نقدٌ أم نقض؟
الحمد لله، كثر فى الآونة الأخيرة التطاول بالطعن فى علم الإسناد ومرويات كتب السُنّة الشريفة، إلى حد رفضها بالكلية من خلال سرد مغالطات فى النقل والتحليل، وتغطية غياب الموضوعية بالشتائم والتحقير.
والعجيب أن من يتناول الموضوع على هذا النحو يضع الأخلاق ضابطاً فى قبول النص ورفضه، ثم ينقض كلامه بسيل من عبارات الشتم والتحقير لمن سبق من أهل العلم، وكأن السباب واللعن والشتائم وتحقير الآخرين تصرف أخلاقى!
فهناك فرق بين النقد العلمى الموضوعى، والهجوم الشامل المتجه نحو الهدم. ومثال النقد الموضوعى الذى يدحض دعوى تعميم التعصب على أئمة الإسناد؛ تناولهم لأحاديث فى الصحيحين «البخارى ومسلم» بالنقد؛ فقد شكك عدد من قدماء المحدثين، ومنهم الدارقطنى وأبومسعود الدمشقى وأبوعلى الغسانى وغيرهم، فى صحة ٢١٠ من أحاديث البخارى ومسلم، ٣٢ منها متفق عليه و٧٨ منها فى البخارى، و١٠٠ منها فى مسلم، كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر فى مقدمة شرحه على البخارى، وأجاب آخرون عن استشكالهم كالحافظ ابن حجر والإمام النووى. وعلى الرغم من تتبع الحافظ ابن حجر لهذه الاستشكالات فقد قال فى مقدمة تتبعه لها: «ينبغى لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح فى أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهى ما ادعاه الإمام أبوعمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقى هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإن هذه المواضِع مُتنازَع فى صحتها فلم يحصل لها من التلقى ما حصل لمعظم الكتاب». وقد عُرف نوع من المصنفات عند أهل الحديث بـ«النُكَت» أى الملاحظات النقدية، فانتقد الحافظ السيوطى كتاب الأذكار للإمام النووى فى كتاب «تحفة الأبرار بنُكَت الأبرار» وانتقد الحافظ ابن حجر شيخه الحافظ ابن الصلاح بكتاب «نُكَت ابن الصلاح»، وانتقدهما تلميذ ابن حجر الشيخ برهان الدين البقاعى فى كتاب «النُكَت الوفية بما فى شرح الألفية».
ومن الجدير بالملاحظة هنا نقد التلميذ لشيخه ونقد تلميذ التلميذ لشيخه ولشيخ شيخه، مع كامل الاحترام والثناء والإجلال والأدب والمحبة.
والمقصود هنا هو الإشارة إلى وجود ثقافة «النقد» لدى أهل علوم الإسناد بخلاف ما تدعيه مغالطات من يسعى إلى «نقض» هذا العلم.
بل إن علم الجرح والتعديل مداره على نقد رجال السند وفق معايير عالية الدقة مع وجود مساحات من الاختلاف فى تطبيقها.
وهذا ما لا يخفى على من درس أوليات هذا العلم.
وهنا يأتى خَلْطٌ آخر بين أهمية احترام التخصُّص ونسبة الكهنوت إلى علماء المسلمين، فالتخصص والدراسة القائمة على التحقيق من أهم شروط النقد الموضوعى المحترم، بينما الأمر المرفوض فى الشريعة المطهرة هو الحجر على العقول ومنع النقد الموضوعى والتزام الطاعة العمياء، أو اتخاذ الكهنوت مسلكاً أوحد للمغفرة.
نعم يوجد فى كل عصر من تعصَّب فى نظرته، أو بالغ فى تعبيره عن تبجيل أئمة هذا العلم، وهم أهلٌ لكل احترام وتبجيل، غير أن المنهج الراسخ المعتمد هو ما تم توضيحه فى هذه الأسطر.
ولهذا فنحن بحاجة إلى الخروج من تطرُفَى الجمود والتعصب، والتهور فى النقد بغير تخصص ولا دراسة موضوعية.
