«الوطن» ترصد من الداخل: «سجون العادلى» الجديدة تنتظر النزلاء

كتب: عبدالوهاب عليوة وإمام رمضان

«الوطن» ترصد من الداخل: «سجون العادلى» الجديدة تنتظر النزلاء

«الوطن» ترصد من الداخل: «سجون العادلى» الجديدة تنتظر النزلاء

زنازين معتمة، هواؤها عطن، جدرانها خرسانية صماء، أبوابها إلكترونية لا تعرف معنى الهروب، جرى تصميمها كى لا يصلها ضوء الشمس مطلقا، تتلاحم فى بنايات ضخمة متناثرة وسط قلاع وحصون تأبى الاقتحام، أسوارها الشاهقة العريضة تملؤها كتل خرسانية وأسياخ حديدية ثقيلة الوزن، ومبنية بهدف التصفية الجسدية، حسب قول أحد المهندسين العاملين بها، مضيفا أن البناء والتصميم يوضح أن الحياة داخل هذه السجون نوع من العذاب البطىء. 3 سجون «إلكترونية» جديدة شديدة الحراسة والخطورة، أنشأها حبيب العادلى، وزير داخلية مبارك، قبل أحداث الثورة، لتستقبل زبائنها من المعارضين والسياسيين استعدادا لتأمين عملية توريث الحكم لمبارك الابن، وتعتبر امتدادا لسلسلة من السجون شديدة الحراسة (الليمانات)، التى بدأت وزارة الداخلية تنفيذها فى التسعينات على غرار السجون الأمريكية، تحت إشراف اللواء حسن الألفى، وزير الداخلية حينها، واللواء حبيب العادلى رئيس جهاز أمن الدولة آنذاك، ومجموعة من الضباط الذين تدربوا على يد المباحث الفيدرالية الأمريكية، فى نهاية الثمانينات، ولم يدخر زبانية مبارك جهدا فى سبيل إقامتها كجزء من الدولة البوليسية التى رسخها النظام المباركى، وأيقن أنها الضمان الوحيد لبقائه.. ويوم سقوط نظامه، تهاوت هذه الحصون شديدة الحراسة، لكن استمر بناء السجون الـ3 الجديدة سرا، فى المناطق النائية، على أنها مصانع تابعة لمصلحة السجون، بعيدا عن أعين السياسيين ووسائل الإعلام، فى «المنيا وجمصة ووادى النطرون»، بتكلفة تجاوزت 2 مليار جنيه، أسندها العادلى، بالأمر المباشر، إلى شركات مملوكة لضباط شرطة سابقين وحاليين. لم تؤثر أحداث الثورة على مسيرة بناء السجون، باستثناء توقف عملية البناء لأيام معدودة، والآن تم الانتهاء من بعضها بالفعل، وتسلمتها مصلحة السجون، والبعض الآخر يوشك بناؤه على الانتهاء. سجن جمصة [Image_3] أول المناطق الهادئة التى وقع عليها الاختيار لبناء أحدث سجون ومعتقلات النظام المباركى، فى مدينة بالمنصورة، عاصمة «الدقهلية»، تحديدا فى مواجهة «مصيف جامعة الأزهر» تحت الإنشاء ومعسكر الأمن المركزى، على مساحة 10 أفدنة، وبتكلفة مبدئية 750 مليون جنيه، تنفذ شركة «الفتح للاستثمارات والمشروعات»، المملوكة لأحد ضباط الشرطة السابقين، مشروع سجن جمصة، تحت إشراف الاستشارى الدكتور مهندس فاروق القاضى، صاحب مكتب النيل للاستشارات الهندسية، الشهير بلقب «استشارى الداخلية». زارت «الوطن» سجن جمصة الذى يشهد التشطيبات النهائية، قبل تسليمه إلى وزارة الداخلية ومصلحة السجون، لنقل صورة من أرض الواقع لما يحدث وما يخطط له أن يحدث فى المستقبل. اللبنة الأولى فى بناء السجن سور خرسانى مسلح يصل ارتفاعه إلى 8 أمتار حول 10 أفدنة من الأرض المخصصة لبناء السجن، يتوسطه باب رئيسى فقط، هكذا تحدث «س. م» أحد العاملين بالسجن، وأرجع السبب فى ذلك إلى الحفاظ على خصوصية وسرية