بالفيديو| «الوطن» تخترق شبكات «السماسرة» بالمستشفيات الجامعية

بالفيديو| «الوطن» تخترق شبكات «السماسرة» بالمستشفيات الجامعية
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
بجسدها النحيل المرهق ارتمت «نور»، 10 سنوات، على مقعد خشبى بأحد ممرات مستشفى أبوالريش للأطفال، بعد أن غلبها التعب والإعياء، جاءت «نور» برفقة والدتها إلى المستشفى، ليس بغرض تلقى العلاج، كما يظن من يراها للوهلة الأولى، ولكن لكى يجرى طلاب كليات الطب الكشف عليها مرة بعد الأخرى.. كفأر تجارب تجلس «نور» أمامهم، بينما ترفع والدتها ملابسها، استعداداً لبدء العمل.
{long_qoute_1}
«نور» هى الحالة المرضية التى يشتريها طلاب كليات الطب لدراسة مرض «فالوت» المقرر عليهم، وهو مرض مزمن يتسبب فيه عيب خلقى فى القلب، تم تسميته باسم مكتشف المرض. من يد ليد يتم تداول «نور» بين الطلبة، تمضى ساعات الكشف بطيئة مثقلة، حيث تقف الطفلة متعبة، بينما تتلقى والدتها من الطلاب المبالغ المالية المتفق عليها، نظير موافقتها على استخدام ابنتها كحالة يدرس عليها الطلبة منهجهم، أو ينجحون من خلالها فى امتحانات العملى.
«نور» ليست الوحيدة التى يستخدمها الطلاب فى الدراسة والامتحانات، غيرها كثيرون تخصصوا فى بيع أمراضهم لطلبة الطب، عبر سماسرة احترفوا التربح من ورائهم، بأن يعقدوا صفقات توريد «العيانين» إلى الكليات، «الوطن» اخترقت ذلك العالم فى تحقيق صحفى استغرق ما يقرب من أربعة شهور، طافت خلالها المستشفيات الجامعية، واستمعت لقصص المرضى الذين يبيعون أمراضهم، وتعقبت سماسرة «العيانين» المعروفين بالاسم لأساتذة وطلاب كليات الطب فى عدد من المدن المصرية، سجلت وصورت ونقلت للمسئولين داخل تلك الكليات ما يحدث بعلمهم أو دونه، بتفاصيل كاملة نضعها بين أياديكم فى السطور القادمة.
«عليكم وعلى السمسارة منى.. هتجيب لكم الحالة اللى انتو عايزينها»، «منى» هى «كلمة السر» التى يتداولها طلاب كلية طب جامعة عين شمس فيما بينهم عندما يريدون الاستعانة بحالة مرضية يذاكرون عليها ما يدرسونه فى الكلية من أمراض، أو يمتحنون عليها «العملى» أثناء العام الدراسى نظير مبلغ مالى، حسب طلاب بالكلية فإن «منى» تستطيع أن توفر لهم أى حالة يطلبونها، خبرتها فى توريد «العيانين» واسعة، وتاريخها فى المهنة معروف، يقولون إنها عرفت الطريق إلى السمسرة فى أمراض الناس مع شقيقتها التى كانت مريضة بالقلب، وعندما توفيت شقيقتها واصلت المهنة مع ابن الشقيقة الذى كان يعانى هو الآخر من نفس المرض، وبعد وفاة الطفل كانت قد كونت خبرة فى المجال، فانتقلت إلى مرضى آخرين تعرفت عليهم وراحت توردهم كحالات إلى كليات الطب، ورغم الحكاية التى يعرفها ويتداولها سماسرة آخرون عنها، فإن أحداً لا يعرف لها شكلاً، إذ تحرص كما يؤكد الطلاب على إخفاء هويتها، ولا تتواصل مع الطلبة إلا عن طريق التليفون فقط.
حصلنا على رقم هاتف «منى»، وقررنا أن تكون مدخلنا إلى عالم التجارة بالأمراض، جاء صوتها عبر الهاتف هادئاً، أخبرناها أننا طلبة ماجستير بإحدى كليات الطب، ونرغب فى الحصول على حالات مرض نفسى لاستخدامها فى الدراسة، راحت تستعرض بثقة الحالات التى تستطيع توريدها، وكأى طبيب محترف صاحب خبرة كانت تنطق أسماء الأمراض بلغة إنجليزية جيدة، وتنصحنا بالحالات المرضية الأفضل، وبنبرة واثقة أنهت المكالمة الهاتفية قائلة: «هابعت لكم اللى عايزينه فى مستشفى أبوالريش»، ثم بنبرة أكثر حزماً: «الحالة بـ120 جنيه».
وفقاً للموعد المحدد وصلنا مستشفى أبوالريش للأطفال، بحثنا عن غرفة خالية لنجرى فيها الكشف على الحالات التى تعهدت السمسارة بإرسالها، دقائق قليلة مرت قبل أن تصل «نور»، الحالة الأولى، طفلة صغيرة فى العاشرة من عمرها، جاءت بصحبة والدتها، لم تلبث الأم أن سلمت لنا ابنتها وهى تبتسم قائلة: «ربنا يوفقكم إن شاء الله يا دكاترة»، ومثلما يفعل طلاب الطب، سألنا الأم عن تاريخ الطفلة المرضى فبدأت فى الشرح.