وأما ما يتكرر طرحه من اعتماد العقل والأخلاق معياراً فى قبول النص ورفضه ففيه تفصيل:
١. عبارة «المقبول والمرفوض عقلاً» يقع فيها خلط بين «المستحيل عقلاً» و«المستحيل عادة».
فالمستحيل عقلاً هو ما لا يمكن حدوثه إطلاقاً؛ ومثاله وُلوج الكبير فى الأصغر منه دون أن يصغر الكبير أو يكبر الصغير، فهذا من المستحيل العقلى الذى لا تُقبل الرواية إذا جاءت به على نحو قاطع.
وأما «المستحيل عادة» فهو ما يتخيل الإنسان استحالته بسبب رفض نفسه قبول إمكانية حدوثه، لعجزها عن تصور إمكانية حدوثه ولعدم اعتيادها عليه، ومثالُه إمكانية التواصل فى نفس الوقت بين اثنين فى بلدين مختلفين عبر الشبكة مع إمكانية مشاهدة كل طرف للآخر، أو إمكانية السفر من بلد إلى آخر بِقطْع آلاف الأميال خلال ساعات محدودة، فهذا كان بالنسبة إلى أجيال سابقة من ضروب المستحيل، لكنه من المستحيل عادة وليس عقلاً، ومع ذلك فإننا إذا خاطبنا عموم أهل تلك الأزمان عن هذا الأمر فإنه سيجيبنا بقوله: «هذا مستحيل ولا يقبله العقل».
فهذا النوع من الرفض النفسى الذى يتوهم صاحبه بأنه لا يُقبل عقلاً وهو من «المستحيل عادة» لا يصلح أن يكون معياراً لقبول النص ورفضه.
٢. «عبارة المقبول والمرفوض خُلقاً» أيضاً فيها تفصيل، فهناك من الأخلاق ما هو ثابت مطلق الاستحسان لدى عموم البشر كالصدق والأمانة والوفاء، وهذا ما لا تُقبل رواية يُقطَع بمخالفتها لمقتضاه. وهناك من الأخلاق ما هو نسبى متغير بتغير الثقافات والأزمنة، كتقنين الدعارة، فهو مرفوض خُلقاً لدى المؤمنين وكثير من غير المؤمنين، بينما هو حرية شخصية لدى آخرين، «مع كونه المُحفّز الأول لتفشى تجارة الرقيق الأبيض».
ومثال آخر للخُلق النسبى أقرب إلى واقعنا اليوم: إعطاء المال لكل سائل «شحّاذ»، فهو داخل فى خُلق الكرم وحسن الظن لدى البعض، بينما يراه البعض الآخر مُشجعاً على التواكل وانتشار العصابات التى تدير هذا النوع من السلوك، فهو بذلك غير مقبول أخلاقياً.
وهذا النوع من الخُلق النسبى لا يمكن اعتباره معياراً فى قبول النص ورده.
وبقيت لدينا مشكلة التعامل مع هذا النوع من الهدم الذى يأتى فى صورة التجديد، فإن الصراخ والسباب والمطالبة بالحبس والعقوبة ليست سبيل من يثق فى حُجّته، كما أنها لا تفيد سوى زيادة الافتتان بشبهات المخالِف وانتشارها بين الناس.
ولكنّ التفنيد العلمى القوى فى حجته، الهادئ فى لهجته، الخلوق فى عبارته، هو السبيل الأمثل لإفهام طالب الفهم، وإفحام طالب الهدم.
ولنتأمّل قوله تعالى: «قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ».
فإذا كان هذا هو منهج القرآن وهدى المصطفى من بنى عدنان فى محاورة المخالِف فى أصل الدين فكيف تكون محاورة المخالِف فى فهم الدين؟
وأخيراً..
الفرق بين «النقد» و«النقض» دقيق، فالأول يسعى إلى التقويم، والثانى يعمل على الهدم.
اللهُمَّ اهْدِنا لِمَا اختُلِفَ فيه مِنَ الحَقِ بإِذْنِكَ، إنَّكَ تَهدى مَنْ تشاءُ إلَى صِراطٍ مُستقيم.