المكان، وحتى لا يعلم أحد من المارة ما يحدث فى الداخل. على البوابة الوحيدة يقف 6 أفراد أمن يرتدون الزى المدنى، ولم يكن هناك وسيلة لدخول السجن غير التخفى وسط العمال، واعتبار موفد «الوطن» واحدا منهم بعد موافقة بعضهم، وبمجرد الدخول من البوابة الرئيسية، يصدم عينيك سور خرسانى ثانٍ يصل ارتفاعه إلى 6 أمتار، به 10 أبواب فرعية على مسافات متساوية وبمساحة واحدة، وبين السور الخرسانى الأول والثانى، تنتشر أبراج مراقبة أكثر ارتفاعا، تحاصر السجن من 4 جهات. واللافت للنظر أن مبانى السجن العملاقة من الداخل، بما فيها الأسوار والعنابر والمخازن، مبنية من الكتل الخرسانية التى تملؤها الأسياخ الحديدية، باستثناء عدد محدود جدا من المبانى الإدارية والأسوار الداخلية، التى يدخل فيها الطوب الأسمنتى مع الخرسانة المسلحة.[Quote_1] يضم السجن من الداخل غرفة مخصصة للإعدام (المشنقة)، و6 عنابر ضخمة أشبه بالحصون المنيعة، جرى إنشاؤها بمواصفات خاصة؛ فيبلغ عرض الجدران 50 سنتيمترا من الخرسانة المسلحة، وبعمق 6 أمتار فى باطن الأرض، وأرجع «س. م» الهدف من ذلك إلى إفشال عمليات التنقيب أسفل الزنازين، وحفر الأنفاق من أجل الهروب، ويتكون العنبر من 3 طوابق، كل طابق به 24 زنزانة، فى صفين متقابلين، كل صف به 12 زنزانة يفصل بينهم «منور» جدرانه عبارة عن أعمدة خرسانية مسلحة بينها شبكات حديدية للتهوية، وكل عنبر وطابق وزنزانة له باب منفصل يجرى التحكم فيه إلكترونيا. وحسب أحد العاملين، فإن الوزارة اشترطت أن تكون أبواب الزنازين، داخل العنابر، إلكترونية، وأن يجرى تشغيل دوائر تليفزيونية بالريموت على أسوار السجن. وصممت هذه الزنازين بشكل يمنع دخول أشعة الشمس مطلقا، وعلى الرغم من وجود شباك أو اثنين فى الزنزانة الواحدة، التى لا تزيد مساحتها على مترين فى 3 أمتار، فإن ارتفاع الأسوار يحجب وصول أشعة الشمس للزنزانة، فضلا عن أن الشباك مغلق بأسياخ حديدية من الصلب المصقول، وفوقها طبقة من السلك المقوى التى تكاد تحجب الرؤية تماما، ولم تكن أبواب الزنازين أقل أمانا من الجدران والشبابيك؛ فكل زنزانة يغلق عليها بوابتان متتاليتان؛ الأولى من «الصاج المقوى» ويبلغ سمكه 5 سم، وفى أعلى الباب نافذة صغيرة، يجرى التحكم فيها من الخارج، والبوابة الثانية عبارة عن أسياخ حديدية أشبه بالقفص ويجرى التحكم فى البوابتين إلكترونيا. فى الناحية المقابلة لتلك العنابر، توجد بنايات فاخرة التشطيب، من أجل الضباط، كاستراحات جرى تشطيبها «سوبر لوكس»، ويوجد بها مصاعد كهربائية وأجهزة تكييف. ويتضمن السجن مساحات أخرى كبيرة من الأرض الفضاء، جرى تخصيصها لكى تكون حدائق وملاعب لخروج لمساجين، كما يردد بعض العمال، لكن ملامحها النهائية لم تكتمل حتى الآن. استشارى الداخلية [Quote_2] كشف الاستشارى فاروق القاضى، صاحب مكتب النيل للاستشارات الهندسية المشرف على المشروع، عن انتهاء العمل فى أكثر من 70% من سجن جمصة، حتى الآن، ولا يزال العمل مستمرا، ولولا أحداث الثورة، لانتهى بناء السجن كاملا، قائلا إن تكاليف البناء كان يجرى تحصيلها على دفعات، حسب المراحل التى جرى الانتهاء منها، وأضاف أن تكاليف المشروع تجاوزت 