بحسب الأم فإن «نور» عانت من مشاكل صحية من عمر شهرين، وعندما أتمت العام ونصف تغير لون وجهها للأزرق وأصبحت تعانى من انخفاض فى درجات الحرارة، بالإضافة لأعراض أخرى أشد قسوة، حتى تم تشخيص حالتها بمرض قلبى مزمن يدعى «فالوت»، استلزم أن تبدأ رحلة علاج طويلة بالمجان فى مستشفى أبوالريش كان آخر فصولها جراحة فى القلب أجريت للصغيرة وهى فى التاسعة من عمرها، كانت الأم تشرح مرض ابنتها وكأنها تتحدث عن شخص آخر، لم تظهر على وجهها أى تعبيرات شفقة أو حزن، تابعت الشرح كمن يحفظ معلومات، ويسترجعها بشكل آلى، واختتمت حديثها بملامح جامدة وهى تقول: «أنا ما نزلتش نور لدروس طلاب الطب، إلا بعد ما عرفت إن حالتها خلاص، مفيش منها أمل»، هكذا بررت الأم استغلال مرض الابنة، وتحويله لمصدر رزق.
{left_qoute_1}
التزمت «نور» بالهدوء والصمت طوال الجلسة، حاولنا التحدث إليها، ولكنها رفضت، نهرتها والدتها وجذبتها من يديها بشدة، لتجبرها على الرد، كادت الطفلة تبكى، قطعت عليها والدتها الطريق: «ما تخافيش، مش هيكشفوا عليكى، الدكاترة عايزين يتكلموا معاكى بس»، طلبنا منها أن تتوقف عن الضغط عليها، ارتبكت الأم نافية الضغط على الابنة وإجبارها على النزول لدروس وامتحانات طلاب كليات الطب، مؤكدة أنها لا تعمل إلا مع السمسارة «منى»، وبعد انتهائنا من تسجيل حالة الطفلة على ورق خارجى، أصرت الأم على الحصول على مبلغ 240 جنيهاً نظير الكشف، نصفها لها، والنصف الآخر لأسامة.
بظهر محنى من شدة الضعف، جلس أسامة، 28 سنة، واحد من الحالات التى وعدت السمسارة «منى» بإرسالها لنا، قال إن أعراض مرضه ظهرت عليه عندما كان عمره 6 شهور كما أخبرته والدته، وتم تشخيص حالته بـ«أنيميا البحر المتوسط»، بدأ فى التردد على مستشفى الدمرداش بصفة مستمرة منذ عمر الخامسة، وعندما أصبح عمره 10 سنوات حفظ طريقه إلى المستشفى بمفرده، وعرف أن مرضه مزمن، وأنه سيتعايش معه: «كنت باروح المستشفى لوحدى، يركبوا لى كيس الدم، آخده وأرجع البيت».
فى الثالثة عشرة من عمره أصبح أسامة معروفاً للطلبة والأطباء بمستشفى الدمرداش «كانوا بيجيبوا لى عصير ويقعدوا يتكلموا معايا، وياخدوا كل المعلومات عن مرضى ويكشفوا عليَّا»، منهم من كان يعطيه نقوداً، الأمر الذى لفت نظره إلى إمكانية «الاسترزاق» من مرضه، خاصة بعد أن فشل فى العثور على مهنة يأكل منها عيشاً: «حاولت أشتغل كتير وما لقيتش شغل، أصحاب الشغل كانوا بيمشونى، لأنى كنت بتعب بسرعة وما بستحملش الوقفة»، ثم تعرف على «منى» السمسارة التى أبرمت معه اتفاقاً بأن ترسله لطلبة طب يمتحنون عليه نظير مبلغ مالى تحصله هى من الطلبة فتأخذ عمولتها وتسلمه الباقى، أما والداه فقد عرفا طبيعة عمله من اليوم الأول، وسمحا له أن يصطحب معه شقيقه ابن الخمس سنوات، والمريض بنفس المرض، للمستشفيات الجامعية، يتنهد أسامة قبل أن يقول: «أنا متجوز، وعندى طفلين ما عندهمش أمراض، طول الوقت كنت بحلم أعيش حياتى زى الناس، سبت المدرسة من صغرى عشان ما كنتش باعرف أركز، خايف أكون مش زوج كويس أو أب كويس، لأنى عيان».
ومن مستشفى أبوالريش بالقاهرة إلى إحدى المناطق الشعبية بمحافظة الغربية، حيث جلس أحمد المكوجى، 67 عاماً، فى دكانه الذى غطت الأتربة كافة أرجائه، ارتدى عباءة بالية ذات أكمام قصيرة، وبابتسامة واسعة كشف عن أسنان ناصعة البياض، قبل أن يقول: «الدكاترة والطلبة بيحبونى فى كلية طب أسنان»، وبحركة كوميدية أخرج الرجل طقم الأسنان من فمه، ثم أعاد تركيبه والطقطقة عليه، قائلاً: «الطقم ده أكتر طقم بارتاح له، لأن اللى عملتهولى دكتورة ماجستير، مش طالبة عادية، عندى أكتر من 40 طقم، لكن المظبوطين منهم تمام طقمين بس»، وللتأكيد مد «أحمد» يده إلى طبق بلاستيكى كبير مملوء بالماء والكلور، وبداخله أكثر من 20 طقم أسنان مغلفة بقفازات طبية، اختفى قليلاً وسط كراكيب دكانه، وعاد حاملاً المزيد من القفازات بداخلها أطقم الأسنان الصناعية، وفى النهاية جلس على كرسيه مستعداً لسرد الحكاية.
«طول عمرى كنت باشتغل مكوجى، ورثت المحل ده عن أبويا، وقفت على رجلى من عمر 13 سنة أكوى القمصان والبناطيل، لحد 10 سنين فاتوا، بالصدفة عرفت الطريق للجامعة والطلبة»، مع تقدمه فى السن، خسر «أحمد» كل أسنانه، ولضيق الحال لم يكن يملك ثمن طقم أسنان صناعية يساعده على الأكل، إلى أن طلبت منه ابنة جار له، طالبة فى كلية طب أسنان أن تصنع له طقماً صناعياً تأخذ به درجات العملى فى كليتها، ورغبة منه فى مساعدة ابنة جاره، والحصول على طقم أسنان فى نفس الوقت وافق «أحمد»، وذهب إليها فى المستشفى الجامعى، وهناك تعرف على عدد من الطلبة أبدوا رغبتهم فى أن يستعينوا بفمه الفارغ للحصول على درجات العملى، ومن وقتها اعتاد الذهاب إلى كلية طب الأسنان، حفظ أروقتها وأساتذتها، والطلاب الذين يتوافدون عليها ويتخرجون فيها.
