«الوطن» داخل أول معمل «نانو فضاء» فى مصر وسط جبال حلوان

كتب: نادية الدكرورى

«الوطن» داخل أول معمل «نانو فضاء» فى مصر وسط جبال حلوان

«الوطن» داخل أول معمل «نانو فضاء» فى مصر وسط جبال حلوان

لم يرفع الدكتور معروف عبدالمولى نظره عن نافذة الطائرة قبل هبوطها على أرض الوطن عقب غياب امتد لسنوات، عاد بعدها حاملاً درجة الدكتوراه فى «النانو كربون» من إحدى جامعات كازاخستان، ليبدأ بعدها رحلة كفاح منذ عام 2010 للحصول على معمل داخل معهد البحوث الفلكية والجيوفيزيقية، يمكن من خلاله تدشين تخصص النانوتكنولوجى للمرة الأولى بمعهد البحوث الفلكية.

«1903» هى اللافتة التى حُفرت على جدران أحد المبانى القديمة التابعة لمعهد البحوث الفلكية فى حلوان، للتذكير بتاريخ بنائه بمعرفة القوات البريطانية وقت احتلالها لمصر، واستخدم المبنى بغرض إجراء بعض الدراسات المتعلقة بالفضاء، بالتزامن مع إنشاء معهد البحوث الفلكية فى نفس العام، إلا أنه بعد مرور ما يزيد على 100 عام تحول المبنى التاريخى إلى مخزن «للخردة» يجمع مخلفات أثاث المكاتب، وإطارات السيارات المتهالكة، وكان ذلك بمثابة التحدى الأول لـ«معروف» لتحويل هذا المبنى التاريخى لمعمل يضم أحدث التخصصات العلمية وهو «النانوتكنولوجى».

{long_qoute_1}

«كانوا بيسألونى كنت بتعمل إيه طول السنين اللى فاتت فى مخزن الجبل»، هكذا يؤكد «معروف» لـ«الوطن»، متذكراً رحلة الحصول على موافقات لإنشاء معمل عن تخصص النانو تكنولوجى يفيد تخصص علوم الفضاء، إلا أنه وجد إمكانية إعادة استغلال مكان قديم أسهل كثيراً من الحصول على معمل جديد يتطلب مجموعة من «الموافقات الأمنية».

ومنذ أسابيع قليلة، افتتح الدكتور خالد عبدالغفار، وزير التعليم العالى والبحث العلمى، معمل النانو التابع لمعهد الفلك، إلا أن مشهد الافتتاح سبقته رحلة كفاح أشبه بمعاناة خاضها «معروف» طيلة 6 سنوات، كان يتنقل خلالها بين المكاتب الإدارية المختلفة لاستخراج تصاريح لإخلاء المبنى، والحصول على تخصيص مالى لشراء الأجهزة المختلفة للمعمل، الذى افتتح رسمياً من قبل وزارة التعليم العالى والبحث العلمى منذ أسابيع، ليصبح أول معمل للنانو يطلق عليه «معمل الجبل» وهو مخصص لاستخدامات الفضاء والاستشعار عن بعد. وفى أعلى ربوة تطل على القاهرة بالكامل، محاطة بمساحات واسعة من الصحارى والجبال الصغيرة، استغرق الصعود لها ما يقرب من خمس دقائق باستخدام إحدى وسائل النقل المحلية الصغيرة (التوك توك)، تظهر بوابة صغيرة هى مدخل لمعهد البحوث الفلكية أو ما يعرف بـ«مرصد حلوان»، وقف على أحد أبوابها الدكتور «معروف» ليصطحب «الوطن» إلى معمله الجبلى الصغير.

وبعد عبور بوابة صغيرة، يستند على أحد جوانبها سرير حديدى مطوى الجانبين، ويكسو سقفها الخشب الأرميدى الإسبانى، نجد أولى الغرف التى نجح «معروف» فى إخلائها منذ سنوات من «الخردة» ليضع مكانها مجموعة من الكراسى «المتهالكة»، ومكتباً صغيراً وثلاجة يحتفظ فيها ببعض عينات من «النانو ذهب» فى صورته السائلة بجوار العصائر والأطعمة المختلفة، حفاظاً على العينات التى ينجح فى تحضيرها نظراً لتأخر تركيب المكيفات الهوائية بالمعمل. {left_qoute_1}

«الفضاء، والشمس، والزلازل»، هى التخصصات التى يستهدفها معمل «النانو الجبلى» من خلال تحضير مواد نانونية بأشكال مختلفة، أبرزها «النانو كربون»، وهى مواد خفيفة يمكن أن تحدث ثورة علمية بسبب قوتها وقدرتها على توصيل الكهرباء والحرارة، كما تتيح أنابيب النانو التحرك بسرعة فى الفضاء. ويمكن لنفس المادة خفض كلفة نقل المعدات عبر المصاعد وتخفيف وزن الأقمار التى تعمل بالطاقة الشمسية ومحطات الفضاء.