400 مليون جنيه، حتى الآن. وأشار القاضى إلى أن بناء السجن جاء بتعلميات مباشرة من حبيب العادلى وزير الداخلية الأسبق، بعد اجتماعه بالمجلس الأعلى للشرطة، فى نهاية عام 2010، مضيفا أن وزير الداخلية الحالى محمد إبراهيم، هو الذى يتابع عملية بناء هذه السجون الآن. وقال إن الهدف من بناء هذه السجون فى هذا التوقيت وبهذه المساحة والإمكانيات، تشير إلى أن العادلى كان يتوقع زيادة المساجين خلال الفترة المقبلة؛ خصوصا مع بدء التنفيذ الفعلى لسيناريو ثوريث الحكم إلى جمال مبارك، فضلا عن المظاهرات التى زادت فى الفترة الأخيرة من حكم مبارك، وكلها احتمالات واردة. ورأى القاضى أنه ليس من الضروى بناء السجون على أسس ومعايير منظمات حقوق الإنسان، بقدر تأهيل العاملين بها للتعامل السجناء واحترام حقوقهم كمواطنين حتى لو كانوا مذنبين، قائلا إن المكان ليس معيارا بقدر القائمين عليه، فمن الممكن أن تتحول «فيلّا» أو قصر إلى سجن يمتلئ بألوان التعذيب المختلفة بسبب سياسات القائمين عليه، لافتا إلى أن السجون الجديدة جرى بناؤها وفقا للتصميمات التى تراعى أسس ومعايير حقوق الإنسان، وأن كل دور منها يوجد به حمامات، منعا للانحرافات الأخلاقية داخل السجون، كما يحتوى من الداخل على مستشفى ملحق لعلاج المساجين، فضلا عن وجود عنابر للسيدات وأخرى للرجال. وانتقد القاضى مكان اختيار السجن فى منطقة «مصيف جمصة»، قائلا: «من الغباء إنشاؤه فى هذا المكان»، وقال إنه حين اعترض على مكانه، جاء رد الوزارة أن هذه الأرض خصصتها الدولة لوزارة الداخلية، مثل الأراضى التى تخصصها للقوات المسلحة. سجن المنيا [Image_2] مكان يتسم بالهدوء، تحاصره المحاجر التى يتناثر غبارها وأتربتها المتطايرة بكثافة فى أرجاء هذا المكان الذى استقرت عليه وزارة الداخلية، لإنشاء أحد أكبر السجون فى مصر على مساحة «30 فدانا» وسط الصحراء بمدينة المنيا الجديدة، على بُعد 128 كليومترا من أسيوط، بتكلفة مبدئية مليار جنيه. وبنفس طريقة البناء فى «سجن جمصة»، كان سور «سجن المنيا»، أول ما جرى إنشاؤه ولنفس الهدف أيضا، من أجل خصوصية وسرية المكان، على الرغم من تقسيم السجن إلى 3 مراحل؛ تشمل كل مرحلة 10 أفدنة، منفصلة فى البناء والتنفيذ، وجرى بالفعل الانتهاء من بناء المرحلة الأولى، وتسليمها إلى وزارة الداخلية، وتتولى حراستها الآن قوات أمن تابعة للوزارة، وتضم هذه المرحلة 5 عنابر؛ كل عنبر يتكون من 3 طوابق، وكل طابق به 12 زنزانة، تبلغ مساحتها 2 فى 3 أمتار، ويحيط بالعنابر الـ5 التى تمثل المرحلة الأولى، سور خرسانى يبلغ ارتفاعه 7 أمتار وعرضه 30 سنتيمترا من الخرسانة المسلحة، تعلوه أبراج مراقبة لتأمين السجن، كما لا تقل جدران الزنازين الخرسانية عن السور الذى حوّل المكان إلى حصن منيع، وتشمل المرحلة الثانية، التى أوشكت على الانتهاء، 5 عنابر ثلاثية الأدوار، كل دور به 24 زنزانة بنفس المواصفات السابقة، ولم يبدأ العمل فى المرحلة الثالثة حتى الآن، التى تشمل أيضا 5 عنابر أخرى بنفس المواصفات السابقة، حسب التصميمات الهندسية، كما يضم السجن بعض مصانع المنتجات اليدوية والغذائية ومسجدا ومستشفى وحدائق للمساجين، ويحيط بالمراحل الـ3 