{left_qoute_2}
ولأنه يعيش وحيداً بعد وفاة زوجته وزواج أبنائه، فلم يعد «مشوار الجامعة» كما يسميه «أحمد»، مجرد استرزاق فقط، لكنه تحول إلى ما يشبه «الفسحة»، ثم صار بمرور الأيام تسليته الوحيدة، بعد أن أصبح وجوده مع الطلاب «كل حياته» على حد تعبيره، أكسبه «مشوار الجامعة» خبرة كبيرة، راح يشرح طريقة صنع أطقم الأسنان، ويوضح مهمته فى الصناعة، منوهاً بأهميتها الشديدة، أو كما قال عنها: «من أصعب الخطوات فى صنع الطقم»، يتابع: «أنا باستحمل اللى كتير ما يقدروش يستحملوه، أوقات فى اليوم الواحد 3 أو 4 طلاب بيشتغلوا عليَّا وياخدوا مقاساتى، ولثتى بتلتهب جداً، لكن باستحمل، أهون من أنى أقف على رجلى وقت طويل علشان أكوى قميص ولا بنطلون، باعتبره مشوار ويخلص».
ومع خبرته فى مجال صنع أطقم الأسنان، فإن «أحمد» لا يبخل على طلاب الطب بالمساعدة: «أوقات باخد المقاس وأظبطه على لثتى من غير ما يحتاس الطالب، وفى ثوانى بيكون المقاس جاهز، ولو الطقم باظ منه قبل التسليم أو ما طلعش مظبوط خالص، بجيب له أحسن طقم عندى من الأطقم دى، وياخد عليه الدرجة فى التقييم النهائى». ولا تتوقف مهاراته عند هذا الحد بل إنه يقوم بصيانة أطقم الأسنان بنفسه، ويعيد تهذيبها بالحجر، ويلحمها إذا تعرضت للكسر، أكثر من ذلك يدل جيرانه على المستشفى الجامعى إذا رغبوا فى صنع أطقم أسنان بالمجان «أوقات بوصل الطلبة بناس تانية، يعملوا عليهم أطقم، ودى عملية مساعدة»، قبل رحيلى سألته عن المبلغ المطلوب، فقال: «اللى تدفعيه يا دكتورة»، فدفعت وفقاً للتسعيرة المتعارف عليها، التى تتراوح بين 60 إلى 100 جنيه.
وكما دلنا الطلبة على «منى» السمسارة، وأحمد حالة طب الأسنان، دلونا أيضاً على «قهوة العيانين»، وهى عبارة عن مقهى يقع أمام مستشفى قصر العينى، أطلق عليها الطلاب ذلك الاسم نظراً لأنه يستقبل حالات المرضى المحترفين، ويتم فيه إبرام الاتفاقات غير المعلنة بين طلاب كلية الطب والمرضى المزمنين، داخل المقهى جلس «سمير»، رجل أربعينى، دلنا عليه طلبة طب، باعتباره يستطيع توفير حالات مرضية للاتفاق معها، لدخول امتحانات العملى، قال إنه يعرف طلبنا جيداً، حيث يعمل حارساً للمستشفى الجامعى منذ أكثر من 17 سنة، قاطعنا أثناء الحديث «انتوا عايزين حد عارف حالته، وعارف تاريخه المرضى، ويقعد ويمليكو كل التفاصيل، قبل ما تاخدوه الامتحان، أنا أعرف واحد على طول بيقعد هنا، وبيروح مع الدكاترة قصر العينى بقاله 10 سنين»، مشيراً إلى أن هناك مرضى ممن يمتهنون تلك المهنة، يرفضون تلقى العلاج أو الجراحة، من أجل الإبقاء على مصدر دخل لهم، حيث الشفاء بالنسبة لهم يعتبر قطعاً للرزق، وبعضهم ممن يشفى بالفعل ولكنه يمثل دور المريض، ويدعى نفس الأعراض، حتى يستعين به الطلاب فى الامتحانات العملى.
قدم لنا «سمير» رقم هاتف أحد «المرضى المزمنين»، قائلاً إن هذا المريض «لقطة» حيث يعانى من تضخم الكبد، وأمراض أخرى مزمنة كثيرة، ويتجول بكافة التحاليل والأشعة، وأثناء حديثه معنا أشار بيديه لأحد العاملين بمستشفى قصر العينى، يدعى «حامد»، فرد من طاقم التمريض، اعتاد المجىء والجلوس فى المقهى، طالبه بمساعدتنا للوصول إلى أحد «العيانين المحترفين» داخل قصر العينى، أجابه حامد: «هاتهم هنا الساعة 7 ونصف، وأنا آخدهم باطنة، وأعرفهم على الحالات القديمة».
وبالفعل ساعدنا حامد فى دخول قصر العينى، وتركنا نبحث بين الأروقة والعنابر عمن يمتهنون تلك المهنة، بينما انشغلت العاملات فى تنظيف الأرضية، استعداداً لما يعرف «بالمرور»، وعرفنا من طاقم التمريض توقعهم قدوم مسئول من أجل تفقد سير العمل فى المستشفى، ولذلك كان من الواجب أن يبدو كل شىء على ما يرام، كل من توجهنا لسؤالهم سواء أطباء أو ممرضون، لم يتعجبوا من بحثنا عن مرضى باطنة محترفين، أخبرونا أنهم لا يتم حجزهم داخل المستشفى سوى الليلة قبل الامتحان العملى فقط، بينما أشار لنا «حامد» على أحد المرضى فى الدور الخامس فى مستشفى قصر العينى، قائلاً: «اللى هناك ده حالة بنجهزه علشان ندخله معانا امتحانات العملى على طول، عنده أمراض كتير».
