الدستور.. البرلمان وموازنة القوات المسلحة (21)
إذا كانت المادة 196 فى مسودة الدستور تفتئت على السيادة التشريعية للبرلمان بإلزامه بأخذ رأى مجلس الدفاع الوطنى فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، فهى أيضاً تعصف بسيادته الرقابية على أعمال السلطة التنفيذية عبر مناقشة وتغيير واعتماد مشروع الموازنة العامة.
فالمادة 196 تنص على أن مجلس الدفاع الوطنى يختص بمناقشة «موازنة القوات المسلحة على أن تدرج رقما واحدا فى الموازنة العامة للدولة»، وتغتصب بذلك من البرلمان اختصاصه الأصيل فى المناقشة التفصيلية لكافة بنود الموازنة العامة بما فيها موازنة القوات المسلحة وتغييرها واعتمادها دون تدخل من السلطة التنفيذية أو من جهات أخرى خارج البرلمان.
نحن هنا أمام استمرارية خطيرة للاستبداد وعسكرة الدولة، فتمكين مجلس الدفاع الوطنى الذى يسيطر على تشكيله قيادات الجيش من تحديد موازنة القوات المسلحة والدفع بها رقما واحدا للبرلمان المنتخب، بحيث لا يستطيع مناقشتها التفصيلية يتناقضان بالكامل مع الجوهر الديمقراطى ويؤسسان فى مصر مجددا وبعد ثورة يناير للوضعية الاستثنائية للمؤسسة العسكرية. وتفتقد الموضوعية والحجية المقولات التى تسوقها أقلام وألسنة تبرير الاستبداد من أن البرلمان لا يستطيع النظر فى موازنة القوات المسلحة إلا وهى مدرجة رقما واحدا حماية للأسرار العسكرية وللأمن القومى. فالبرلمانات الديمقراطية تناقش العناصر السرية فى موازنات الجيوش (كالتسليح مثلا وليس مرتبات القيادات أو النشاط الاقتصادى لجهات عسكرية) فى اجتماعات غير علنية وتصل بشأنها لتوافق بين الأحزاب الممثلة بالبرلمان وأعضائه لا يرشح أبدا لخارجه. والبرلمانات الديمقراطية حين تناقش موازنة القوات المسلحة أو غيرها من بنود الموازنة العامة، فهى تقوم بذلك فى حضور ممثلى السلطة التنفيذية ومن بينهم وزير الدفاع.
تمثل المادة 196 من مسودة الدستور، بافتئاتها على السيادة التشريعية والسيادة الرقابية للبرلمان بشأن تشريعات وموازنة القوات المسلحة وبإضفائها شرعية دستورية على الوضعية الاستثنائية للمؤسسة العسكرية، ردة حقيقية عن المرتكزات الدستورية للديمقراطية وللدولة المدنية ولا يمكن لفصيل أو لسياسى يريد التقدم لمصر أن يوافق عليها أو يبتلعها على مضض.
ويعجز عقلى عن أن يفهم كيف يوافق ممثلو الأحزاب والتيارات المدنية داخل الجمعية على هذه المادة، ويعجز أيضاً عن أن يفهم موافقة ممثلى أحزاب الإسلام السياسى خاصة حزب الإخوان الذى يعلن دوما عزمه على القضاء على الدولة العسكرية فى مصر. هذه جمعية تأسيسية لا هم لها إلا المواد الدستورية المتعلقة بالدولة والمجتمع وبالحقوق والحريات والتى يعمل الإسلام السياسى على أن يجعل منها أرضا لمعركة متوهمة حول الهوية والدين ويوظفها للعصف بمقومات الدولة الحديثة والمجتمع العصرى. أما الهندسة غير الديمقراطية لنظام الحكم والسلطات العامة عبر تهميش البرلمان والافتئات على سيادته التشريعية والرقابية فلا يبالى بها أحد. لماذا نضع دستورا جديدا إذن؟