من الخارج سور من الطوب الأسمنتى والخرسانة المسلحة يصل ارتفاعه إلى 7 أمتار يضم فى طياته عشرات من أبراج المراقبة أكثر ارتفاعا، فضلا عن الأسوار الداخلية الخرسانية التى تؤمن مناطق العنابر والزنازين بصورة خاصة. وادي النطرون [Quote_3] سجن ثالث جديد، ملحق بسجن السياسيين فى وادى النطرون، وهو أول سجن دخل الخدمة بعد «ثورة 25 يناير» ويطلق عليه «سجن 1»، ويقع على مساحة 10 أفدنة، ويضم 5 عنابر، كل عنبر مكون من طابقين، كل طابق به 16 زنزانة، تعمل بالبصمة، ويحيطه سور خرسانى مسلح يصل ارتفاعه إلى 9 أمتار، وعرضه 50 سنتيمترا، تعلوه أسلاك شائكة بارتفاع 2 متر، فيما تتميز أبراج المراقبة الخاصة به بتأمين خاص واستخدام وسائل حديثة، بالإضافة إلى تأمين نوافذ البرج بشبكة حديدية، لتصعب رؤية الأشخاص الموجودين بالداخل، فيما يتمكن من بداخلها من رؤية الجميع وتسليط الضوء عليهم أو مشاهدتهم عن قرب. «مبانى خرسانية بعمق 9 أمتار فى باطن الأرض، جرى إنشاؤها بمعرفة شركة خاصة»، معلومة حصلنا عليها من أحد العمال الذين سبق لهم العمل فى السجن أثناء إنشائه، وبررها العميد محمد عليوة -مدير إدارة الإعلام والعلاقات بقطاع مصلحة السجون- بأن النزول بهذا العمق فى باطن الأرض من أجل تأمين السجن وحتى لا يتمكن المساجين أو غيرهم من التنقيب أسفل الزنازين من الداخل أو الخارج، وحفر الأنفاق للهرب، نافيا أن تكون هذه البنايات زنازين أسفل الأرض، وقال إن بناءها يكلف مبالغ ضخمة تكفى لبناء آلاف العمارات، وبسؤاله عما إذا كانت التكلفة الفعلية لإنشاء تلك السجون وصلت إلى 2 مليار جنيه، حسب معلومات «الوطن»، أجاب: «يمكن أن تصل إلى هذا الرقم». وقال عليوة إن هذه السجون لها مواصفات خاصة لتأمينها تبدأ من أسوار السجن المرتفعة والملساء حتى لا يتمكن أحد من تسلقها، نافيا أن تكون سجونا سياسية، وأضاف أن السجون شديدة الحراسة التى كانت مخصصة للعناصر السياسية قبل الثورة تغيرت الآن، ولا توجد بعد الثورة سجون سياسية فى مصر. وأشار عليوة إلى أن السجون التى يجرى بناؤها الآن بخلاف سجن «وادى النطرون» الذى انتهى العمل فيه، هما «سجن جمصة» لخدمة منطقة بحرى، التى تعانى من سجونها الصغيرة، و«سجن المنيا» لخدمة محافظات الصعيد التى تعانى أيضا عجزا فى السجون، وقال إنها ستكون مختلفة عن السجون شديدة الحراسة والعمومية الموجودة فى مصر الآن. وعن الأبواب الإلكترونية وتشغيل دوائر تليفزيونية على أسوار هذه السجون، قال إنها مرحلة سابقة لأوانها، ولم يجر التوصل إليها بعد، نافيا علمه بالرسومات الهندسية، ووعد بعرض ما يتعلق بالتكلفة الفعلية والطاقة الاستعابية لكل سجن وما يتاح إليه من الرسومات الهندسية، بما لا يتعارض مع أمن هذه السجون بعد الحصول عليها من إدارة البحوث، وتحديد ما يمكن الإجابة عليه. يذكر أن «الوطن» انتظرت أكثر من شهرين لمقابلة أحد المسئولين بمصلحة السجون، تمكنت بعدها بصعوبة بالغة من مقابلة العميد محمد عليوة، مدير العلاقات العامة بمصلحة السجون، الذى استقبل معظم الأسئلة بتحفظ شديد وإجابات مقتضبة، ووعد بإجابة بقية الأسئلة بعد الحصول على إجابتها من إدارة البحوث، وما زلنا فى انتظار هذه الإجابات.