فى آخر الرواق جلس عم حسن، رجل تجاوز السبعين من عمره، قال إنه لم يدخل امتحانات عملى مع الطلاب من قبل، حيث إنه غير ملم بطبيعة مرضه بالتحديد، ولكنه يعرف أنه يعانى من مشاكل فى الكلى والحالب والمرارة، وقام بالتحاليل الخاصة بالكبد، وقضى فى المستشفى شهراً كاملاً، وخلال تلك الفترة كان يتوافد عليه الطلاب محاولين فحصه، قال ضاحكاً: «قلت لهم الواحد يدفع 5 دولار، علشان أبعدهم عنى، أنا عيان مش من الناس اللى بييجوا هنا علشان فلوس، بس أنا مش هسمع كلامهم ومش هدخل امتحانات الطلبة، ومش همشى فى السكة دى».
فى تلك الأجواء الخفية المستترة يلعب السماسرة الدور الأهم، والأكثر حيلة وبراعة، منهم من كان له تاريخ مرضى طويل، وبدأ مشواره «كمريض خبير»، مثل باقى «العيانين»، الذين امتهنوا بيع المرض للطلبة فى كليات الطب، يحفظون الأعراض والتشخيص والدواء باللغة الإنجليزية عن ظهر قلب، ثم يجلسون مع الطالب قبل الامتحان العملى أو أثناءه، ويقومون بإملائه كافة التفاصيل، وما يميزهم عن بقية من امتهنوا تلك المهنة من أقرانهم أنهم تمتعوا بصفة القيادة والذكاء، حيث تمكنوا من إدراج مرضى جدد لتلك المهنة، ومعرفة سجلهم المرضى، وتكوين شبكة فيما بينهم، ولسنوات طويلة عملوا كحلقات وصل بين هؤلاء المرضى وطلاب كليات الطب فى جميع المحافظات، وفى المقابل يحصل السمسار على نسبة أو عمولة محددة على كل مريض محترف، يتم توريده إلى المسئولين عن الامتحانات فى الجامعات.
{left_qoute_3}
«فتحى» واحد من هؤلاء السماسرة، الرجل الخمسينى مريض «درن» أو «سل»، امتهن مهنة سمسار توريد «العيانين»، للمستشفيات الجامعية لمدة 15 عاماً، أفصح عن كل أسرار مهنته بعد أن قدمت نفسى إليه باعتبارى طبيبة نفسية، أجرى رسالة ماجستير عن الحالات التى امتهنت بيع مرضها، تحدث بثقة تامة عن دخوله المهنة قائلاً إنه كان ينتمى لأسرة شديدة الفقر، سكنت فى غرفة واحدة، عمل فى تلميع النحاس مما تسبب فى إصابته بـ«الدرن»، وبعد إهمال مرضه لفترات طويلة اشتد عليه التعب، مما اضطره لإجراء عملية استئصال كلى، وتم حجزه فى المستشفى «اتفاجئت لما الأساتذة الكبار دخلوا عليَّا العنبر، وقالوا لى عايزينك تبقى معانا فى الدمرداش، انت حالتك زى ما الكتاب ما بيقول، يعنى فيها أعراض واضحة».
فتح له الأساتذة باباً للرزق حين استدعاه أحدهم إلى «سنتر» درس خصوصى يدرس فيه لطلاب كليات الطب، يومها أمضى 7 ساعات كاملة فى الدرس، حيث كان هو الحالة التى يدرسون عليها، جلس أمامهم عارى الصدر، يضربون بأصابعهم على صدره وجنبه وبطنه، ويسمعون نبضه، وبعدما أجرى جميع من فى القاعة الضخمة الكشف عليه، استعد للرحيل «فى نهاية اليوم الدكتور إدانى 700 جنيه، فضلت أعد فيهم زى المجنون، ما بقتش مصدق نفسى من الفرحة، بس روحت مش قادر من كتر التعب».
يعتبر فتحى ذلك اليوم «نقطة تحول» فى حياته، اهتم بعده بمعرفة كافة المعلومات عن مرضه باللغة الإنجليزية، وحفظ تاريخه المرضى، مع أنه لم يتلق فى حياته أى قدر من التعليم، حفظ كل المعلومات «سماعى» على حد وصفه، دون أن يعرف القراءة أو الكتابة، بل وأضاف ما تعرض له من مضاعفات صحية أثرت على كليته اليمنى، بالإضافة لمرضه الصدرى، فأصبح مطلوباً فى المستشفى الجامعى أكثر من غيره، وبعد أن تعلم كل قواعد اللعبة تحول لسمسار يورد المرضى الفقراء إلى الدروس الخاصة التى يقدمها كبار الأساتذة، وإلى عنابر الامتحانات العملية فى كافة المستشفيات الجامعية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث حدد التسعيرة الموحدة لتوريد «العيان».
«لو أنا ما عملتش 7 آلاف جنيه فى موسم الامتحانات، يبقى ما اشتغلتش، ده موسم بالنسبة لى زى موسم بيع البطيخ بالنسبة للفلاح»، وهو يعتبر نفسه كسمسار أكثر رحمة من غيره، حيث إنه يرفق بالطلاب الفقراء الذين لا يتمكنون من دفع مبالغ كبيرة، على عكس ما شهده من «عيان» آخر فى نفس مهنته، عندما اختلف على المبلغ مع طالبة قدم لها تاريخاً مرضياً وأعراضاً خاطئة حتى تخطئ فى التشخيص، ويتسبب فى سقوطها فى الامتحان العملى.
