«الديوانى»: نعيش «انقلاباً» اقتصادياً بعد «30 يونيو».. والعدالة الاجتماعية التحدى الأكبر

«الديوانى»: نعيش «انقلاباً» اقتصادياً بعد «30 يونيو».. والعدالة الاجتماعية التحدى الأكبر
اعتبر شريف الديوانى المدير الجديد للمركز المصرى للدراسات الإقتصادى والمدير السابق للمنتدى الإقتصادى العالمى بسويسرا "دافوس" أن الاقتصاد المصرى شهد "انقلابا" عقب 30 يونيو، واستدل على وجهة نظره بقرارات الحكومة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، واتجاهها لإصلاح منظومة الدعم، ورأى الديوانى الذى يدير أبرز مراكز الفكر الإقتصادى فى مصر أن حكومة الإخوان كانت لديها "شرعية" لكن لم يكن لديها مصداقية فى تنفيذ أية إصلاحات إقتصادية .. وقال لـ"الوطن" فى أول حوار صحفى له بعد تركه منصبه السابق وعودته إلى القاهرة أن الوقت الحالى ليس الأنسب للحديث عن خروج الجيش من الإقتصاد، أو الحديث عن قرض من صندوق النقد الدولى..وإلى نص الحوار..
برأيك ماهى أبرز التحديات التى تواجه إقتصاد مابعد 30 يونيو؟
فى تقديرى أن الاقتصاد المصرى حاليا يحتاج إلى حلول عاجلة وطارئة وتأسيس للمرحلة القادمة لمدة 3 إلى 4 سنوات، وأعتقد أن أبرز التحديات التى تواجه الإقتصاد الآن هو تحقيق التوازن بين النمو والعدالة الإجتماعية، وأعتقد تلك هى القضية الأكثر تحديا أمام صانع القرار الاقتصادى المصرى، خاصة إذا ما أخذنا فى الاعتبار أن هناك حركة "اشتراكية" تجتاح العالم بأسره، وفى مصر هناك أيضا حالة ثورية، هناك تركيبة خاصة بمصر، من المفترض أن تراعيها أى حكومة. العدالة الاجتماعية تتطلب وظائف ودخل محترم، التحدى الأكبر هو تحقيق ذلك التوازن، وما اطلبه من تلك الحكومة ألا تغفل هذا التوازن.
وهل توجهات حكومة "الببلاوى" تدل على مراعاتها لذلك التوازن؟
اعتقد أن ذلك حدث فى ظل الحكومة الجديدة، فالحديث عن الحد الأدنى للأجور وجذب المزيد من الاستثمارات وتقليل فوائد الدين الحكومى كلها أمور تصب فى اتجاه تحقيق التوازن الإجتماعى.
أنت تعتبر ماحدث بعد 30 يونيو إنقلابا اقتصاديا..أليس كذلك ؟
نعم أنا اعتبر ماحدث على المستوى الاقتصادى انقلابا بالطبع، فى ظل تحسن الكثير من المؤشرات الإقتصادية.
وماهى دلائل ذلك من وجهة نظرك؟
دليلى فى ذلك أن جماعة الإخوان وحزبها الحرية والعدالة لم تتخذ أية قرارات اقتصادية جيدة، فأنا كنت أتوقع من الحكومة الاعتناء بمشروعات اقصادية ذات بعد اجتماعى، لكنهم لم يفعلوا، على عكس ماحدث بعد 30 يونيو فأصبح هناك اهتماما بهذا البعد، اعتبر أن هناك انقلابا اقتصاديا حدث فى مصر، تمثل فى قرار الحد الأدنى للأجور وهو من القرارات التى أعتقد أنها من ضمن الخطوات الجيدة جدا بعد 30 يونيو، صحيح تلك القرارات ليست نهاية المطاف، لكنها جيدة، ومصر تحتاج إلى إصلاح نظام الضمان الإجتماعى بشكل عام، لكن أهم شىء الآن بالنسبة إلى هو إعطاء ثقة فى الاقتصاد المصرى من خلال سياسات يتم الإعتماد عليها فى المدى المتوسط والطويل، أعتقد لو الحكومة نفذت ماتقوم به ستتحسن الأمور كثيرا.
كيف ترى أن هناك انقلابا اقتصاديا فى ظل زيادة الديون الداخلية والخارجية..حتى إن وزير المالية اعترف أن الاقتصاد يعيش على جهاز تنفس صناعى؟
حسن، فى تقديرى المساعدات التى جاءت إلى مصر بعد 30 يونيو صحية أكثر من الاقتراض، وما أراه أن موازنة الحكومة وتكلفة خدمة الدين محط اهتمام الحكومة لخفض تكلفة الإقراض وهذا أمر جيد.