وبدأ المعمل فى نشر أبحاث علمية منذ عام 2014، فى إحدى المجلات العلمية التابعة للمعهد، وهى (NRIGA JOURNAL OF ASTRONOMY AND GEOPHISICS)، وكان بحثاً بعنوان (CHARACTERISTION OF CDSE NANOCRWSTELS USED IN SEMICONDUCTORS FOR AEROSPACA APPLICATIONS PRODUCTION AND OPTICAL PROPERTIES)، يتحدث عن استخدامات الموصلات النانوية المستخدمة فى تطبيقات الفضاء.

وقال «معروف»: «فى الأول كنا بنشتغل فى جزر منعزلة ولا توجد رؤية متكاملة»، لافتاً إلى مجموعة من التحديات التى تواجه الباحث العلمى المصرى، أبرزها أن على مصر السير 10 خطوات أسرع فى عمليات التنمية، وأن معظم المراكز البحثية تعمل فى جزر منعزلة يصعب من خلالها تكوين فرق بحثية، ولا توجد رؤية شاملة تجمع الباحثين المصريين، وتضع لهم خطة للاستفادة من أبحاثهم فى تحقيق نهضة تنموية للبلاد وإيجاد حلول لمشكلاتها.

ولم ينس «معروف» مشهد إقناعه لموظفى المعهد بالموافقة على إخلاء «مخزن الإنجليز» الموجود فى الجبل، لدرجة أنه عمد لإنشاء مخزن آخر بجوار المعهد ليسمحوا له باستغلال المخزن القديم، بجانب سماع عبارات ساخرة من بعض زملائه، منها: «انتوا بتوع فلك ورمضان بكرة إيه علاقتكم بالنانو»، إلا أن ذلك لم يفت فى عزيمته وإصراره على استكمال تحقيق حلمه، بحد وصفه، والحصول على الموافقات المختلفة لشراء وحدات المعمل بعد تخصيص ميزانية لها لشراء الأجهزة التى تقدر حالياً بنحو 2 مليون جنيه بعد ارتفاع سعر الدولار.

ورغم أن المعهد يكتظ بطلبة البكالوريوس فى بعض الكليات العملية بغرض التدريب، ومجموعة من الباحثين بالمراكز البحثية المختلفة مثل المركز القومى للبحوث لإجراء رسائل الماجستير والدكتوراه بالتعاون مع المعمل، إلا أن «معروف» لا يجد عاملاً يعاونه على نظافة المعمل أو نقل أغراضه المختلفة.

«أنا اللى بكنس المعمل كل يوم»، هكذا وصف «معروف» اختفاء العمالة المعاونة له، نظراً لرفض معظم العمال الالتحاق بالعمل فى معمل يقع فى الجبال، ورغم حصول مدير المعمل على موافقة من الدكتور حاتم عودة، رئيس المعهد القومى للفلك، لتعيين اثنين من الباحثين المساعدين سنوياً للعمل بالمعمل، إلا أن الباحث الوحيد الذى نجح فى الحصول على تعيين بالمعمل منذ يناير الماضى لم يلتحق بالعمل حتى الآن لتأخر الموافقة الأمنية على تعيينه، ما يجعل مفاتيح المعمل فى نهاية اليوم تعود لحقيبة «معروف».

{long_qoute_2}

لجأ «معروف» فى بعض الأحيان لدراسة الكيمياء من الكتب الدراسية المقررة على طلبة الإعدادى والثانوى، نظراً لحظر تعيين أى تخصصات تتعلق بالكيمياء بالمعمل، وفقاً للائحة المعهد القومى للبحوث الفلكية، ما يجعل تغيير اللائحة من المطالب الضرورية، كما ذكر «معروف»، إن أراد المعهد الاستفادة الحقيقية من التكنولوجيات العلمية الجديدة.