وعن تسعيرة بيع العيان يقول «فتحى»: «توريد العيانين لطلاب الجامعات الخاصة أغلى من توريدهم لطلاب الجامعات الحكومية، والتسعيرة بتختلف بين طالب تحت التخرج، وطالب ماجستير أو دكتوراه»، إذ كلما زادت أهمية الامتحان للطالب، زادت التسعيرة، يبتسم بمكر: «أنا مرة خليت دكتور فى امتحان الماجستير يقلع ساعة وسلسلة فضة، قلت له أنا عايزهم، ما قدرش يفتح بقه وإلا اديله أعراض وتشخيص غلط، وأسقطه فى الامتحان».
ويؤكد «فتحى» أنه لا يقوم بأى فعل غير أخلاقى، وأنه يساعد الأطباء فى الحصول على مكانة علمية أفضل، سواء كان طالباً تحت التخرج، أو فى سبيله للحصول على دبلومة أو ماجستير أو فى سنة الامتياز، ولم يتعمد الانتقام من أحد سوى طالبة كانت تغسل يديها بالمطهر من وقت لآخر، أثناء الكشف عليه، فأعطاها تاريخاً مرضياً وتشخيصاً خاطئين، كنوع من الانتقام منها بعد أن شعر بالإهانة من تصرفها رغم علمه بأن مرضه مُعدٍّ.
وختم «فتحى» كلامه بقوله: «المنظومة دى غلط، الدكاترة بيطلعوا مش عارفين حاجة، لأننا اللى كنا بنقولهم التشخيص، وبينجحوا فى الامتحان بفلوسهم، لكن لو كانوا عايزين يتعلموا حقيقى ينزلوا لمرضى عاديين فى المستشفيات الحكومية، ما حدش يلومنا، الغلط على الأساتذة اللى فاتحين سناتر للدروس الخصوصية وبيدخلوا 20 ألف و50 ألف جنيه فى اليوم الواحد، المنظومة كلها غلط».
فى منطقة المنيل القديم، وداخل حوارٍ ضيقة وأزقة، لا يسمح عرضها إلا بمرور شخص واحد، وأمام أحد البيوت القديمة، وقفنا فى انتظار أكبر سمسار لتوريد المرضى الخبراء إلى كافة كليات الطب الجامعية والخاصة، اسمه هو الأكثر شهرة فى هذا المجال، يعرفه رؤساء الأقسام والأساتذة الكبار والطلاب، ذاع صيته فى كافة المحافظات على مستوى الجمهورية، وجاءت مقابلته لنا على خلاف كل ما توقعناه.
{long_qoute_2}
سليمان ناجح سليمان، شاب فى أواخر الثلاثين من عمره، جلس بجسد شديد النحول، على كرسى متحرك، لا يقوى على تحريك ذراعه إلا حركة محدودة، تدفعه ابنته الصغيرة، وتلبى كل ما يطلبه منها، وافق على التحدث أمام كاميراتنا، وعلى تسجيل اللقاء «صوت وصورة». قال إنه مصاب بضمور فى العضلات، هو وأخواه الاثنان الذكور، وجميعهم متزوجون ولديهم أبناء، ومع مرور السنوات، ازدادت أعراض مرضهم «العيلة كده، ما بقتش لاقية حد يعولها»، بدأت أعراض المرض فى الظهور عليه، وعمره لا يتجاوز الـ12 سنة، يقول إنه لم يستطع الحركة أو صعود السلم، وتم تشخيص مرضه بـ«ضمور فى العضلات»، بعيون طفل رصد «سليمان» وجود مرضى مزمنين فى مستشفى قصر العينى، عرف ما يقومون به من الحصول على مبالغ مالية من الأطباء والطلاب فى مقابل تقديم تاريخهم المرضى والتشخيص: «بدأت أحفظ أسامى الأمراض بالإنجليزى، وأتواصل مع الأطباء، لحد ما بقيت بأعرف أختار الحالات الأفضل للدراسة»، بدأ فى مزاولة مهنته وعمره لا يتجاوز الـ15 عاماً، ومع مرور الوقت، تطور فى عمله ليصبح أكبر «سمسار توريد العيانين»، لكليات الطب فى مصر كلها: «أنا مستعد أعرف أى عيان من مشيته، وأجيبه يشتغل معانا وياكل عيش».
يصف «سليمان» عمله بـ«الإنسانى الخيرى»، فعلى حد قوله يساعد المرضى، الذين فقدوا مصدر رزقهم، بسبب مرضهم، وتزايدت عليهم مصاريف العلاج والأدوية، ولم توفر لهم الدولة أى مساعدة اجتماعية، أو علاجاً حقيقياً، يتذكر أصعب الحالات التى قابلها، رجل من طنطا، مريض كبد، لديه 5 بنات، جميعهن ذات إعاقة ذهنية، لم يكن له دخل سوى 220 جنيهاً شهرياً، وعلاج بناته تصل تكلفته لـ6 آلاف جنيه، وبعدما عجز عن علاجهن، توفيت ثلاث منهن، ولم يتبق سوى اثنتين «الراجل جالى علشان أساعده، وبيمرمط نفسه فى الشغلانة دى، بس علشان يوفر ليهم علاج».
«أنا أكتر واحد عندى عيانين وعايز أناشد الحكومة تعمل لهم نقابة، وتوفر لهم احتياجاتهم الأساسية من علاج وأدوية» يدلل «سليمان» على كلامه بقوله إن عمله توسع ليصل إلى كل جامعات مصر الحكومية والخاصة، ولا يعنى ذلك تحقيقه مكاسب مادية: «اللى بيقولوه إننا عملنا ثروات افترا وكذب، لأن المريض بياخد 100 جنيه فى الحصة، بياخد منهم السمسار 30 جنيه، والمبلغ اللى بياخده المريض بيصرفه على علاجه ومرضه»، يبرر «سليمان» عمله وغيره فى مهنة احتراف بيع المرض بقوله: «انتو فاكرين المريض بيلجأ للمهنة دى ليه، أهم حاجة عند الدكتور إنه يورى الطالب المنطقة اللى يسمع عليها المرض، ويبهدلوه، ويقلعوه فى عز البرد، ويحطوا السماعات عليه، وفيه طالب بيبقى غشيم فى جس الوجع، الشغلانة دى متعبة، وهما اللى بيوصلوا المريض العادى لأنه يبقى مريض مزمن، لأنهم مش بيعالجوه».
