المندوب السامى.. كارتر الإخوانى

يأتيك إلى القاهرة بمبدأ «شىء من بعيد نادانى» ليضع النقاط فوق الحروف ويوزع الأدوار ويرسم الخطط ويصنع المستقبل للجميع، تنفَّذ إرادة واشنطن من خلاله، فلا راد لقضاء البيت الأبيض إلا قضاء الله، فلا يمكن لبشر كائناً من كان أن يفسد المرسوم الذى يتحول إلى مقدّر ومكتوب على لسان الثعلب العجوز الذى أدار المرحلة الانتقالية باقتدار على طريقة المندوب السامى البريطانى، الذى كان يشكل الحكومات ويخترق المجتمع السياسى ليلعب بالجميع وصولاً إلى تحقيق الرغبات الاستعمارية. «كارتر» العجوز الديمقراطى مبعوث العناية الأمريكية لمصر الثورة، يجهض الفورة الثورية بترتيب ثلاثى «أمريكى عسكرى إخوانى» فلا مكان للمغامرات والرومانسية الثورية ما دامت تتعارض مع المصلحة الأمريكية، الأجندة واضحة «أمن إسرائيل والتجارة الحرة وخدمة السيد الغربى واستمرار الاستسلام لأغراضه». تندلع الأزمة ويترقب الجميع كارتر قادماً من ظلام المحيط الأطلسى ليضىء الأنوار الأمريكية فى ردهات الحكم المصرى، والوسيط والبائع يضربان تعظيم سلام للسيد المندوب السامى الأمريكى الذى يُخرج من عباءته وأحياناً «كمه» الحلول للعقد الدستورية والتشريعية والأزمات والمتاهات السياسية، والأخيرة يعرفها جيداً كارتر، فما خبره فى البيت الأبيض يعلى من شأن «دعهم يتصارعون وأعط الغنيمة لأحطهم أخلاقاً لتعيش الولايات المتحدة وتطمئن على إحدى أهم بواباتها للمنطقة». تأمّل كارتر يأتيك فى صباح أزمات المرحلة الانتقالية وفى مساء الانتخابات البرلمانية وفى فجر الرئاسية، ليكون البلسم الشافى من العضال السياسى والوجع الديمقراطى، فالسحر الشافى الذى يجرى على لسانه، كلمات تشابه أقوال السماء لفك الكروب وترتيب البيوت وتعضيد الأمور وتمكين المحظور، فالمحظور لديه مرغوب لأنه طامع مندفع متعجل، لا يرى ولا يسمع سوى طنين الاستحواذ وآهات تضخم الذات وتصفيق ذوى الحاجات وتطبيل المتحولين الإمعات. يجلسون معه فى مكتب إرشادهم من خيرتهم إلى مرسيهم، فالحج إلى المقطم مساوٍ لزيارة البيت الأبيض، ومن ثم فهى نعمة أفاء الله بها على الجماعة التى لا تنتقل من المكان لأن المندوب السامى يكفيها شر طرق الأبواب فى الجهة الأخرى من المحيط، فالحديث معه بألف مما يعدون، وسيزيد أضعافاً مضاعفة إذا وافق وصدق على التمكين فى مقابل الاستسلام الكامل للأوامر الصادرة من واشنطن، مع طلب صغير لتحفظ الجماعة ماء وجهها أمام عبيد الطاعة بأن يظل خطابها العلنى تجاه إسرائيل كما هو، انتقاد ثم انتقاد حتى لو كشفت الرسائل كلمات الغزل والحب العفيف مع بيريز وعصابته. كارتر وضع مشهد النهاية بخبث العواجيز، حتى جاء مرسى حاكماً، ويأتيه بين الحين والآخر ليطمئن على سير الأمور كما خطط لها، فالأمريكيون يريدونها فقط «مستسلمة جائعة شحاذة» حتى تظل لقمتها هناك، والإرادة ذات اللحية أسهل كثيراً من الإرادة الثورية الحالمة، ومن ثم فإنها أرخص عند الشراء وأسلم عند الاستخدام وألين من الملبن، أما الأخرى فهى متمردة طائشة محلقة غير مأمونة العواقب أو الرغبات، فالاختيار محسوم، ابحث عن الخبيث واعطه مسألته ثم قُم بامتطائه كما تشاء. الغريانى شيخ القضاة تعامل مع المندوب السامى الأمريكى بلطف بالغ وإذعان تام، لا نراه مع معارضيه فى التأسيسية أو مع نائبنا العام، لأنه يعلم أن مشيئة واشنطن نافذة كما قالوا له فى القصر. السيد المندوب السامى.. لا ننتظر زياراتك إذا كانوا ينتظرونك، ونكرهك إذا كانوا يحبونك ونستغرب تماماً إذا كانوا يصفون الآخرين بالعمالة وهم يمارسونها ليل نهار، لكنه العهر السياسى لجماعة فاشية سيفردون لها مساحة فى كتاب التاريخ عنوانها «الانتهازية».