بروفايل| خالد صالح.. حطي ورد على قبره يا يسرية

بروفايل| خالد صالح.. حطي ورد على قبره يا يسرية
"أنا اصطفيتك"، "هتروح على فين؟ العالم ده كله بتاعي".. هو "الريس عمر الحرب"، ذو الشعر الأبيض والنظرات الثاقبة التي تخترق "حجر الروليت"، وكيف لا يكون الريس، وهو الذي يقول عن نفسه، "أنا بابا يالا" واقفًا بثقة وغرور وتعالٍ أمام أحمد السقا ليوجهه تجاه الشرور في فيلم "تيتو"، ويرد عليه "تاجر السعادة" ببساطته ومرحه، "يا سلام يا سلام يا سلام"، مقنع حتى في شيطانيته، فمن ينسى مقولته الشهيرة "طب وحيااااة أمك"، في فيلم "حرب أطاليا"، صورة عابرة للنجم الكبير، الذي وافته المنية صباح اليوم، تخلف مشاهد عدة لمسلسلات وإفيهات باقية تمثل مقولة "عايش بأعماله".
تميز بالشيء ونقيضه.. الوجه البشوش العابس، الشاب الكهل، النظرات البرئية "اللي بتطلع شرار"، عرف بأدواره المعقدة الصعبة، نجح في فترة وجيزة في الوصول والوقوف أمام عمالقة التمثيل، مثل عادل إمام، وأحمد السقا، وكبار المخرجين من أمثال خالد يوسف.
وقع اختيار يوسف شاهين، عليه لأداء دور "حاتم" في فيلمه الأخير "هي فوضى"، وقال عنه النقاد إنه امتداد لعمالقة الفن من أمثال محمود المليجي وزكي رستم.. المبدع "خالد" في أعماله، التي بدأها في الـ36 من عمره، "صالح" في أدواره التي وصفها النقاد بأنها تمثل مزجًا ممتازًا في الأدوار التمثيلية، حتى لا يستطيع أحد أن يفرق بين التمثيل والحقيقة، "لا أفتعال وصدق"، وهي المواصفات التي تعد أكسير النجاح لأي ممثل.
أشعل الثورة في النفوس، وأظهر ما في بطون جهاز الشرطة، من خلال "حاتم"، الشخصية التي أفرزها المجتمع ولفظها، "اللي ما لوش خير في حاتم ما لوش خير في مصر"، لتكون "هي فوضى"، ويمشي في المجتمع يعث فيه فسادًا، حتى تنقلب الأمور عليه وينتحر، ويشرح "حسن"، دكتور الجامعة المنظومة التي تعيش بآمان داخل مصر، في فيلم "فبراير الأسود"، واضعًا "حاتم" في إطارها، "أي كلام عن الأمل يبقى نوع من الوقاحة"، لم ينفصل خالد صالح يومًا عن الواقعية في أفلامه ومسلسلاته.
تميز خالد، برؤية سياسية ثاقبة، وكان له موقف ثابت مؤيد لثورة 25 يناير، فظل يساندها موقنًا بتحقق أهدافها يوما ما، رافضًا سرقتها من أي فصيل، مهاجمًا جماعة الإخوان بسبب استيلائهم على الثورة، رافضًا استمرار محمد مرسي في الحكم، قائلًا "سأرفع كارت أحمر لمرسي يوم 30 يونيو".
خالد محمود صالح، ولد في القاهرة عام 1964، برع في الأعمال الدرامية مثلما برع في الأدوار السينيمائية، فكان "الريان" عام 2011، و"سلطان الغرام" 2007، و"تاجر السعادة" 2009، و"محمود المصري" 2004، و"فرعون" 2013، و"بعد الفراق" 2008، وبدأت أزمته الصحية أثناء تصويره المسلسل الأخير "حلاوة الروح"، حيث شعر بآلام حادة في صدره.
50 عامًا هي إجمالي السنوات التي عاشها، قضى منها 14 عامًا كممثل وفنان متفرغ، بدأ على مسرح الجامعة مثل رفقائه، وعلى مسرح "الهناجر" بالأوبرا وقف محاكيًا المسرحيات والروايات العالمية، شغلته أعماله التجارية الحرة عن التمثيل فترة كبيرة من حياته.
تفرغ للتمثيل عام 2000، ومنذ ذلك التاريخ صعد درجات سلم الفن بسرعة الصاروخ، ليبتكر أدوار البطل الثاني، وليس الممثل المساعد، فبزغ نجمه في "محامى خلع" عام 2002، وتألق خلال أدواره في "عمارة يعقوبيان" 2006، و"ابن القنصل" 2010، كما شارك في بطولة أفلام: "ملاكي إسكندرية" 2005، و"جمال عبدالناصر" 1998، و"فتح عينيك" 2005، و"أحلام عادية" 2005، و"عن العشق والهوى" 2006، و"ثمن دستة أشرار" 2006، و"أحلام حقيقية" 2006، و"كف القمر" 2011.
جمعته علاقة صداقة نادرة مع رفيق عمره، الفنان خالد الصاوي، وحتى آخر نفس في صالح، كان يشارك الصاوي في بطوله فيلم "الجزيرة 2"، المقرر عرضه في دور السينما المصرية خلال عيد الأضحى المبارك، وقبله تشاركا فيلم "الحرامي والعبيط" 2013، كان آخر ما قاله الصاوي، هو طلب الدعاء بالشفاء العاجل لرفيق عمره، والموقف ذاته لم يتغير من جانب أحمد السقا، الذي شاركه بطولة حوالي 5 أفلام، ودعا له الأخير بالشفاء العاجل متمنيًا له دوام الصحة.
كان "بائع الأمل" و"طبيب التفاؤل" و"تاجر السعادة"، مثلما وصف نفسه في مسلسل "تاجر السعادة"، ورغم تفننه في بعث السعادة في قلوب محبيه ورسم البسمة على شفاه جمهوره، جاء اليوم الذي أبكى فيه عشاقه وأدمى قلوب، فنزل خبر وفاته كسهم القاتل في قلوب الجميع، بدءًا من أسرته ومرورًا بزملائه في الوسط الفني، وانتهاءً بجمهوره العريض.
"إبراهيم" الذي أرضى زوجته "يسرية" في نهاية فيلم "أحلى الأوقات" 2004، ببوكية ورد محققًا رغبتها المكبوتة وطلبها المتكرر طوال مدة الفيلم "هاتلي ورد يا إبراهيم"، رحل قبل أن يرضي شغف جمهوره الذي لم يشبع بعد من فنه، تاركًا خلفه ميراث ليس بالقليل.
جاءت نهاية الممثل الهادئ مثله، فرحل عقب إجرائه عملية "قلب مفتوح" عاجلة بمركز "مجدي يعقوب للقلب" بأسوان، لحين الانتهاء من تصوير مسلسل "حلاوة الروح"، ومن ثم قضاء إجازة قصيرة مع أسرته، إلا أن القدر لم يمهله، فبعد تغيير صمام القلب تدهورت الحالة الصحية لخالد، ليغادر جسده الحياة تاركًا روحه تحلق حول جمهوره.