يواصل: «على عهدى الدكاترة اللى كانوا بيشتروا الحالات بقوا رؤساء أقسام وأساتذة كبار، وإحنا زى ما احنا، وفيه عيانين بيتوقفوا عن العلاج علشان بيخافوا الدكاترة يمشوهم، ويقطعوا عيشهم».
ولأن لكل سمسار تخصصاً ونطاقاً جغرافياً لعمله كما يقول «سليمان»، فقد اختار المجال الأوسع وهو الأمراض الباطنية، وأمراض الأعصاب، وهو لا ينكر استغلال الأطفال فى المهنة، لكنه يؤكد أنه ينأى بنفسه عن ذلك، ويبرر استغلال الأمهات لأمراض أبنائهن باحتياجهن للمال.
شعور بالظلم والحسرة سيطر على «سليمان» أثناء حديثه، يشير إلى بيته، قائلاً إنه انهار بالكامل عليه وعلى أسرته أثناء نومهم، بسبب سقوط كتلة خرسانية ضخمة من عمارة مجاورة، كان صاحبها يبنى أدواراً مخالفة، بين ليلة وضحاها، وجد «سليمان» وأسرته أنفسهم فى الشارع: «لما رحنا قدمنا فى القسم، لقيت المأمور بيقول لى انت عامل نفسك قاعد على كرسى علشان تيجى تقولى بيتك وقع»، يتساءل مستنكراً: «يعنى أنا هقعد على كرسى متحرك 20 سنة، علشان أقوله بيتى وقع»، أما رئيس الحى، فهدده إذا قام بتحرير محضر حول الواقعة بأنه سيزيل الحارة بأكملها لأنها منطقة عشوائية، ليس هذا فقط، بل إن محاولاته على مدار سنوات طويلة للحصول على ترخيص بإقامة كشك باءت جميعها بالفشل: «عايزين تعرفوا أنا اشتغلت الشغلانة دى ليه، ما لقتش غيرها، رحت المحافظة يومياً لمدة سنة كاملة، علشان أقدم على كشك ومحدش معبرنى»، يعود مرة أخرى للحديث عن حالته المرضية مؤكداً وجود علاج لحالته فى ألمانيا وإيطاليا، يتكلف 750 ألف جنيه، غير أنه يقول: «طبعاً مستحيل الدولة تعالجنا، إنما لو مسئول طلب يزرع شعره، أو ممثلة حبت تعمل تجميل لمناخيرها هيوافقوا».
ومن المرضى الخبراء للأطباء أنفسهم يروى عمر سامح، طبيب مقيم فى قصر العينى، تجربته الأولى مع مريض خبير، أثناء امتحان العملى، فوجئ أن المريض يتحدث كلما حاول وضع السماعة على صدره، ليكشف عليه، قبل أن يساومه بأن يدفع المطلوب، حتى يعطيه الأعراض الصحيحة، ويسمح له بالكشف عليه: «اضطريت ادفع له 120 جنيه، ودى المرة الوحيدة اللى اضطريت أدفع فيها».
وهناك فرق بين المبالغ المالية التى يحصل عليها المريض العادى المحجوز فى المستشفى، بعد مشاركته فى الامتحان العملى لطلاب كليات الطب، والتى تكون فى صورة تبرع مقدم من الجامعة لا يتجاوز الـ100 جنيه، وبين المرضى المحترفين، الذين يبيعون أمراضهم للطلبة فى الامتحانات ويملون عليهم ورقة الإجابة بالكامل، ويكون لهم باع فى ذلك المجال، والسمسار يحصل من المرضى الخبراء الذين يحضرهم ثلث المبلغ أو خمسه، أما إذا كانوا مرضى خبراء جدداً وغير ملمين بالتسعيرة، فيحصل منهم على نصف المبلغ.
{long_qoute_3}
ولا ينسى «عمر» واقعة جرت بينه وبين سمسار عندما أصبح طبيباً مقيماً، إذ اضطر لتجهيز الامتحان العملى مع النائب، بإحضار حالات متنوعة ليقوم الطلاب بالكشف عليها، فاتفق مع أحد السماسرة، على إحضار 10 حالات: «بعد ما اتفقت مع السمسار نائب رئيس القسم رفض وجود حالات خبيرة، وقال لى تنزل تقلب المستشفى على حالات، وتجيبهم الامتحان، عملت كده فعلاً، واتصلت بالسمسار عشان ألغى الاتفاق، لكنى فوجئت بيه جاى يوم الامتحان، وبيتخانق ومصمم ياخد الـ200 جنيه عمولته، اللى كان هياخدهم لو الاتفاق مشى، ولما طلبنا الأمن وطردناه، لقيناه واقف قدام باب المستشفى ومصمم ياخد فلوس من العيانين اللى كانوا فى الامتحان».
ويؤكد «عمر» أن الامتحان العملى يؤثر على درجات الطالب بشكل كبير: «فيه طالب كان متدين، وشايف إن دفع فلوس للحالة حرام، وقع فى إيد مريض خبير، ولما رفض يدفع له، ادى له أعراض غلط، الطالب أخد نص الدرجة فى الامتحان، واتغير ترتيبه على الدفعة، بسبب الواقعة دى».
يقول د.خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، إن الاتجار فى المرض تفاقم من الثمانينات بسبب ظهور الدروس الخصوصية لطلاب كليات الطب، حتى أصبح له كيان وروابط أشبه بـ«مافيا الاتجار بالمرض»، حيث يتجمع كل من يمتهن تلك المهنة فى أماكن قريبة من المستشفيات الجامعية، ويقوم سمسار بتوزيعهم على مراكز الدروس الخاصة وامتحانات الطلبة، ويحدد لهم أسعاراً معينة، ويستعينون ببلطجية لحماية مصالحهم.