لكن هل المساعدات والإقتراض حلا ؟
بالطبع نحن لانقدر على الاستمرار فى العيش على المساعدات، لكنى أرى ضرورة أن نستغل تلك النافذة لإصلاح الأوضاع سريعا، فأكبر بندين فى الموازنة هما الدعم وخدمة الدين، وأتمنى من خلال المساعدات أن يتم هذين إصلاح البندين، دول، وبالنسبة لى فلا أتوقع المزيد من المساعدات، وهذا أقصى مايمكن أن تقدمه الدول العربية، ومن ينتظر المزيد فهو يعيش فى خيال، ولو لم نصلح أنفسنا نستحق مانستحق بعد ذلك.. لكن بشكل عام اللجوء إلى الاستثمارت العربية فى التوقيت الحالى أمر جيد جدا ، ولو أننا استهدفنا رأس المال العربى منذ التسعينيات كنا سنوفر على أنفسنا جهدا كبيرا، أعتقد خلال عام أو اثنين ستأتى إلى مصر استثمارات كبيرة، والمستثمرين العرب أقرب الى السوق المصرية، ولديهم تطور تكنولوجى على العكس من الماضى.
دمج الإقتصاد غير الرسمى أحد الضروريات الإقتصادية التى يرى كثيرون أن من شأنها حل مشاكل الإقتصاد هل تعتقد أن الحكومة جادة فى دعم هذا التوجه ؟
أعتقد أن الحكومة الحالية جادة فى التركيز على المشروعات الصغيرة والقطاع غير الرسمى كأحد أدوات تحقيق العدالة الإجتماعية، وزياد بهاء الدين وأحمد جلال وزير المالية وغيرهم من الوزراء بدأوا يتحدثون عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودمج القطاع غير الرسمى فى القطاع الرسمى، والعدالة الإجتماعية فى رأيى تتطلب أيضا بجانب ماسبق توزيع عادل لفرص خلق الثروة، أى إعطاء كافة المواطنين فرصة تكوين "ثروة" من خلال تطبيق مفهوم العدالة، والسماح لأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة بالنمو، ونحن فى المركز قدرنا أن الثروات المملوكة للمواطنين فى صورة مدخرات أو عقارات أو أراضٍ تقدر بحوالى 400 مليار جنيه وهذا رقم ضخم.
ماأبرز عيوب حكومة الببلاوى ؟
التحفظ زيادة عن اللزوم فى اتخاذ القرار، وأنا أتفهم ذلك نسبيا، خاصة فى ظل عدم وجود حصانة سياسية. وأعتقد أن الأمر مؤقت وأن وجود برلمان يعطى غطاء سياسيا للوزراء، ولو الوضع السياسى تحسن وأصبح هناك مجلس شعب سيكون التربص بمتخذ القرار أقل من الوضع الحالى. لكن الحكومة بشكل أعتقد أنها تعمل كفريق وهذا صحى جدا خاصة فى ظل وجود وجهات نظر مختلفة بين وزرائها.
ما رأيك فى تخصيص نسب من الموازنة للتعليم والصحة فى الدستور ؟
جيد جدا أن ينص الدستور على تخصيص من 3 إلى 4% للصحة والتعليم، أعتقد أن هذا - رغم استغرابى أنه فى الدستور – لكنه يعبر عن الوضع الحالى والتوجه بعد 30 يونيو، لكن تمويل كل ذلك يتطلب إصلاح الدعم، وخدمة الدين، أولا كما قلت لك.
بمناسبة التعليم..كيف تقيم اقتصاديات التعليم فى مصر ؟
نظام التعليم يحتاج إلى إصلاح أساسى، خاصة أنك عندما تعلم أن 56% من الأسر المصرية تنفق على الدروس الخصوصية، وبالتالى أعتقد أن مجانية التعليم "خرافة"، أنا من المؤمنين أن مستقبل البلد مبنى على التعليم، ولابد من إصلاح هيكلى للمنظومة نفسها.
ماهى أبرز أخطاء حكومة الإخوان فى إدارة الملف الاقتصادى ؟
أولا عدم تناول قضايا الدعم والتعليم بجدية، وهاذان عنصران كافيان، نحن كنا أمام حكومة انتخبت لأول مرة ديمقراطيا، وبالتالى كان لها شرعية، لكنها للأسف لم تقدم على حل مشكلة الدعم، وهى لديها رصيد فى الشارع، الإخوان كان لديهم شرعية لكن لم تكن لهم مصداقية، وانا تحدثت مع مسئولين فى الحرية والعدالة وقلت ذلك.. الأزمة أيضا أنهم لم يكن لديهم جديد لحل المشكلات، فمثلا مشكلة الدعم قالوا سنحاربها بمنع التسريب، وهذا لم يكن جديدا، لم تكن لديهم حلولا ذات مصداقية فى وجهة نظرى، هذا أكبر خطأ حدث فى عهدهم.