ومن داخل أحد الأدراج الصغيرة استخرج «معروف» مجموعة من الخلايا الشمسية الصغيرة التى حصل عليها هدية من إحدى الشركات لإجراء بعض التجارب عليها لزيادة كفاءتها باستخدام مواد النانو، خاصة الخلايا الشمسية التى تعد أحد مكونات الأقمار الصناعية، ودراسة مدى تحملها للعوامل المناخية المختلفة.

وفى زجاجة صغيرة استخرجها «معروف» من ثلاجة، تستخدم لحفظ العصائر والأطعمة، تحوى النانو ذهب فى حالته السائلة بعد استخدام ملح الذهب لتحضيره، استعان به مدير المعمل فى آخر دراساته المنشورة يناير من العام الماضى فى إحدى المجلات الأمريكية (JORNAL OF NANO MATRIAL AND MOLECULAR NANO TACHNOLOGY) معامل تأثيرها 1.06، جاءت: بعنوان (STRUCTURAL AND OPTICAL CHARACTERISTICS FOR GOLD THIN FILMS DEPOSITED ON POLYMER SUBSTRATES)، بفحص جسيمات النانو على أنواع مختلفة من الدعامات أو البوليمر، رقائق صغيرة من الزجاج أو السيليكون، للتعرف على مدى تجانس توزيع الجسيمات عليها بما يتلاءم مع التطبيقات المختلفة، ما يشير إلى تطبيقه لأهم الدروس التى تعلمها من فترة بقائه فى معامل كازاخستان أن ينتج بحثاً علمياً بإمكانيات تقترب إلى الصفر. ومن خلال إبرة كبيرة الحجم، يندر مشاهدتها داخل معامل تكنولوجيا النانو، بدأت الدكتورة عفاف مصطفى، الباحثة فى وحدة بلازما الفضاء بمعمل أبحاث الفضاء، أخذ عينة من الزجاجة التى تحوى سائل «النانو ذهب» لتشرع فى وضعها على دعامة زجاجية أو ما يسمى بـ«البوليمر» توضع بعدها فى جهاز «ماجنتيك ستينر» الدوار المغناطيسى، الذى يساعد على تجفيف المادة الموجودة على سطح الدعامة بشكل أسرع من التجفيف اليدوى، تحرك الدعامة باليد عدة مرات لتجف، ثم تبدأ بعدها فى دراسة مدى تجانس توزيع جسيمات النانو على الشريحة من خلال وضعها تحت الميكروسكوب الإلكترونى.

«علوم الفضاء لا تحتمل الخطأ»، قالت «عفاف»، أحد الباحثين المشاركين فى آخر دراسة نشرت لمعمل النانو التابع لمعهد الفضاء بالتعاون مع الدكتور «معروف»، لافتة إلى أن الدراسة نجحت فى الوصول لنتائج معملية باستخدام أبسط الإمكانيات تضاهى مثيلتها بالمعامل العالمية، وهو ما أثار لجنة تحكيم الورقة البحثية، بحسب قولها. ومن خلال التقاط صورة باستخدام كاميرا محددة، يمكنها التقاط صور من الميكروسكوب، باستخدام تقنية تسمى (IMAGE PROCESSING)، يمكن من خلالها التعرف على مدى تجانس توزيع جسيمات النانو مع نوع الدعامة، ففى حال اختلاف التوزيع مع نوع معين من الدعامات سواء كانت زجاجية أو من السيلكون أو دعامة «أى تى أو» التى تتكون من التيتانيوم أوكسيد، يمكن حينها التوصل للخصائص المختلفة لتوزيع المواد النانوية على الدعائم التى تستخدم فيما بعد ضمن مكونات العديد من الأجهزة الإلكترونية مثل الحواسب الآلية، كما يدخل النانو ذهب فى العديد من التطبيقات فى المجالات الطبية الحيوية، والأجهزة البصرية غير الخطية.

{long_qoute_3}

استطاعت هذه الدراسة بأقل تكلفة ممكنة، كما ذكرت «عفاف»، إنتاج الأغشية الرقيقة من النانو والتعرف على الخصائص المختلفة للنانو ذهب باختلاف أسطح الدعامات، التى يمكن أن تكون نواة لتصنيع ما يسمى بـ«مجسات نانو»، وهى مجسات متناهية الصغر ولاسلكية وسريعة وفى غاية الحساسية، يمكن وضعها مع المجسات الإلكترونية والكيميائية أو البصرية لاستخدامها فى المهام العلمية، لا سيما فى التحليل الفورى وعمليات الروبوت.