يواصل «سمير»: «على عهدى، لم أضطر لشراء أى حالة مرضية، ولكن كنا نقوم بدفع مبالغ مالية، تجمع منا للحالات المشاركة فى الامتحان العملى، نظير قبولهم دخول الامتحان، ولكنى عرفت بوجود المرضى الخبراء، وطبيعة عملهم واكتشفت أن هناك طلبة حاصلين على رسائل الماجستير والدكتوراه نجحوا من خلال تلك الحالات التى كانوا يعرفونها قبل الاختبار».
وعن مدى تورط الأساتذة والأكاديميين مع تلك الحالات، يقول د.خالد: «لا أعتقد أن الأساتذة الكبار يشاركون فى تلك المسألة، فهم يترفعون عنها، ولكن يتجاهلون منعها، بينما يتورط فيها إدرايون لتحقيق مكاسب مادية، منظومة التعليم فى مصر ضعيفة ويجب تغيير شكل الامتحانات بالكامل، وأن يتم وضع نظام تقييم فى القطر العربى يكون موحداً، لتحديد الحد الأدنى من كفاءة خريجى كليات الطب قبل مزاولة عملهم».
يتابع د.خالد: «الاتجار بالأطفال بالذات، فى منظومة المافيا، يجب منعها بشكل كامل، ومعاقبة كل من تواطأ بها قانونياً، وتحرير محاضر إهمال لأهل الأطفال، ويجب دراسة حالات المرضى الخبراء على حدة، لمعرفة من كان مضطراً لظروف اقتصادية صعبة لمزاولة تلك المهنة لمساعدته، ومن اتخذها وسيلة للتربح المادى السريع لمعاقبته».
أما د.محمد القصاص، أستاذ الطب بجامعة حلوان، واستشارى بمعهد القومى للكبد، فيقول: «موضوع المرضى المزمنين اللى بيتكسبوا من مرضهم شائع جداً، لدرجة أنه من أساسيات ودعائم منظومة التعليم الطبى الخاطئة المسكوت عنها فى مصر»، يتذكر «القصاص» المرة الأولى التى التقى فيها أحد المرضى المزمنين وأجبره على دفع 50 جنيهاً فى أول اختبار عملى له فى قسم الجراحة فى سنة رابعة طب: «وقتها كانت أول مرة أتعامل مع العيانين المحترفين، والعيان ساومنى أدفع وإلا مش هيقولى أعراض مرضه، وشعرت بغيرة أن عيان غير متعلم بيملينى كافة أعراض وتاريخه المرضى بالإنجليزى، وبالفعل دفعت له 50 جنيهاً».
يتأسف «القصاص»: «منظومة التعليم فى مصر مهترئة، وعفى عليها الزمن، الدول العربية قامت بتغيير هذا النظام منذ سنوات طويلة، ونظام امتحان طالب كلية الطب أصبح معتمداً على خلق مواقف محددة يتصرف فيها الطالب، والاختبار النظرى يعتمد على الاختيار من متعدد، والاختبار العملى يعتمد على وضعه فى مواقف لتقييم قدرته على كشف طبيعة المرض من خلال مطالبته بتحاليل وكشوفات معينة، ومعرفته بمراحل المرض ومدى تطوره، وفحصه لعدد كبير من الحالات وإلمامه بالفروق الفردية من مريض لآخر، ولكن أن يتخرج طالب كلية الطب ويزاول مهنته وهو عاجز عن تشخيص حالة مرضية فتعتبر كارثة بكل المقاييس».
د. عائشة أبوالفتوح الجمل، أستاذ الصحة العامة بكلية طب عين شمس، ومسئولة عن شئون التعليم والطلاب، اعترفت باستخدام الكلية للمرضى الخبراء نظراً لكثرة الامتحانات وتنوعها ما بين بكالوريوس وماجستير ودكتوراه، ولأن المرضى المزمنين غير متوافرين بكثرة، كما تقول عائشة، فقد بدأوا يشعرون بأهميتهم من كثرة استدعاء الكلية لهم: «مرضى الدمرداش لهم طبيعة خاصة، ومستوى اقتصادى معين، ومعظمهم بيكون فقد مصدر رزقه، فبيكون ده مصدره الوحيد اللى هييجى له منه لقمة عيش، إذن فالمنفعة متبادلة».
تقول د.عائشة إنها مجبرة على التعامل مع الأمر الواقع فى ظل غياب أى لائحة توضح كيفية التعامل مع المرضى المزمنين، خاصة أنه لا يوجد لديهم نقابة أو رابطة، يمكنها أن تتعامل معها بصفة رسمية: «المشكلة حصلت لما بدأ المرضى يغالوا فى الفلوس فى بعض المواقف، من هنا احنا لينا تجربة فى قسم الباطنة، الأساتذة وهما بيجهزوا للامتحان قلنا إننا هنتعامل مع الناس دول، ونقولهم يوم الامتحان بكذا، وبنجمع فلوس من الطلبة، كده كده هو هيدفع، لأننا لو سبناها هتدخل فى مزاد».
وتكمل د.عائشة قائلة إنهم قاموا بتغيير نمط الامتحان العملى حيث يمر الطالب على 4 حالات وليس على حالة واحدة، وذلك فى وجود المشرف: «وبكده نبقى بنلغى الصفقة اللى كانت بتتم بين الطالب وبين العيان أثناء فترة الامتحان، والناس دى برضو تبقى خدت حقها، ويعنى الأمور مشيت وبقالنا كذا سنة ماشيين بهذا النظام، والحمد لله».
