شيخ الثوار
لا يتفق اسم شخص ومسلكه مع العنوان الدائم لعمودى هذا «ضمير» بقدر توافقه واتفاقه وتعانقه مع الأستاذ الدكتور عبدالجليل مصطفى، ذلك الطبيب الكبير البارع، الذى وهب جهده وفكره وماله وخبرته للحركة الوطنية قبل الثورة بسنوات وأثنائها، دون أن يحيد أبداً عن تجرده ونزاهته وإخلاصه وإنكاره لذاته وحبه الجارف لمصر ورغبته الدائمة والمتجددة فى أداء ما عليه من واجب حيالها.
وقد عجبت كل العجب، وسخرت كل السخرية، من ورود اسمه فى جلسة لحملة المرشح الرئاسى الخاسر، الفريق «أحمد شفيق»، على لسان شخص مجهول قال فى سياق ما نشرته صحيفة «الوطن» بسبقها الصحفى المهم: «عبد الجليل مصطفى عاوز ييجى» موحياً بهذا أنه يريد أن ينضم إلى زمرة أنصار شفيق من الرموز السياسية والنشطاء الذين ذهبوا إليه مستجيرين وخائفين من جماعة الإخوان أو باحثين عمن يدافع عن مصالحهم ومنافعهم.
هاتفت الرجل الكبير قبل يومين فوجدته كعادته مبتسماً هادئاً مطمئناً قوياً، لم ينل هذا الكذب العابر من ثقته فى نفسه، ويقينه فى أن كل مَن يعرفه عن كثب لا يمكن أن يرقى إلى رأسه شك فى أن الدكتور عبدالجليل قد ذهب فى هذا الطريق أبداً. بل وجدته يقول لى:
ـ أنا عارف أنكم لن تصدقوا.
ـ طبعاً، فلقد سخرنا من هذا الدس الرخيص.
وأخبرته أن وائل قنديل قد كتب عموده فى «الشروق» عن هذا الموضوع، وفنّد فيه هذه الأكذوبة. ثم أكدت له أننى سأكتب أيضاً، فابتسم وقال:
ـ يكفينى أن تدافع عنى هذا الأقلام الشريفة.
وطلبت منه أن يصرف النظر عن رفع قضية على «حملة شفيق»، وقلت له:
ـ هذه مسألة عابرة، لن يصدقها أحد، وستموت ويطويها النسيان؛ لأن الكذب لا أرجل له.
فضحك وقال: ربنا يسهل.
عرفت الرجل أيام «كفاية»، وقابلته غير مرة فى المظاهرات على سلالم نقابة الصحفيين وغيرها. وأيام الموجة الأولى للثورة تحولت عيادته الكائنة فى شارع يوسف الجندى، على بعد عشرات الأمتار من ميدان التحرير، إلى «غرفة عمليات» يلتقى فيها رجال السياسة وشباب الثورة يتحاورون فى كل شىء، بدءاً من الرد الإعلامى والحركى على السلطة وحتى سبل توفير إعاشة للمعتصمين من مأكل ومشرب وخيام وأدوية. وكان لى شرف مصاحبته فى جولات ببعض المحافظات لنوقظ الهمم والوعى، وفى الجمعية الوطنية للتغيير حين أصبح «المنسق العام»، فما وجدته إلا واحداً من قلة تعد على أصابع اليد فى حياتنا السياسية المعاصرة ينكر ذاته، ولا يكذب، ولا ينافق، ولا يبيع مبادئه، ولكل هذا ولما قدمه لبلده والثورة فهو يستحق بكل تجرد لقب «شيخ الثوار».