عُرف «النانو ذهب» فى مصر خلال السنوات الماضية على أنه المادة التى تحمل الأمل لمرضى السرطان، بحسب ما أعلنته تجارب الدكتور مصطفى السيد، عالم الكيمياء المصرى بجامعة جورجيا الأمريكية، الذى صُنف عام 2011 ضمن تصنيف تومسون رويترز واحداً من أفضل علماء الكيمياء فى العقد الماضى، لاستخدامه مواد «النانو ذهب» فى علاج مرض السرطان، التى بدأها فى مصر وأمريكا بالتزامن خلال عام 2010، عقب اكتشاف «السيد» خواص مادة النانو ذهب التفاعلية، التى تساعد على تفتيت الخلية السرطانية، والتى ما زال الفريق البحثى يجرى تجاربه على حيوانات التجارب وصلت إلى الكلاب والأحصنة، بعد الانتهاء من التجارب على الفئران بأحجام مختلفة.

ويتلخص استخدام جزيئات الذهب النانوية فى تجارب «السيد» بتسليط أشعة الليزر على الخلية المصابة المحقونة بجزيئات الذهب للقضاء على الخلية المصابة، دون أن تؤثر على الخلايا السليمة، إلا أن الفريق البحثى ما زال يدرس الآثار الجانبية على باقى وظائف الجسم بعد الحقن بجزيئات نانو الذهب.

لم يتخيل محمود مصطفى، الحاصل على ماجستير هندسة من جامعة عين شمس، أنه لن يضطر للسفر خارج مصر لدراسة خواص المواد النانوية فى تحضير رسالته للدكتوراه قبل ظهور معمل «معروف» للنور، هكذا قال «محمود»، فى تصريحاته لـ«الوطن»، لافتاً إلى عمله منذ ثمانى سنوات فى معامل رصد الأقمار الصناعية بتخصص استخدام الخلايا الشمسية فى مكونات الأقمار الصناعية، وكيفية زيادة كفاءتها، وتقليل حجمها.

وفى إحدى المواد الدراسية لما قبل الدكتوراه، تتعلق بمواد النانو، يتعرف «محمود» على الجانب التطبيقى من خلال وجوده فى معمل النانو التابع لمعهد الفلك، خاصة أنه يعمل على رسالة دكتوراه تتعلق بمدى تأثير استخدام «النانو كربون» على أسطح الخلايا الشمسية فى زيادة كفاءتها، وجزء كبير من هذه التجارب يساهم معمل «النانو الجبلى» فى إنجازها خلال الوقت الحالى.

«يساعدنى الدكتور معروف على إنتاج المواد النانوية التى نختبر وضعها على الخلايا الشمسية للتعرف على خصائصها الكيميائية ومدى تفاعلها»، قال «محمود»، لافتاً إلى أنه لم يستطع التعرف على الشق التطبيقى لتكنولوجيا النانو وقت دراسته للماجستير، واكتفى حينها بالدراسة النظرية لمكونات النانو، لخلو جامعة عين شمس من معمل متخصص فى الجانب التطبيقى للنانوتكنولوجى.

«عايزين اعتمادات مالية»، قالها «معروف» مخاطباً وزارة التعليم العالى والبحث العلمى، لافتاً إلى أن المعمل يحتاج للعديد من الكيماويات التى أصبحت مكلفة، إلا أنه يسعى خلال الفترة الحالية للحصول على منحة من صندوق العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية البحث العلمى لتمويل جانب من احتياجات المعمل، الذى أصبح القلب النابض لجميع تخصصات معهد الفلك فيما يتعلق بتكنولوجيا النانو، إلا أنه ما زال يعتمد على الشفاطات الهوائية لامتصاص بعض الأبخرة الصادرة من الاختبارات المعملية التى تجرى على قمة أحد الجبال فى المنطقة.

هذا الموضوع جزء من مشروع الصحافة العلمية «الكتابة فى المجال العلمى» لمعهد جوته والأكاديمية الألمانية للتبادل العلمى (DAAD)، بدعم من وزارة الخارجية الألمانية الاتحادية.


مواضيع متعلقة