وعن وجود أطفال فى تلك المهنة تقول د.عائشة: «الناحية الإنسانية تفوق كل شىء، دكاترة الأطفال مش هيطلبوا فى الامتحان إن طفل يتكشف عليه كذا مرة، لا الحاجة بتبقى محددة، والمرضى المزمنين اللى بيقبلوا ده بيلاقوا فيه مردود هيرجع لهم، لكن لما بنتعامل مع أطفال ممكن أسأل الأم مش لازم أكشف على الطفل».
ويقول د. فتحى خضير، عميد كلية طب قصر العينى، وأستاذ جراحة تجميل: «بالطبع تقابلنا تحديات داخل كلية الطب، مثلما تقابل الدولة كلها تحديات، وتوليت منصبى منذ 10 شهور فقط، وبالطبع منعنا دخول المرضى المزمنين الذين يقدمون معلومات للطلاب، حتى نمنع الغش فى الامتحان، ولكن لا ضرر من استخدام هؤلاء المرضى فى عملية التدريس، وهو نظام موجود فى العالم كله، حتى فى إنجلترا، وهذا ما رصدته بنفسى أثناء تدريبى فى إنجلترا، حيث يتم وضع قائمة بأسمائهم، ويتم إرسال إيميلات لهم محددين موعد المحاضرة المطلوبين فيها، ويتم تخصيص مكافآت مالية لهم».
يتابع د.فتحى: «المريض المزمن فايدته فى التدريس إنه بيبقى فاهم ومستعد الطلبة تشوفه، ومستعد يوريهم بنفسه، ويبين لهم أعراض المرض، فى التدريس ده مش عيب، إنما فى الامتحان عيب، مش لأنه بيساومهم فى فلوس، بل لأنه بيغششهم، علشان كده احنا مانعينهم من دخول الامتحان من 10 أو 15 سنة وهما ممنوعين تماماً من دخول الجراحة والباطنة».
وأضاف د.فتحى خضير أن الامتحان الإكلينيكى، أى العملى، هو جزء من الاختبار، وليس الاختبار كله، فهناك مجموعة من الاختبارات التى يمر بها طالب كلية الطب، مثل الامتحان التحريرى، و«الأوسكى» الذى يتم من خلال عرض أشعة على أجهزة الكمبيوتر، والامتحان الشفهى الذى تقلصت درجاته لتصل إلى 7 أو 8% من الدرجة الكلية، أما الامتحان الإكلينيكى الذى كان يعتمد عليه هؤلاء المرضى المزمنون، فيوجد فيه مشرف وأساتذة مساعدون ومدرسون: «أعلنت أن أى مساومة تتم من أى مريض، من حق الطالب أن يشير للمشرف ويخبره أن المريض يساومه، وفى تلك اللحظة يتم استبعاد المريض من الامتحان نهائياً، إنما بعض الطلبة ارتضوا ذلك، وبيكونوا مبسوطين إن المريض غششهم أعراض المرض والتشخيص».
ويضيف د.خضير: «إحنا دايماً بنقول للأساتذة المشرفين دول ما تجيبوش عيانين مزمنين، علشان ما يغششوش الطلبة، رسمياً احنا مانعينهم، ما بندخلهمش، اللى معروفين لدى الأساتذة ما بيدخلوش، إنما لو بيجيبوا جيل جديد مدرب، وغير معروف لينا، قد يكون بيحصل فعلاً».
ويؤكد د.فتحى خضير أنه أثناء دراسته فى السنوات الأولى فى كلية الطب، كان هؤلاء المرضى المزمنون تقوم عليهم العملية التعليمية، وذلك فى عام 1976، وليس هناك خريج طب لم يعرف هؤلاء المرضى المزمنين: «لذلك قررنا أن نقوم بثورة تعليمية داخل كلية طب قصر العينى، وذلك من بداية هذا العام الدراسى، حيث سنعتمد برنامجاً جديداً يسمى النقاط المعتمدة، وسيتم قبول عدد محدد من الطلاب فى ذلك البرنامج، والذى يعتمد على أن يدرس الطالب منذ العام الأول داخل المستشفى، كما قام الأساتذة مشكورين، بتطوير المناهج المقدمة للطلاب، وذلك حتى تصبح مناهج الطلاب العاديين مشابهة لطلاب البرنامج، ويتلقون نفس الامتحانات سعياً منا لتكافؤ الفرص، وهذا لم يتم من قبل سوى فى طب قصر العينى فقط».
ويكمل د.فتحى خضير: «طالب طب بشرى قصر العينى بيكلف الدولة سنوياً 58 ألفاً و400 جنيه، وذلك وفق دراسة أعدتها كليتا تجارة وهندسة جامعة القاهرة، وفى خلال 6 سنوات ونصف السنة دراسة، يكلف الطالب الدولة نحو نصف مليون جنيه، حتى يصبح خريج بكالوريوس، ول ايزال أمامه مشوار طويل من حصوله على امتياز أو يصبح إخصائياً، أما استشارى الجراحة فتكلفته 3 ملايين جنيه، وفى كلية طب قصر العينى هناك 1200 جراح، قوة بشرية تحتاج 3 مليارات جنيه، غير باقى التخصصات، ولذلك تطوير التعليم لن يتم سوى بعد تقليل أعداد الطلاب المقبولين فى كلية الطب، حتى نحصل على طبيب متميز».
ويختم د.فتحى خضير كلامه قائلاً: «القوانين لوحدها مش كفاية، لازم يكون فيه وعى مجتمعى، المريض الغلبان اللى بيغشش الطالب كل اللى بيبص له الفلوس اللى هياخدها، لكن ما حدش فهمه إن ده ضرر هيعود عليه وعلى غيره بعدين».
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى
- أجهزة الكمبيوتر
- أطقم الأسنان
- أعراض المرض
- أم على
- أنيميا البحر المتوسط
- إجراء عملية
- استغلال الأطفال
- الأمراض الباطنية
- الاتجار بالأطفال
- آلى