد ثورتين لم يقلع بعد عن داء الرزالة المقننة.. ينافسه موظفو حى ومحليات يملكون صكوك ملكية موازية لوطن مستباح.. أحضر (كما أخبروه) الختم وبطاقة هوية لا يعرف لها معنى.. سوى أنه سيجد أخيراً ظهراً وسنداً وقطعة مخدرات نظيفة وفرصة عمل أكثر استدامة فى لعبة لا تنتهى.. وتنتخبوا مين.. وحبيبكم مين..

■ تأكدت من إحكام الغطاء جيداً.. تشعر براحة إخفاء ملامحها ونفسها وحياتها تحت سواد ممتزج برائحة عرق اعتادته.. لم تعد تكترث لظلمة العالم فى عينيها تحت قماشة سوداء أو لضيق صدر من قلة الهواء الداخل لرئتين أضمرتهما عوادم سيارات تردم البدروم الناشع به ماء المجارى معظم الوقت.. يؤذن للصلاة من المسجد القريب لا تأبه فهى لا تعلم قواعد الصلاة جيداً.. تنظر إلى أبنائها فى الشارع وهم يقومون بدورهم فى استلال جنيهات قليلة من جيوب المارة الملولين من كثرة الترجى.. الفارين بضمائر مرهقة وقلة حيلة جماعية..

لم تنسَ الكيس الأسود الذى ستحمل فيه ما تيسر من رزق.. تتحسس تحت طيات ملابسها الكثيرة ذلك المقبل الجديد ينقر فى أحشائها.. أحضرت (كما أخبروها) الختم وبطاقة هوية لا تعرف لها معنى.. سوى أنها ستوفر قوت عدة أيام على ما تُفرج.

■ خرج من المسجد متشحاً بذلك الأمل الجديد فى إقامة حدود الله وسط دعارة مجتمع كافر.. سيكون له دور أخيراً فى تقويمه.. وسيعرف كيف ينتقم من أمثال أمين الشرطة الذى أذله أمام حبيبته عندما أخذه على خوانة فلم يستطع أن يواجهها أبداً وقتل حبه الوحيد.. ثم هداه الله إلى الطريق القويم.. ورُب ضارة نافعة، فلولا هذا الموقف الذى غير حياته كان سيظل فى ضلالة جلسات المقاهى والبحث اليائس عن عمل وارتكاب المعاصى. أحضر (كما أخبروه) الختم وبطاقة هوية لا يعرف لها معنى.. سوى مؤازرة شيخه الذى يمنحه العطايا مقابل بعض الأعمال ليعينه على دينه وقد أوصاه أن يصطحب زوجاته الأربع والتأكد من حشد باقى الإخوان.

سيدى الرئيس.. هؤلاء هم أغلبية الناخبين من شعبك الذى امتُهنت آدميته وتم تجهيله لعقود طويلة.. والذى لا نستطيع (رغم قدرته الجسدية) أن نمنحه رخصة قيادة مركبة.. أو رخصة استخدام سلاح خشية أن يقتل بضعة أشخاص.. فهل نمنحه رخصة قتل وطن بأكمله.. (ومن الآخر) وحتى لا نضيع الوقت فى تحليل وتنظير أخلاقى وفلسفى لن تعبأ به رياح توشك أن تغرق السفينة.. لقد علمتنا حجرة العمليات أن قرارات اضطرارية آنية بغلق وريد نازف بكل تبعاته (بفقد وظيفة عضو ما) تنقذ من موت محدق.. أرجوك.. أتوسل إليك.. ومستعدة أن أقبّل يدك.. أن تسامحنى فى طلبى.. وتقوم مؤقتاً بفعل أخلاقى جداً.. وهو أن تُزوّر الانتخابات.