«القَرض» فى عين أمّه غزال!!

أحمد دومة

أحمد دومة

كاتب صحفي

فى الوقت الذى أعلنت فيه رئاسة الجمهوريّة طلب مصر رسميّاً اقتراض 4.8 مليار دولار من البنك الدولى، لا يجب أن نستغرب ونحن نقرأ خبرا على موقع الإخوان المسلمين فى فبراير 2012م يتحدّث عن الرفض القاطع لتفكير «الجنزورى» وحكومته فى الاقتراض من البنك الدولى بسبب ما سمّاه القائمون على الموقع وجاء كذلك على لسان كثير من قيادات الإخوان: «حالة من البحث عن مسكّنات للمشكلات الاقتصاديّة تثير العديد من علامات الاستفهام خاصة -على حد قول الموقع- أن لدينا مواد عديدة يمكننا الاعتماد عليها قبل اللجوء للاقتراض حتى لا نحمّل الأجيال القادمة أعباء لا ذنب لهم فيها». والحقيقة أننى أتفق تماماً مع هذا الكلام بل أزيد عليه: إنّ قروض البنك الدولى تضمن للدول «الكبرى» بقاء مصر فى إطار التبعيّة الموضوعة فيه قسراً منذ توقيع اتفاقيّة العار (كامب ديفيد) إلى هذه اللحظة مما جعل مبارك وحكوماته المتعاقبة يُقدِمون على بيع القطاع العام، وتخفيض سعر الجنيه وزيادة أسعار الخدمات المقدّمة من الدولة، وتضمن بشروطها المجحفة -التى يمتنع الطرفان عن إعلانها- زيادة الأعباء على المواطن لمصرى البسيط عن طريق زيادة خطط التقشّف واستمرار خفض مستوى الضمان الاجتماعى وزيادة البطالة. وعلى الرغم من كون المفاوضات الأولى مع حكومة «الجنزورى» توقّفت بسبب رفض البرلمان -بأغلبيته الإسلاميّة- للقرض وشروطه، ورفضهم كذلك لسياسةالحكومة -وقتها- التى تقوم على الاستدانة من المؤسسات المالية الدوليّة مما اعتبروه -ساعتها- عودة لخطايا مبارك، وفتحوا أفواههم للحديث عن «الصناديق الخاصة» ورواتب المستشارين، وغير ذلك مما رأوه موارد بديلة للاقتراض، فإنّ الأمر تغيّر فجأة؛ فقط لكون الرئيس المُقترِض هو مرسى، والحكومة هى حكومتهم، متجاهلين التجربة الماليزيّة التى قال عنها «مهاتير محمد» إن أهم أسباب نجاحها هو الخروج من أطُر التبعيّة التى تقودها أمريكا، عن طريق القروض الدوليّة وغيرها... !! تبخّرت فجأة الكلمات التى سمعناها عن الصناديق الخاصة والموارد البديلة وإرهاق الأجيال القادمة، وظهرت لنا فى الأفق مصطلحات تشبه «فقه الضرورة»، وفتاوى تبيح «القروض الربويّة»، وكأننا انتخبنا «ترزية فتاوى» لا رئيس جمهوريّة ولا نوّابا برلمانيين أو سياسيين، أو صوّتنا لـ«شيخ مَنْصَر» يفصّل لنا مواقف سياسيّة حسبما اقتضت مصلحته، ضارباً بوعوده التى قطعها على نفسه عرض الحائط، فلم نعد ندرى أين اختبأت «فلوس الشيخ حسّان» الذى كان يجمعها ليستبدلها بالمعونة، ولا الـ200 مليار دولار التى كان سيستخرجها «الرئيس» من تحت الأرض خلال أربع سنوات، ولا فتاوى الشيخ سيّد عسكر و«الشيخ» سعدالحسينى، وغيرهما، حول كون هذه القروض «ربا» لا يجوز حتى للدولة الحصول عليها ولو احتاجت لها.. تبخّر كل شىء ولم يتبقّ غير «فقه الضرورة»، ورائعة جورج وسوف «للهوى أحكام»!! الخطوات التى يتخذها مرسى -إلى هذه اللحظة- تؤكّد أنه لا همّ لهم سوى تثبيت دعائم سلطتهم -الإخوان- حتى ولو كان ذلك بإعادة إنتاج نظام مبارك بكلّ تفاصيلة، ليس فقط بالسياسات الاستبداديّة، وتكميم الأفواه وقمع الحريّات، وإنّما كذلك فى سياسيات التبعيّة والإفقار التى تزيد من هموم المواطنين وتضعهم فى مربّع البحث عن «لقمة العيش» والانشغال بها عن السياسة والسلطة وما يحدث فيها، فلو فكّر الدكتور مرسى ورفاقه فى حلول حقيقيّة للأزمات الاقتصادية التى نعانيها لوجدوا أن الحل فى ترشيد الإنفاق الحكومى، والتقليل من مظاهر البذخ الواضحة، وفتح الصناديق الخاصة، أو حتى عمل صندوق قومى تقترض به الحكومة من المواطنين بنفس فائدة البنك الدولى ونفس المدّة.. المهم ألّا نقترض ونبقى مجرّد «تابعين»، وكما قال مبدعنا الرائع «مريد البرغوثى»: «اللى يجرّب فى المتجرّب عقله مخرّب». «المجد للشهداء... النصر للشعوب»