وماهو حل مشكلة الدعم "غير التقليدى" من وجهة نظرك؟
من الضرورى أن يكون هناك انتقال تدريجى وممنهج للدعم، أعتقد أن الكروت الذكية بداية، لكنها ليس الحل، بدلا من محاولة تسرب السلع، لابد من خطة جديدة ، تكون على مدار 5 سنوات مثلا يتم خلالها تعديل نظام الدعم.
معدلات النمو التى تروج لها الحكومة الحالية تتراوح بين 2,5% إلى 3%..هل تعتقد أن تلك النسب واقعية؟
نعم أعتقد ذلك، خاصة بعد حزمتى التنشيط اللتتين أطلقتهما الحكومة، لأنها ستحول دون انكماش اقتصادى، وضخ أية استثمارات فى البنية التحتية سينعش الإقتصاد بشكل عام.
هل مصر بحاجة إلى خطة مارشال؟
نعم بكل تأكيد، ونحن فى المركز حاليا نعمل على وضع خطة مارشال للإقتصاد المصرى، بهدف تقديم الأولويات الإقتصادية لصانع القرار المصرى مستقبلا.
إقتصاد المؤسسة العسكرية من الملفات الشائكة..هل تعتقد أن بقاء 25% من الإقتصاد فى أيدى القوات المسلحة أمرا صحيا من الناحية الإقتصادية؟
المؤسسة العسكرية من الصعب عليها أن تخرج من الإقتصاد، الأمر قد يحدث تدريجيا، وليس الآن، فى الحالة الحالية علينا أن نستفيد من وجود المؤسسة العسكرية فى الإقتصاد، واقترح أن تقود هى البحث العلمى والابتكار فى البلاد، وهى لديها القدرة على ذلك.
بمعنى ؟
بمعنى لو أننا أخذنا مثالا كوزارة الدفاع الأمريكية ستجد أنها كانت لديها أكبر ميزانية منذ 20 سنة ، وهى من قامت باختراع الإنترنت، وقامت بالإنفاق على الأبحاث العلمية والابتكار، وميزانيتها كانت تسمح بذلك لأسباب استراتيجية، لكن بعد دخول القطاع الخاص فى تلك المجالات، والتحول من اقتصاد الصناعة إلى اقتصاد المعرفة، تغير الأمر، نحن الآن لدينا الوضع وضع شبيه بهذا الوضع تقريبا، أعتقد أن المؤسسة العسكرية لديها خبرات كبيرة قد تفيد الجانب التكنولوجى، فمثلا الآن نحن نتحدث عن مكافحة الإرهاب، أليس من الممكن أن تقوم القوات المسلحة بابتكار منتجات جديدة تفيد فى تطبيق الأمن، أنا لا أتحدث عن دخول الفضاء، لكن عن دخول فى مجالات نحتاجها بالفعل، من الممكن أن المؤسسة العسكرية تستثمر فى مجموعة من العلماء..ولا يمكن أن نقول للجيش الآن اخرج من الإقتصاد الآن، هذا أمر صعب، وسيأخذ وقت، نحن تخلصنا من القطاع العام على مراحل، وأعتقد أن المرحلة الحالية لاتسمح بفك التشابك القائم بين الاقتصاد المحلى واقتصاد الجيش، لكن دعنا نستفيد أولا من الوضع الحالى.
منذ بعد 25 يناير وسعت معظم الحكومات إلى الإقتراض من صندوق النقد الدولى..الآن بعد 30 يونيو هل تعتقد أننا لازلنا بحاجة إلى القرض؟
أنا من المؤمنين بأهمية التعامل مع صندوق النقد الدولى ليس من أجل القرض، ولكن لأن لديهم معرفة نحن بحاجة إليها، هم لديهم خبراء لابد من الاستفادة منهم، ونحن الآن لانحتاج إلى الإقتراض..قد نلجأ لذلك بعد عامين أو ثلاثة أعوام، خاصة أن تكلفة القرض أقل بكثير من الإقتراض من السوق المحلى، وأعتقد أن هذا من الأخطاء التى وقع فيها المجلس العسكرى ومن بعده حكومة الإخوان فى عدم إبرام اتفاق القرض مع الصندوق، وفى هذا التوقيت كان مسئولون من البنك يستشيرونى وأنا أطلعت على الإتفاق ولم يكن هناك أى شرط على مصر فى يونيو 2011، والمجلس العسكرى وقتها خلط بين الصندوق والبنك الدولى، وبالفعل كانت هناك مسئولة عن الشرق الأوسط فى البنك الدولى أخطأت ووضعت شروطا مجحفة جدا وعملت أخطاء كبرى فى المفاوضات مع مصر. فى رأيى أن الحوار معهم الآن جيد والإستعانة بهم جيدة ومطلوبة، خاصة لو أنهم رأوا إن الإدارة الإقتصادية المصرية تسير على الطريق الصحيح سيمنحنا جدارة إئتمانية لدى المؤسسات الدولية.